fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

كيف تحدّت صورة الثقب الأسود قدرتنا على السؤال؟

قبل بضع سنوات، مرت عليّ فترة عانيت فيها من الأرق، وفي خضم تلك الحالة نمت لدي عادة لفترة وجيزة، وهي المساهمة في مشروع “حديقة المجرات” (Galaxy Zoo) على شبكة الإنترنت. كنت أُسجل الدخول إلى موقع إلكتروني يعرض صوراً فريدة، الواحدة تلو الأخرى، لعشرات آلاف المجرات التي رصدها “تِلسكوب هَابل” الفضائي، على بعد مليارات السنين الضوئية. ونظراً إلى عدد هذه الصور الهائل، أتاح علماء الفلك الفرصة أمام آلاف المتطوعين الهواة للمساعدة في تقليص نطاق تلك المجرات التي تستدعي المزيد من الدراسة والتحليل.

كنت أمضي الساعات الأولى أنظر بفضول إلى شاشة جهاز الكمبيوتر الخافتة، وأحدق في مجموعة النجوم التي بدت مثل “عجلات كاثرين” وربما لم ترها أي عين بشرية من قبل. أشرت إلى المربعات ذات الصلة التي من شأنها أن تساعد في تصنيف تلك النجوم، ما إذا كانت “بيضاوية أو حلزونية الشكل”، “ملساء أو مجعدة” – ثم توقفت لبرهة أمام السؤال النهائي المُطلق: “هل هناك أي شيء يبدو غريباً في هذه الصورة؟” (وهو استفسار بدا دائماً يفترض الرد التالي: “أنت تعني أن ثمة شيئاً يبدو غريباً، فضلاً عن حقيقة أن الصورة عبارة عن كتلة دوارة من الأنظمة الشمسية التي لا تحصى، ومن المحتمل أنها ماتت وانقضت منذ ملايين السنين؟”).

توقفت عن دخول هذا الموقع بعد مضي بضع ليال. لأن ما تصورت أنه قد يكون طريقة ناجحة لمساعدتي على النوم، تبين أنه طريقة مثيرة للقلق وغير مفيدة. فعلى رغم قدراتي الجيدة، لم أستطع تحمل الصبر الذي يتطلبه هذا العمل – كما بدأت المجرات تبدو مألوفة بصورة مملة، وكنت بحاجة إلى المزيد من الإثارة والدهشة. ثم شعرت بالقلق من أنني قد أغفلت بسبب الاستعجال الذي ينم عن عدم احترام، بعض العناصر الحاسمة في التشكيل وحكمت عليها إلى الأبد بالغموض العلمي.

في نهاية المطاف، استسلمت بعدما أغلقت حاسوبي المحمول، واستلقيت مستيقظاً في إحدى الليالي، سائلاً بارتياب عن سبب تصوري أن التأمل في اتساع هذا الكون الهامد القديم، كما يظهر في الصور المصغرة، يُمكن أن يفضي إلى نوم هادئ.

تذكرتُ كل ذلك، عندما كُشف النقاب عن أول صورة استثنائية لثقب أسود في المؤتمر الصحافي لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية في واشنطن العاصمة. فاقت الصورة، التي نتجت عن مشروع دولي دام عقداً من الزمن، بتنسيق بين 8 تلسكوبات من أنحاء مختلفة في العالم بما في ذلك واحد في القطب الجنوبي، جميع أنواع الإحصاءات المذهلة. الصورة لثقب أسود يقع في مركز مجرة “مسييه 87” التي تقع على بعد نحو 55 مليون سنة ضوئية عن الأرض. وله كتلة تُقدَّر بنحو 6.5 مليار ضعف كتلة الشمس، مكثفة في بقعة صغيرة. وتشبه عملية التقاط هذه الصورة للثقب الأسود العملاق في قلب هذه المجرة، تصوير فنجان من الشاي على سطح القمر.

تشكلت هذه الرؤية التاريخية أمام أعيننا الجماعية في الحال، ولكن من الواضح أننا شرعنا في تنفيذ تلك المهمة العاجلة المتمثلة في الحط من قدر جميع آثارها التي يتعذر فهمها، والاستهزاء بها بطريقة دونية. وسرعان ما بدأت البوادر الأولية للصور الهزلية المرتبطة بهذا الحدث التاريخي في الظهور والانتشار على موقع “تويتر”. فقد صورها البعض على أنها “كعكة محلاة يتناولها هومر سمبسون”، وشبهها آخرون بـ”النظرة الشريرة الرائعة التي تبدو في عيون القطة”، بل قال البعض إنها تبدو مثل “حلقات المكرونة الاسباغيتي التي تحوم فوق كون من الخبز المحمص”، وفسرها البعض بأنها “بشائر انفراجه سريعة من ويلات البركسيت”. وبالسرعة ذاتها تقريباً، اغتنم الخطباء والواعظون من معتنقي جميع الديانات ومن لا دين لهم، الثقب الأسود في أنحاء أخرى على شبكة الإنترنت، معتبرين أنه دليل على غضب الله، أو مشيئته، أو غيابه.

