fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

كيف انتصرت “ليلى” الحريّة على ذئب المنع؟

انتصر “مشروع ليلى” على المنع. فقد عرّى مُعارضي الحفل واكتسى بشهرة أوسع في صفوف المسيحيّين اللبنانيين المُقيمين بعد نفق “نهر الكلب”. فضحت الفرقة الموسيقيّة التي لم تُرحّب بها أبرشيّة جبيل المارونيّة ولا المركز الكاثوليكي للإعلام ولا ذوو الإيمان المسيحيّ القلق، ضعفَ المجتمع الرافض لها والمحرّض ضدّها، وركاكة ما يدّعون الدفاع عنه، لا قوّته.

اتّبع الرافضون المسيحيّون نهج شريحة من زملائهم المسلمين في أنحاء البلاد، وفي مصر والأردن حيث مُنعت فرقة “مشروع ليلى” من إحياء الحفلات سابقاً. لم يحافظوا على شيء من التمايز الذي طالما افتخروا وجاهروا به، ظنّاً منهم أنّه يُظهرهم بحلّة المنفتح المتحضّر الحرّ الداعي إلى تقبّل التنوّع والتعدّديّة وتقدير الفنون. تخلّوا عن هامش الاختلاف هذا، لصالح التماهي مع بعض ممارسات “الطوائف الأخرى” التي كانوا بالأمس يشجبونها وباتوا اليوم يستقوون بها. خلعوا الحلّة المزيّفة ليلبسوا حلّةً أكثر تعبيراً عن الحقيقة المرّة خلف غضبهم المفتعل. حقيقة أنّهم خائفون، وبائسون، ومُفلسون.

“دعوا المسيح يدافع عن نفسه”. قالها الكاهن الراحل جورج مسّوح في مناسبة مشابهة. واليوم، لا كلام أرقى وأفصح ممّا كتبه الأب مسّوح ردّاً على نسخةٍ أخرى ممّن سمّوا أنفسهم اليوم، إثر التحريض المنظّم لمنع حفلة “مشروع ليلى” في مهرجانات مدينة جبيل/بيبلوس في لبنان، بـ “جنود الربّ”. والمقصود بهم الجنود المدافعون عن الدّين المسيحي ورموزه ومقدّساته، ضد الخطر المحدق بها الذي يجسّده صوت الفرقة، حامد سنّو.

فرقة مشروع ليلى

“يثور المسيحيّون، أو معظمهم، على مَن يسيء إلى رمز من رموز المسيحيّة، لكنّهم يصمتون أمام الاضطهادات التي يتعرّض لها إخوتهم من الفقراء والأرامل واليتامى والنازحين والمهجّرين (…). تثور ثائرتهم على مَن يسيء بالكلام إلى المسيح، لكن لا مشكلة لديهم إنْ انتخبوا قادةً لهم مَن لوّثوا أيديهم بالدم أو مَن لوّثوا أيديهم بالمال… يعتبرون هذا السلطان الجائر حاميهم وضامن ديمومتهم في هذا الشرق البائس (…). المسيحيّون، أو معظمهم، يريدون دائماً أن يثبتوا أنّهم في تعارض تامّ مع سيّدهم وربّهم. يحيون في ازدواجيّة قاتلة تجمع ما بين نقيضين لا يمكن أن يلتقيا. هذه الازدواجيّة التي تأخذ شرعيّتها من طغيان الفكر الطائفيّ على الفكر الكنسيّ، لا بل على غياب كامل للفكر الكنسيّ في سبيل الدفاع عن مصالح الطائفة وماسكي أمورها من الزعماء وذوي الأموال”.

يجوز إعادة نقل مقالة الأب مسّوح كاملةً هنا، لشدّة دقّتها وقدرتها الفريدة على العبور بخفّة من سياق إلى آخر ومواءمة حفلة الجنون الراهنة. والأمثلة عن أقوال وردود صدرت عن كهنة ومفكّرين مسيحيّين يعارضون تصرّفات القمع والمنع هذه لا تنتهي.

