fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عيساوي

أحمد عيساوي

مقالات الكاتب

كيف استعاد ماكرون شعبيته وقلب الطاولة على خصومه؟

في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وصلت شعبية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى 23 في المئة؜، وهي النسبة الأدنى له منذ وصوله إلى الإليزيه في ربيع عام 2017. رقم جعل بعض المراقبين والعارفين بأحوال السياسة الفرنسية يتذكرون تخبّط الرئيس فرانسوا هولاند في السنتين الأخيرتين من ولايته الرئاسية، ودفعت بالبعض الآخر إلى استذكار نيكولا ساركوزي كأول وآخر رئيس حافظ على استقرار شعبيته طيلة ولايته التي امتدّت بين عامي 2007 و2012.

لكنّ التراجع الذي شهدته شعبية ماكرون إثر عاصفة “السترات الصفر” بدأ ينحسر شيئاً فشيئاً مع الخطوات التي اتخذتها حكومة ادوارد فيليب لكبح الحالة الاعتراضية في الشارع، التي انعكست إيجاباً في تحسّن القدرة الشرائية وتراجع نسبة البطالة في الأشهر الستة الماضية، أضف إليها إصرار ماكرون على ورشة الحوار الداخلي التي أطلقها ليجهّز من خلالها معركة الانتخابات البلدية في الربيع المقبل.

أمام الاستحقاقات الداخلية التي تنتظره في ملفات إصلاح قانون التقاعد – الملف الذي يخشاه جميع الرؤساء – والقانون الخاص بأخلاقيات علم الأحياء والتخصيب الاصطناعي، إضافة إلى ملفات البيئة والمدارس، يخرج ماكرون اليوم من جولةٍ ربحها بحنكة ديبلوماسية في قمة الدول السبع في بياريتز.

أمام كنيسة “سان – مارتان” في بياريتز في البيرينيه – الأطلسية، قدّم ماكرون درساً في الديبلوماسية الدولية، في طريقة التعامل مع الأزمات الأمنية العالقة في إيران، سوريا، أوكرانيا والملفات الاقتصادية مع الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، مذكّراً الرؤساء الحاضرين بأنّ “العالم كله يشاهدنا”. دعا وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف بشكل مفاجئ إلى القمة، والتقى على هامشها رئيس الحكومة الهندية ونظيره الصيني وتحدّث علناً عن حرائق الأمازون ومسؤولية نظام الرئيس بولسونارو عن تلك الجريمة مستعيداً جاك شيراك: منزلنا يحترق. الأمر الذي لم يعجب البرازيل التي ردّت بلسان بولسونارو نفسه عبر شتائم ذكورية طاولت زوجة الرئيس الفرنسي.

في ساعات متأخرة من الليل، كما يروي الصحافيون الذي يعملون في الإليزيه، يعمد ماكرون قبل كل جولة ديبلوماسية إلى ما يصطلح عليه في سلوكيات رجال الشرطة والتحرّي الـ”profilage”، أي محاولة فهم وتحليل الشخصيات التي سيلتقيها في الحدث، الذي ينتظره وذلك من خلال قراءة عاداتهم وسلوكياتهم. تنقل مراسلة “لوفيغارو” آفا دجامشيدي عن مستشار سابق في وزارة الاقتصاد أنّ ماكرون “يمتلك قدرة غريبة على شدّ المتلقي وإقناعه حتى لو كان يكذب، هو يذكّرني بالثعبان الذي يقوم بتنويم ماوكلي في كتاب الأدغال ويغني له: ثق بنفسك وثق بي”.

لا يحصر ماكرون علاقاته مع الزعماء بميدان السياسة والاقتصاد والعلاقات الديبلوماسية، إذ يعمد إلى بناء علاقات شخصية يستفيد منها في كسب رصيد في ملعب خصومه الخارجيين، كأن يلجأ إلى طلب رقم الهاتف الشخصي فور انتخاب زعيم سياسي جديد، كما حصل مع بوريس جونسون الذي تلقى أوّل اتصال لتهنئته من قصر الإليزيه. ولا يقف الأمر على خصوم الرئيس – الذي يدأب على شرب كأس من النبيذ مع أنجيلا ميركل في كلّ جولة خارجية تجمعهما – إذ يتذكّر كل مناسبة ويقتنص الفرصة ليبرهن عن دماثة أخلاقه كما فعل مع رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشيل عندما رزق بمولودته فأرسل لها هدية تذكارية.

وإذا كان ماكرون يلجأ إلى الديبلوماسية على الطريقة الديغولية لحلّ الأزمات العالقة، فإنه يعرف كيف يمرّر الرسائل لخصومه الذين يتربّصون بأوروبا واقتصادها، كحال اللقاء الذي جمعه والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. إذ تعمّد ماكرون استضافته في قصر بريغانسون الصيفي في إقليم الڤار على الكوت دازور، حيث اعتاد كبار الأوليغارشيين الروس تمضية عطلتهم الصيفية وتحدّث معه عن ملفات كثيرة من بينها سوريا، على مرآى البارجة الشهيرة Languedoc (التي استخدمت لضرب أهداف سورية العام الفائت) التي ترسو في مياه المتوسّط.

