fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

كيف ابتز أردوغان حكومات دول في خمس قارّات لإغلاق مدارس غولن؟

يفتخر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بما يسمّيه نجاحاته في إقناع حكومات دول العالم المختلفة بالاستجابة لطلب حكومته اعتقال وتسليم مواطنين أتراك يقيمون على أراضي دولهم، يتّهمهم بالانتماء إلى منظمة سرّية يقودها حليفه السابق غريمه الحالي الداعية الاسلامي فتح الله غولن الذي يعيش في منفاه في بنسلفانيا بالولايات المتحدة، والذي تتهمه أنقرة بتدبير الانقلاب المزعوم للإطاحة بالنظام الحاكم عام 2016.

لم تستثنِ الاستخبارات التركية (ميت) أي دولة في العالم تحتضن مدارس غولن ومؤسساته التعليمية من انتهاكها سيادتها الوطنية، وتعرّضت، وما زالت، حكومات هذه الدول لعمليات ابتزاز فاضحة، لإرغامها على تسليم معارضين لأردوغان ونظامه، بل إن دولاً مثل الغابون وكوسوفو على سبيل المثال أصبحت ساحة مكشوفة لعمليات سرّية استخباراتية تركية انتهت باختطاف معارضين وجلبهم إلى تركيا في انتهاك صارخ للسيادة الوطنية لهذه الدول، ما أثار زوبعة صاحبتها ارتجاجات سياسية واجتماعية في الغابون، وأدّت في كوسوفو إلى فصل مسؤولين كبار في الحكومة وجهاز الاستخبارات، افتضح تورّطهم في العملية التركية التي تسبّبت في توتير العلاقات بين أنقرة وبريشتينا.

في تحقيق نشرته صحيفة “دنيفنك” الصادرة في صوفيا عن مدارس غولن في البلقان، أشير إلى أن “دافع المخابرات التركية للقيام بالعملية السرّية في كوسوفو يعود إلى شبكة مدارس تحمل اسم (محمد عاكف)، إضافة إلى مؤسسة تربوية تعمل في أربع مدن هي: بريشتينا، بريزرن، غياكوفو، ليبليان”، وهذه المؤسّسات ليست جزءاً من شبكة واسعة يصل عددها إلى الأربعين ترتبط جميعها بجماعة غولن في منطقة البلقان تتنشر مدارسها في البوسنة (15) والبانيا (12) ومقدونيا (7) وكوسوفو (5) وصربيا (1).

صيد الغولينيين شكّل ضربة أولية إلى قمة الجبل الجليدي، أدّت إلى ذوبانه وإغراق شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية، تنتشر أذرعها على رقعة جغرافية تضم 5 قارات في العالم ظلت تُعد منذ وقت طويل الأكثر نفوذاً وتأثيراً في العالم. وبحسب تقرير لمجلة “فورين افيرز” الأميركية فإن “الحكومة التركية نجحت فعلاً في ضغوطها على ما يقل عن 20 دولة لإغلاق مدارس غولن ونقل أملاكه إلى الدولة التركية ومن بين هذه الدول، المغرب وقطر والسعودية والسودان وإندونيسيا وانغولا واذربيجان وبلغاريا وجورجيا وماليزيا وميانمار والباكستان” وغيرها.

غولن والبداية في “الخدمة”

أسس غولن حركته عام 1970، ثم توسّعت داخل تركيا وخارجها عبر مؤسّسته (حزمة) التي  ظهرت للمرة الأولى في مدينة إزمير، وتستلهم هذه الرابطة فكر غولن وآراءه ومواقفه، وتوصف بأنها (حركة اجتماعية صوفية تركّز على مسلمي تركيا، ومنفتحة على الغرب). وتركّز جمعية (حزمة) ومعناها (خدمة) في عملها على التعليم، فهي تقيم المدارس داخل تركيا وخارجها، ولكنها برأي المراقبين “اخترقت المجتمع بإنشاء مؤسسات اقتصادية وإعلامية وطبية وثقافية وإغاثية”.