ومن أشهر الحوارات في الغرب، في العام نفسه الذي نشر فيه الأب مسّوح مقالته، نقاش هادئ بين ملحد ومؤمن، تضمّن ردّ مميّز لجاستن ويلبي، مطران مدينة كانتربيري الإنجليزيّة، على اتّهام الممثّل البريطاني “ستيفين فراي” للّه الباري خالق الكون، بالأنانيّة والوحشيّة والمزاجيّة والشرّ! أعقب آنذاك المطران ويلبي على هذا التصريح بقوله الشهير: “يتمتّع ستيفين فراي بحقّه في قول ما يريد بالقدر نفسه الذي يتمتّع به المسيحيّون بحقّهم في البوح بإيمانهم بيسوع المسيح (…) نعم، نحن في الكنيسة مقدامون وجريئون، ولكن علينا أن نتحلّى بشيء من تواضع المدمن على الكحول الذي كان في وقت من الأوقات مدمناً –وفي حالتنا على ارتكاب الممارسات القمعيّة والمؤذية- واليوم تعلّم أن يميّز بين الصواب والخطأ وأن يقول لغيره: لا تكن كما كنّا”.

الكنيسة، كمؤسّسة بشريّة ذكوريّة هرميّة ثريّة، كانت أيضاً في مرحلة من الزمن مُجرمة. كانت قاسية. ولا ضير في التصالح مع هذا الأمر. كانت متصلّبة لا مصلوبة. مُرعبة لا مُلهمة. مُعسّرة لا مُيسّرة. كانت، بهذا المعنى، سبّاقة في “الداعشيّة”.

اليوم، لم تعد هذه المؤسّسة مُجرمة، ولكن شاء بعض القيّمين عليها، كرئيس المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو أبو كسم، والمحامية كريستين نخّول التي تقدّمت بإخبار أمام النيابة العامّة الاستئنافيّة في جبل لبنان ضد عرض الفرقة في جبيل، أن يخلّدا أوجهاً من الداعشيّة “الناعمة” ويحافظا على خصالها القامعة التي لا تشبه، لا من قريب ولا من بعيد، وجهَ المصلوب المائل دوماً إلى الأرض، إلى الأسفل، إلى القعر، البيّن  للمؤمنين وغير المؤمنين به.

رأى الأب أبو كسم والمحامية نخّول وغيرهما في القانون مرجعاً يلوذون إليه في حال لم تصل حملة منع العرض إلى مبتغاها، ونجحوا في إيصال أفراد من الفرقة إلى غرف التحقيق يوم 24 تمّوز/يوليو 2019، ومن بعدها إلى “أروقة تفتيش” الأبرشيّة! بعضٌ من القانون قد يصبّ جوراً في صفّ هؤلاء باسم المسّ بالمقدّسات وإثارة النعرات الطائفيّة التي نفى “مشروع ليلى” أي نيّة له بالمسّ بها، وأكّد احترامه لها، مستغرباً موجة الاعتراض على أغنية “لا تسيء إلى أحد بشيء”.

لم ينتفض الرافضون، والمتسلّحون ببعض جوانب القانون دون غيرها، على إثارة السياسيّين اليوميّة للنعرات الطائفيّة والمذهبيّة والعنصريّة ضد لبنانيّين وسوريّين وفلسطينيّين. لم يعترضوا، مشكورين، على حفل Queen Symphonic في مهرجانات بيبلوس نفسها تكريماً لفرقة “كوين” وفريدي ميركري، ربّما لأن ميركري لم يكن لبنانيّاً أو عربيّاً؛ ولا على خطابات الأحزاب اللبنانيّة المتباينة، وعلى رأسها حزب القوّات المسيحي الذي يفاخر بتقدمّيته من جهة، ويساير دعوات المنع من جهة أخرى. ولعلّ الأخطر من كل ذلك هو عدم اكتراث هؤلاء للتهديدات المباشرة “السْترَايْتيّة” التي وجّهها المعترضون على الحفل لأعضاء الفرقة وجمهورها ولتباهيهم بأسلحتهم وجهوزيّتهم للجوء إلى القوّة والعنف.

فهل مَن يرى في القانون ملاذاً لردع هؤلاء والادّعاء عليهم مثلاً، والانتصار لليلى، بصرف النظر عمّا إذا كان يحبّها أم لا، قبل أن يلتهمنا الذئب جميعاً، ليلى تلو الأخرى؟ 

 

حين يتماهى “الشرطي الصغير” مع الأخ الأكبر… قضيّة شربل نموذجاً

 

 

إقرأ أيضاً