نجاح قمة الدول السبع ساهم في تلميع صورة ماكرون وذكّر بقوة فرنسا الخارجية مع “لا” جاك شيراك المدوّية في حرب العراق عام 2003 وخطاب فرانسوا ميتيران المتلفز الذي دعا إلى تحرير الكويت عام 1990. في ميزان الأرقام، يشير الـIFOP إلى أنّ 55 في المئة؜ من الفرنسيين راضون عن سياسة ماكرون ومواقفه الخارجية. لكنّ النجاح الخارجي ليس وحده المسؤول عن عودة ماكرون إلى صدارة الشخصيات السياسية، بعيداً جداً من مارين لوبان وجان لوك ميلانشون وخلفهما حزبي اليمين واليسار التقليديين.

لطالما أثّرت الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية على شعبية الرئيس الفرنسي، لكنّ المزاج الفرنسي العام، بدأ يتماهى مع عبارة طفت على سطح المشهد في ولاية هولاند «ça va mieux» (الوضع يتحسّن)، بخاصة مع الخطوات التي انتهجها ماكرون بموازاة سياسته الأمنية «anti – chienlit»، من إلغاء الضريبة على السكن، ومكافأة العمل التي يستفيد منها اليوم 5 ملايين فرنسي، وساعات العمل الإضافية المدفوعة وصولاً إلى ضخ 17 مليار يورو لتحسين القدرة الشرائية وخلق فرص عمل جديدة تحديداً في قطاع التجارة. 

 

التراجع الذي شهدته شعبية ماكرون إثر عاصفة “السترات الصفر” بدأ ينحسر شيئاً فشيئاً مع الخطوات التي اتخذتها حكومة ادوارد فيليب لكبح الحالة الاعتراضية في الشارع، التي انعكست إيجاباً في تحسّن القدرة الشرائية وتراجع نسبة البطالة في الأشهر الستة الماضية، أضف إليها إصرار ماكرون على ورشة الحوار الداخلي

 

من بين ملفات كثيرة تشغل الفرنسيين، يتقدّم مشروع إصلاح قانون التقاعد  الملفات كلها. الأزمة المزمنة التي يعرّفها الفرنسيون أنّها الأخيرة من الأخيرات (la der des ders) ويجمعون على شيء أكيد: إصلاحها يعني إصلاح نظام برمّته، تشكّل معركة حاسمة إذا ما نجح ماكرون في تجاوزها، فإنه سيكسب رصيداً كبيراً لدى جيل المتقاعدين وكبار السن وسيكمل طريقه في القضاء على الحزب الجمهوري اليميني، من خلال اقتلاع قاعدته الشعبية التي أصبحت في جزء كبير منها ماكرونية الهوى.

وهو لذلك عيّن بداية الأسبوع كبير المفوّضين العاملين على ملفّ التقاعد منذ سنوات جان- بول ديلوڤوا وزيراً ليعجّل في إقرار القانون الجديد. اختار ماكرون شخصية شيراكية، ديغولية الهوى، ووزيراً سابقاً عاصر الفشل الذي مني به القانون في عهود بالادور وفييون وأيرولت وأوكله المهمة الأصعب في الجمهورية الفرنسية: كيف سيعمل من نظام التقاعد التضامني القائم على مبدأ أنّ من يعمل يموّل من هو متقاعد (الذي بدوره موّل من سبقه من المتقاعدين) إلى نظام يلبّي شروط اليوم، بخاصة أنّ عدد الولادات ما زال دون الوسط ومعدّل كبار السن ما زال مرتفعاً.

على أنّ ماكرون الذي عرف بمواقف صدامية تصنّف على اليمين في ما خصّ الإصلاحات الاجتماعية كحال قانون العمل وقانون إصلاح نظام العمل في الشركة الوطنية للسكك الحديد – والذي وعد خلال حملته الرئاسية بعدم المسّ بسنّ التقاعد القانونية 62 عاماً- يبدو متريّثاً في تعاطيه مع هذا الملف وهو يخوض جلسات استشارات طويلة مع النقابات والمعارضة ويبدو أقرب إلى المسير بنظام اشتراك اجتماعي بالنقاط ليحلّ مكان الاشتراكات السنوية مع رفع سنّ التقاعد الشامل أي سن التوازن (لا السن القانونية) إلى 64، وتثبيت الراتب التقاعدي الأدنى عند 85 في المئة من الحد الأدنى للأجور، الأمر الذي ترفضه النقابات وترى فيه ابتزازاً.

ويتم إجبار الفرنسيين على العمل سنتين إضافيتين للحصول على تقاعد كامل وتصرّ على أن يكون الراتب التقاعدي الأدنى مساوياً للحد الأدنى للأجور.

والحال أنّ ماكرون المقبل على ورشة سياسية كبيرة تحضيراً للانتخابات البلدية في آذار/ مارس المقبل، وسط انقسام في قاعدته الحزبية بعد إعلان الماتيماتيكي سيدريك ڤيلاني عدم التزامه ترشيح بانجامان غريفو في انتخابات الحزب الداخلية وإعلانه خوض السباق في بلدية باريس، يسعى إلى استغلال نجاحه الديبلوماسي ويحاول أن يتجاوز “حقل ألغام قانون التقاعد” بأقل الخسائر. ولمّح إلى أنّه يسعى إلى أكبر توافق سياسي ونقابي حول القانون، ليتفرّغ لاحقاً إلى معركته الأبقى: رئاسيات 2022.

فرنسا: لماذا لن ينجح ماكرون في تجريم معاداة الصهيونية ومساواتها بالعداء للسامية؟

إقرأ أيضاً