شهدت (خدمة) نمواً واسعاً بعد انقلاب عام 1980 بفضل حصولها على دعم  من الدولة، التي وفّرت لها أيضاً مساحة من الحرية أتاحت لمؤسسها غولن إنشاء المدارس خارج تركيا. وتدير حركة غولن أكثر من 2000 مدرسة لمختلف مراحل التعليم، أو 2800 مدرسة بحسب الاستخبارات التركية (ميت)، إضافة إلى 15 جامعة منتشرة في أكثر من 140 دولة في مختلف أنحاء العالم يدرس فيها وفق المعطيات الرسمية أكثر من مليوني شخص. وتتميّز هذه المؤسسات التعليمية بتوافقها مع علمانية الدولة قبل أسلمتها تدريجياً في إطار مشروع أردوغان، فهي منذ البداية اعتمدت برامج لا تحمل مواصفات دينية.

الحملة التي شنّتها تركيا على مصالح غولن في تركيا تكللت بإغلاق 35 مؤسسة تقدم الخدمات الطبية، و1043 مؤسسة تعليمية خاصة و1299 وقفاً و19 نقابة واتحاد نقابات و15 من مؤسّسات التعليم العالي الخاصة، ونقلت ملكيتها الى الدولة، وتم تسريح 21 ألفاً من أصل 27 مدرساً يعملون في هذه المدارس التي يدرس فيها 138 ألف طالب وتلميذ.

لم تقتصر نشاطات جماعة غولن وبرامجها على التعليم، إذ امتلكت حركة غولن -بشكل غير رسمي- الكثير من المؤسسات الإعلامية، فللحركة منابر إعلامية كبيرة وكثيرة من بينها صحيفة (زمان) التي تعد الأكبر في تركيا ويتجاوز قراؤها المليون، وهي تأسست عام 1986 ويكتب فيها كثر من المحسوبين على الحركة أو المتعاطفين معها، وتصدر عنها طبعة إنكليزية هي “تودايز زمان”.

عام 1993 انطلقت قناة سامانيولو (Samanyolu) وهي محسوبة على الحركة، ولاقت نجاحاً كبيراً، وهي محافظة اجتماعياً مقارنة بقنوات تركية أخرى، وتُعَد “معتدلة” في محتواها الديني، وهناك نسخة إخبارية منها ونُسخ موجهة لأفريقيا وأوروبا وأميركا انطلقت في أواخر العقد الماضي، هذا إضافة إلى قنوات “مِهتاب”، ودُنيا الكردية/الترُكية، و”يومورجاك” للأطفال، و”إبرو” لأتراك الولايات المتحدة، وكلها أطلقت خلال السنوات العشر الأخيرة. تمتلك الحركة أيضاً محطات راديو بورج Burç FM، و”سامانيولو خبر” و”راديو مهتاب” Mehtap، إلى جانب مجلات مثل أكسيون وسِزِنتي Sızıntı، ويَني أوميد Yeni Ümi، كما تملك مجلة “حِراء” العربية و”فاونتِن” الإنكليزية. كل ذلك يقع تحت ملكية مجموعة (سامانيولو) للنشر. وعام 1994 أنشأت الحركة مؤسسة “وقف الصحافيين والكتاب”، والمؤسسة مشاركة باستمرار في منتديات حوار الحركة حول العالم.

في القطاع الاقتصادي امتلكت الحركة “بنك آسيا”، بينما يتجمّع رجال الأعمال الذين يدورون في فلكها في جمعية “توسكون”. وتعرض هذا البنك الذي يعد أحد أكبر المصارف الاسلامية في البلاد، ويحتل المرتبة العاشرة على مستوى تركيا لموجة من الانتكاسات مع تفجر الخلاف بين أردوغان وغولن، وكانت صحيفة “زمان” قالت إن “البنك يتعرّض لحملة مشينة”.

على مدى العقود القليلة الماضية، تشعّبت حركة غولن وشكلت دولة موازية للدولة التركية في قطاعات القانون والقضاء والبيروقراطية الحكومية، وفي السنوات الأخيرة، حيث سيطر قادتها كما يدّعي النظام على مؤسسات الدولة بأكملها، وقيامهم بتوجيهها بما يخدم مصالح حركة غولن بدلاً من الدولة والمجتمع.