وبحلول الوقت الذي صدرت فيه الصحف الصباحية في اليوم التالي، صُور الثقب الأسود بطريقة تناسب الأنماط المعتادة. فقد بدا أن الشاغل الرئيسي للصحافة الصفراء هو ما إذا كان الثقب الأسود يمثل تهديداً وشيكاً لنا (أو لأسعار منازلنا). ولذلك، سُئل قراء جريدة “ذا صن” البريطانية اليومية التي تحمل الاسم المفضل لدى علماء الكونيات “الشمس”، هذا السؤال: “هل يُمكن النجاة لو سقط فيه”؛ هيكل رباعي الأبعاد حيث الزمان والمكان يفقدان تفردهما ويندمجان، كما لو كان الثقب الأسود “بالوعة” صرف صحي مفتوحة. وقد توافقت الآراء عموماً على أنك لن تنجو (لأسباب ليس أقلها أن الفرق في الجاذبية بين رأسك وقدميك سيمدد جسدك مثل قطعة من العلكة”).

وفي الوقت نفسه، قررت وسائل الإعلام الليبرالية ومنتقديها أن ما يهم في وجود دليل بصري لمكان يتمتع بكثافة لا نهائية، ولا يُمكن حتى للضوء الإفلات من جاذبيته، هو شن حرب تصيّد على شبكة الإنترنت بشأن نوع جنس المسؤولة الرئيسية عن اكتشافه. ولم يأل الشخص موضوع تلك المناقشة، وهي كاثرين باومان العالمة الأميركية المُلهمة ذات الـ29 سنة، المختصة في علوم الحاسوب، التي ساعدت على وضعَ خوارزمية مكّنت من التقاط أوّل صورة حقيقية للثقب الأسود، جهداً في سبيل مناقشة ذلك الأمر، فبصراحة، القصة لا تدور حولها حقاً. ولكن ما أدراها هي بأي شيء؟ في الوقت الراهن، يندرج الثقب الأسود في نشرات الأخبار على مدار 24 ساعة التي لديها القدر ذاته من الكفاءة على محو الواقع من دون ترك أي أثر.

بدت بعض الحقائق التي أثبتت ضخامة هذا الإنجاز تستحق التشبث بها، قبل أن تختفي تماماً على أفق الحدث الخاص بها. إحداها هي حقيقة أنه حتى أينشتاين، الذي تنبأت معادلاته الخاصة بالمجال، لأول مرة بإمكانية “التفرد” الذي يُمكن أن ينهار إلى الأبد، لم يستطع أن يجبر نفسه على الاعتراف بالأدلة التي توصلت إليها الحسابات الرياضية الخاصة به. فَقَد استنباط كارل شفارتزشيلد، وهو عالم فيزياء عاصر أينشتاين، الدليل من بحثه الذي نشره عام 1915 حول النسبية العامة. وعلى رغم قبول أينشتاين الأساس النظري لهذا الدليل، فقد نشر بحثاً جديداً عام 1939، قدم فيه كما يقول “فهماً واضحاً للأسباب التي تؤكد عدم وجود متفردات شفارتزشيلد، في الواقع المادي”.

يعكس هذا الأمر شيئاً ما عن تلك اللحظة التاريخية التي نعيشها -أو عن الحدود الجوهرية لقدرتنا على طرح الأسئلة- وهو أن تلك الصورة لهذا الواقع المادي أصبحت طبيعية تماماً بلا أدنى جهد. من المحتمل أننا كبشر نحدق في النجوم بشكل أقل من أي وقت سابق في تاريخ البشرية، لكن رد الفعل التلقائي القديم أن الكون يُجسد شكل الإنسان، والإصرار على أننا كبشر محور الكون، لا يزال مستمراً.

كما يقول ت. س. إليوت في تأملاته حول تسلسل أينشتاين الخاص بالزمكان الذي يتصل فيه الزمن كبعد رابع بالأبعاد الثلاثة، في إحدى رباعياته Burnt Norton، “لا يمكن الجنس البشري أن يتحمل الكثير من الواقع”. فقد أثبت العلم أن الثقب الأسود هو أبعد ما يكون من فهمنا، ولكن الأدلة القابعة أمام أعيننا حالياً تذكرنا بأنه لا يزال من الصعب علينا للغاية إدراك أبسط مبدأ في الكون: الأمـر لا يتعلق بنـا.

 

هذا المقال مترجم عن theguardian.com ولقراءة المادة الاصلية زوروا الرابط التالي.

 

 

إقرأ أيضاً