fbpx

هنا القصة الثالثة

إيلي عبدو - صحافي سوري

إيلي عبدو - صحافي سوري

مقالات الكاتب

كيف أصبحت أسماء الأسد “سيدة الياسمين”؟

تحيل العلاقة بين الياسمين ودمشق إلى تفريغ العاصمة السورية من أي اجتماع حديث، واستعادة صورة البيت العربي الذي تتوسطه بحرة وتظلله أشجار. والاستعادة تلك، إذ كانت، تكشف في أحد وجوهها الوظيفية عن دفاع تلقائي ضد ما أصاب المدينة من ترييف وعسكرة وسحق ممنهج للطبقة الوسطى، فهي في وجه أشد صلابة وجذرية، تنحو إلى تصعيد الداخل المحافظ النقي كعالم للعيش، ونبذ الخارج المنفتح المختلط. والعلاقة بين الوجهين متداخلة، خصوصاً أن الخارج بات عقب سيطرة “البعث”، تمثيلاً لكل ما يعادي قيم السكان. وعليه، استخدام الياسمين آليةً دفاعية ضد هذا الخارج، سبقه تكريس للداخل بوصفه محافظة وعلاقات تجارية وتنحية للسياسة.

فياسمين الأهل وعلاقات الرحم، أي العائلة الشامية المحافظة المهتمة بالاقتصاد التقليدي، ينكمش أكثر كلما توغل “البعث”، بحيث يتقلص الاجتماع مع الوقت، ويصبح ذا بعد جمالي، يستعيد الأغاني والقصائد القبانية للتعويض عن ضعف الوجود السوسيولوجي. وهكذا بات الياسمين رمزاً للشام المضادة للبعث. والضدية إذ تستعين بالطبيعة لا تخلو من السياسة وحسب، بل وأيضاً من ندرة المعنى، ما يسهل موضوع الضدية نفسه، أي البعث، الاستثمار في الأداة ذاتها، إذ استُدخل الياسمين لاحقاً إلى دعاية النظام حول الاستقرار والأمان والمقاومة.

والبعث، إذ يستثمر الياسمين شعارياً، فهو يستدعي في الوقت نفسه، فهمه للداخل، فهو في الواقع أيديولوجيا ضيقة تكره العالم وتصنفه عدواً وخصماً، ما يحوّل الداخل بالنسبة إليه عزلاً وتقوقعاً وخوفاً من الاحتكاك بالغريب. هكذا يظهر أن داخلاً أهلياً يتمثل بصلات القرابة والدم، يتنافس مع داخل حزبي تستوي فيه الوطنية معياراً لطرد كل حداثة ومعاصرة، على رمزية الياسمين. والأخيرة تتكثف في عالمين، أهلي دمشقي علاقته بالمدينة يصنعها الاقتصاد التقليدي، وحزبي بعثي علاقته بالعالم يصنعها الكره والضغينة، وإذ انطوى الأول على بعد سني، وكان ضحية السلطة، تبدّى الثاني أقلوياً – علوياً، منتفعاً من السلطة ومشاركاً في أدواتها.

حين يطلق موالون للنظام على أسماء الأسد زوجة الرئيس بشار الأسد لقب “سيدة الياسمين” ضمن حملة دعاية أعقبت شفاءها من مرض السرطان، فهم يقاطعون بين العالمين الأهلي والبعثي.

وفي النتيجة، حين يطلق موالون للنظام على أسماء الأسد زوجة الرئيس بشار الأسد لقب “سيدة الياسمين” ضمن حملة دعاية أعقبت شفاءها من مرض السرطان، فهم يقاطعون بين العالمين الأهلي والبعثي. صحيح أن أسماء لا تنتمي إلى نسيج دمشق، لكنها تحاكي بعداً هوياتياً عند سكان العاصمة، يشعر بعضهم بالأمان الذي يجدونه في سردية الياسمين إياها، وهي في الوقت نفسه، أي أسماء، جزء من منظومة النظام، وصورته التي يحتمي بها من الخارج، بحيث يصدّر للأخير صورة مزيفة عن البلاد، تختصرها امرأة أنيقة، عاشت ودرست في بريطانيا، فيما الأصل متجوهر في ذات ممانعة تنأى عن كل اختلاف.

رمزية الياسمين الدمشقي إذا انطوت على عداء للمدينة، بوصفها علاقات تخالط وانفتاح، وفضاء عاماً، بفعل الأهل وصلاتهم، وعلى عداء للعالم بوصفه تواصلاً واستفادة وحداثة، بفعل البعث وضيقه، وعليه، حين ينتهي الياسمين عند عقيلة السفاح لتتسيده، فذلك مسار طبيعي لاتجاهين، أحدهما أقفل دمشق وآخر أقفل سوريا.

سوريا الأسد لم تعد واقعية… ولكن أين سوريا الأخرى؟

إقرأ أيضاً