إسلام غولن: الجماعة النورسية

تبنّى غولن مفهوماً غير مسيّس للدين، فهو يرى “أن الإسلام ليس ايديولوجية سياسية أو نظام حكم أو شكلاً للدولة”، كما يصر على وصف حركته بأنها (فوق السياسة). إلا أن الباحثين اختلفوا في تقييم توجّهات حركة (خدمة)، إذ اعتبر بعضهم الحركة “إسلامية دينية، تقوم على أصول صوفية مرجعيتها تراث النقشبندي الذي يتميّز عن غيره من الحركات الصوفية بكونها ذات أهداف سياسية”، والنقشبندية برأيهم “تقوم على التأثير على القرار السياسي بهدف تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن ليس تسلّم الحكم بصورة مباشرة كما هو حال قوى الإسلام السياسي، بل من خلال أنشطة التربية والتعليم وتربية وإعداد جيل من الكفاءات للتغلغل في أجهزة الدولة، وبالتالي التأثير بشكل مباشر على القرار السياسي”، هذا فيما يرى آخرون أنها “تنظيم  يعتمد على السرية التامة في نشاطه، وإنّ لدى أفرادها عقلية تبشيرية وحماسة عالية لإنجاز الأعمال والمهمّات، وأن قوّتهم المالية متأتية من التزام جميع الاعضاء بتقديم المال وتخصيص الوقت للحركة سواء أكانوا طلاباً أو ربات منزل أو رجال أعمال أثرياء”.

وبحسب الباحث في الشؤون التركية سعيد الحاج  فإن “خدمة هي  أكبر فروع جماعة النورسيين الصوفية التي أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، وتقوم على شبكة من المؤسسات الاجتماعية والخدماتية في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وتهتم تحديداً بفئة الطلاب من خلال مئات المدارس والمساكن الطلابية داخل تركيا وخارجها، في حين يعرف عنها تاريخياً زهدها في العمل السياسي، من خلال شعار “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم والسياسة” الذي ترفعه الحركة.

لسنوات طويلة حرصت حكومات أردوغان المتتالية على التعاون مع جماعة غولن لتحقيق أقصى استفادة من (القوّة الناعمة) لحركة (خدمة) وشبكتها الواسعة من المؤسسات التعليمية والتربوية، التي كانت تنتشر وتجتذب مئات آلاف الطلاب الأجانب وتقوم بتدريسهم اللغة التركية واللغات العالمية الأخرى والثقافة التركية والرياضيات والفيزياء، ما ساعد الدولة التركية على تعزيز مواقعها في دول الاتحاد السوفياتي السابق وفي آسيا الوسطى، وبشكل أوسع في القارة الأفريقية والبلدان العربية.

يقول مدير الأمن التركي ومدير المخابرات في الشرطة التركية سابقاً حنفي آوجي في كتابه (السيمونيون الذين يعيشون في القرن الذهبي: دولة الأمس وجماعة اليوم) إن “ثمة عاملين مهمّين قد ساهما في تغلغل منظمة كولن في الدولة التركية، الأول فساد البيروقراطية المالي، وتعرّضت جماعات كثيرة والأفراد للتطرّف من بعض رجالات الدولة من أصحاب الفكر الكلاسيكي، فدخلت هذه السياسة من خلال مَواطن الضعف هذه، وكرّست الفساد حتى لا تكشف، فكانت هذه المنظمة كالذي يريد فك السحر بالسحر، فانتهجت أساليب غير شرعية في السيطرة على مفاصل الدول”.

الحلف غير المقدّس

ومع بزوغ نجم العدالة والتنمية وتولّيه زمام السلطة، نشأ حلف غير معلن بين الحزب والجماعة، حصلت من خلاله الأخيرة على الكثير من الامتيازات، من نواب ووزراء وحرية عمل وانتشار، في مقابل تصويت أعضاء الجماعة للحزب.

تبع ذلك دمج عدد كبير من أعضائها في الحزب، وترقية كثيرين منهم في مختلف مؤسسات الدولة، بخاصة جهاز الاستخبارات، إلا أن شهر العسل لم يدم طويلاً، إذ تسرّبت إلى الميديا معلومات عن الخلافات بين الجانبين. وفي حين يرى بعض المراقبين أن حزب العدالة والتنمية قد تعمّد استفزاز مواجهة مع الجماعة لإضعافها بعد شعوره بأنه لم يعد محتاجاً إلى أصواتها ولا مضطراً إلى الخضوع لضغوطها بعد أكثر من 12 سنة من الحكم، فيما يرى آخرون أن ملف خلافة أردوغان في رئاسة الحزب والحكومة وتنافس تيار الجماعة مع تيار الفكر الديني والقومي المتشدّد لجماعة (ميللي غوروش) -الذي أنشأه رئيس الوزراء الراحل أربكان داخل العدالة والتنمية- هو الذي فجّر الخلافات التي كانت تسبح تحت السطح. في حين ترى مجموعة ثالثة أن الجماعة هي التي استعجلت هذه المواجهة من خلال مواقفها التي أغضبت أردوغان والحزب في ملفّات عدة، اعتبر بعضها بمثابة تحضير لانقلاب على الحكومة ورئيسها، فما هي هذه الملفات التي أدت إلى الخلاف ونتج منها نهاية شهر العسل بين الحليفين بحسب الباحث الحاج.

غولين و السي آي ايه: الثقل الموازي للنفوذ الروسي

في كتابه المعنون “فتح الله غولن: لغز الشبكة السياسية التركية”، يقول الباحث بابلو كانديكان “إن مدارس غولن كانت خلال فترة التسعينات بعد سقوط الاتحاد السوفياتي مفيدة جداً للولايات المتحدة كونها مثلت ثقلاً موازياً للنفوذ الروسي”.

وتداول معلقون وخبراء في الشؤون التركية معلومات عن علاقة ما تربط بين غولن و السي آي ايه، وكان نائب الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات الوطني التابع للوكالة غراهام فولر وصف في مقال نشره في موقع “هافينغتون بوست” بعنوان “حركة غولن ليست طائفة دينية”، الحركة بأنها “واحدة من أكثر التيارات تشجيعاً للإسلام المعاصر في العالم”. ويشير المؤرخ والكاتب الأميركي البارز وليام انغدال في مقال له على موقع “نيو ايسيترن أوتلوك”، إلى علاقات تربط غولن بوكالة الاستخبارات الأميركية منذ ثمانينات القرن الماضي، وذلك عندما تم تجنيده للعمل في شبكة “غلاديو” التركية اليمنية التي اطلق عليها اسم counter Guerrilla، التي دبرت الانقلاب العسكري عام 1980″. وقال: “إن غولن كان يبث خطاباته على إذاعة أوروبا الحرة التي تموّلها وكالة الاستخبارات الأميركية في المناطق الاسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق”.

“تقول أنقرة إن هذه المسألة في نظرها  ليست سياسية بل أمنية، وتدخل في إطار حماية أمنها القومي، بخاصة بعد أن صارت جماعة غولن مصنّفة جماعة إرهابية وفق القانون التركي”

ويؤكّد المسؤول السابق في الاستخبارات التركية غونديش في كتاب كان أصدره قبل سنوات، أنه خلال عقد التسعينات كانت مدارس غولن في الدول الآسيوية التابعة للاتحاد السوفياتي السابق توفر قاعدة لمئات من وكلاء وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي ايه) تحت غطاء “معلمي اللغة الإنجليزية”. ووفقاً لغونديش، فإن مدارس غولن الواقعة في أوزباكستان وقيرغيزستان وحدهما ضمت ما يقارب 130 عميلاً تابعاً للوكالة الأمريكية. وقال: “خلال الفوضى التي سادت دول آسيا الوسطى في التسعينات بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي استخدمت (السي آي ايه) غولن وصورة الإسلام المعتدلة لبناء إحدى أكبر شبكات التخريب التي امتدت إلى كامل ما يسمى المنطقة التركية في جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة، بما في ذلك أوزبكستان وقيرغيزستان وحتى فى منطقة شينغيانغ التي تتمتع بالحكم الذاتي في الصين. وتتشكّل غالبيتها السكانية من المسلمين (الايغور)”.

ويلفت إنغدال إلى أن فولر خلال عمله في مؤسسة راند للأبحاث ألف كتاباً بالاشتراك مع بول هينز عام 1993 بعنوان “الجغرافيا السياسية الجديدة في تركيا: من البلقان إلى غرب الصين”. ويصف الكتاب بالتحديد الشبكة الجيوسياسية التي اتهم غولن بتشكيلها بالاشتراك مع وكالة المخابرات المركزية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 بأنها اداة للتجسس الأميركي حول العالم”.

المعارف في مواجهة الخدمة

أثارت مدارس غولن الشكوك لدى بعض حكومات الدول التي كانت تعمل على اراضي دولها، فلقد قامت باكستان لعام 2008 بإغلاقها بعد تلقّيها معلومات تشير إلى قيامها بتدريس مواد دينية وصفتها بـ”السرية، وعام 2009 وضعت الحكومة الروسية يدها على 50 مدرسة في تاتارستان تابعة لغولن، أما في الولايات المتّحدة فلقد خضعت بعض هذه المدارس والمؤسسات التعليمية الغولينية الى تحقيقات قام بها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي)، في اوائل العقد الحالي بتهم التورط في عمليات احتيال مالية وانتهاكات أخرى للقانون، وهذا حدث في فترة كانت أنقرة تدعم الحركة وتقيم معها روابط وثيقة، فعام 2009 قام الرئيس السابق عبد الله غول خلال زيارة رسمية له إلى العاصمة الكينية نيروبي بافتتاح واحدة من أكبر مدارس غولن في هذه الدولة.

بعد اتّهام غولن وجماعته بالوقوف وراء الانقلاب المزعوم للإطاحة بأروغان عام 2016، واجهت الحكومة التركية جماعة “الخدمة” ومؤسّسها غولن بكل الوسائل المتاحة، وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي، كما شملت مجالات حيوية عدة، كان للجانب التربوي فيها الحصة الأكبر، وصدرت قرارات عدة أعادت هيكلة النظام التعليمي التركي، فكان من ضمن 2341 مؤسسة تم إغلاقها بمراسيم رئاسية  نحو 934 مدرسة خاصة، إضافة إلى 15 جامعة خاصة كانت تابعة للجماعة، وفصل آلاف المدرّسين والأساتذة الجامعيين والعمداء ممّن اتّهموا في هذه المحاولة الانقلابية واعتقال كثيرين منهم وزجهم في السجون وهذا شمل الصحافيين المعارضين للنظام وإغلاق مؤسسات إعلامية كثيرة. الحملة التي شنتها تركيا على مصالح غولن في تركيا شملت أيضاً إغلاق 35 مؤسسة تقدم الخدمات الطبية، و1043 مؤسسة تعليمية خاصة  و1299 وقفاً و19 نقابة واتحاد نقابات و15 من مؤسسات التعليم العالي الخاصة، ونقلت ملكيتها إلى الدولة وذلك في إطار الموجة الثانية من الإجراءات ضد هذه المؤسسات، وتم تسريح 21 ألفاً من أصل 27 ألف مدرس يعملون في هذه المدارس التي يدرس فيها 138 ألف طالب وتلميذ.

ولم تتوقف أنقرة عند هذا الحد، بل قامت بإنشاء مؤسسة أطلقت عليها اسم “المعارف” للتربية والتعليم لتقديم خدمات التعليم والتدريب في الداخل والخارج من خلال فتح المدارس والمؤسسات التعليمية وتقديم المنح الدراسية، بحيث تكون وفق ما ورد في المرسوم الرئاسي “الممثل الرئيسي لتركيا كدولة في الخارج في مجال التعليم”، وأن “تكون وسيلة وإداة قوية تتصدى لمدارس غولن”. وقال إردوغان في لقاء مع ادارة المؤسسة “ستنتشرون في 193 دولة، مع إعطاء الأولوية للدول التي فيها مدارس لغولن، ولا تسمحوا بإطلاق مصطلح (المدارس التركية) على مدارس غولن”.

صعّدت تركيا حملتها الديبلوماسية لإغلاق مؤسسات غولن في الخارج، ووجدت استجابة من بعض الدول مثل الأردن التي أغلقت مدرسة للحركة، وآذربيجان والسودان، وليبيا وغامبيا، وقامت الصومال وبعد 12 ساعة فقط على الانقلاب الفاشل بإغلاق المشفى الطبي والمدارس الغولينية. وأعلنت باكستان أنها ستدرس وضع 24 مؤسسة تعليمية تابعة لغولن؛ كما وعدت كازاخستان بالنظر في الأمر؛ ووعدت نيجيريا  بالتفكير بإغلاق هذه المدارس التي تعمل فيها منذ أكثر من 20 عاماً. بينما ظلت كينيا تراوغ في إغلاق هذه المدارس التي بدأت العمل عام 1998، ما استدعى قيام أردوغان شخصياً بزيارة نيروبي للضغط على الحكومة. ألمانيا التي يوجد فيها 14 مدرسة عليا رفضت إغلاقها، واعتبرت طلب أنقرة تدخلاً فاضحاً في الشؤون الداخلية، وهو ما فعلته إندونسيا التي شدّدت على رفض المساس بسيادتها الوطنية”. وأبلغت قيرغستان التي تعد نقطة تمركز لحركة غولن في آسيا الوسطى، أنقرة برفضها إغلاقها وقالت إنها دولة ذات سيادة لا تقبل إملاءات من وزير خارجية دولة اخرى.

يطلق في روسيا على أتباع غولن وصف “الغولونيون” أو أتباع حركة “نور غولار”، وقد ظهر هؤلاء في أوائل التسعينات مع قيام شركات تابعة لغولن بمشاريع اقتصادية وافتتاح مؤسسات تعليمية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ولكن هذه المؤسسات اتهمتها هيئة الأمن الفيدرالي الروسي عام 2002 بتقديم الدعم للجماعات الشيشانية، وممارسة التجسّس لمصلحة أجهزة مخابرات أجنبية”. وقامت السلطات بإغلاقها وترحيل الأتراك العاملين فيها، وصنّفت “نور غولار” بأنها حركة متطرفة…

تصدّرت المغرب البلدان التي استجابت لطلب أردوغان، وسارعت إلى إغلاق جميع المؤسسات التابعة لشبكة “محمد الفاتح”، التابعة لـ” خدمة”، وكانت هذه المدارس انطلقت عام 1993 ولها 8 فروع في اقاليم البلاد، ويدرس فيها أكثر من 3 آلاف تلميذ. وكشفت مجلة “فورين افيرز” أن الرباط رحلت عشرات من اتباع غولن والممولين المفترضين لمدارسه، وسلمتهم الى انقرة وسط تكتم شديد وسرية بالغة”.

وفي مقابل ذلك، ما تزال معظم الدول ترفض أو تماطل إزاء الطلب التركي، متّهمة تركيا بمحاولة التدخل في شؤون الدول الداخلية، إضافة إلى أن الخدمة التي تقدّمها هذه المدارس تستفيد منها شريحة واسعة من مجتمعات هذه الدول، الأمر الذي يجعل أمر الإغلاق معقداً، إلا أن أنقرة تنفي التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، وتقول إن هذه المسألة في نظرها  ليست سياسية بحتة، بل أمنية، وتدخل في إطار حماية أمنها القومي، وبخاصة بعد أن صارت جماعة غولن مصنّفة جماعة إرهابية وفق القانون التركي.

إقرأ أيضاً:
ما حجم القلق المطلوب تجاه ما يحصل في تركيا؟
تركيا من حلم الجمهورية الثانية إلى واقع جمهورية الرئيس

إقرأ أيضاً