كيف أصبحت أسماء الأسد “سيدة الياسمين”؟

إيلي عبدو – صحافي سوري
أكتوبر 3, 2019
والبعث، إذ يستثمر الياسمين شعارياً، فهو يستدعي في الوقت نفسه، فهمه للداخل، فهو في الواقع أيديولوجيا ضيقة تكره العالم وتصنفه عدواً وخصماً، ما يحوّل الداخل بالنسبة إليه عزلاً وتقوقعاً وخوفاً من الاحتكاك بالغريب.

تحيل العلاقة بين الياسمين ودمشق إلى تفريغ العاصمة السورية من أي اجتماع حديث، واستعادة صورة البيت العربي الذي تتوسطه بحرة وتظلله أشجار. والاستعادة تلك، إذ كانت، تكشف في أحد وجوهها الوظيفية عن دفاع تلقائي ضد ما أصاب المدينة من ترييف وعسكرة وسحق ممنهج للطبقة الوسطى، فهي في وجه أشد صلابة وجذرية، تنحو إلى تصعيد الداخل المحافظ النقي كعالم للعيش، ونبذ الخارج المنفتح المختلط. والعلاقة بين الوجهين متداخلة، خصوصاً أن الخارج بات عقب سيطرة “البعث”، تمثيلاً لكل ما يعادي قيم السكان. وعليه، استخدام الياسمين آليةً دفاعية ضد هذا الخارج، سبقه تكريس للداخل بوصفه محافظة وعلاقات تجارية وتنحية للسياسة.

فياسمين الأهل وعلاقات الرحم، أي العائلة الشامية المحافظة المهتمة بالاقتصاد التقليدي، ينكمش أكثر كلما توغل “البعث”، بحيث يتقلص الاجتماع مع الوقت، ويصبح ذا بعد جمالي، يستعيد الأغاني والقصائد القبانية للتعويض عن ضعف الوجود السوسيولوجي. وهكذا بات الياسمين رمزاً للشام المضادة للبعث. والضدية إذ تستعين بالطبيعة لا تخلو من السياسة وحسب، بل وأيضاً من ندرة المعنى، ما يسهل موضوع الضدية نفسه، أي البعث، الاستثمار في الأداة ذاتها، إذ استُدخل الياسمين لاحقاً إلى دعاية النظام حول الاستقرار والأمان والمقاومة.

والبعث، إذ يستثمر الياسمين شعارياً، فهو يستدعي في الوقت نفسه، فهمه للداخل، فهو في الواقع أيديولوجيا ضيقة تكره العالم وتصنفه عدواً وخصماً، ما يحوّل الداخل بالنسبة إليه عزلاً وتقوقعاً وخوفاً من الاحتكاك بالغريب. هكذا يظهر أن داخلاً أهلياً يتمثل بصلات القرابة والدم، يتنافس مع داخل حزبي تستوي فيه الوطنية معياراً لطرد كل حداثة ومعاصرة، على رمزية الياسمين. والأخيرة تتكثف في عالمين، أهلي دمشقي علاقته بالمدينة يصنعها الاقتصاد التقليدي، وحزبي بعثي علاقته بالعالم يصنعها الكره والضغينة، وإذ انطوى الأول على بعد سني، وكان ضحية السلطة، تبدّى الثاني أقلوياً – علوياً، منتفعاً من السلطة ومشاركاً في أدواتها.

حين يطلق موالون للنظام على أسماء الأسد زوجة الرئيس بشار الأسد لقب “سيدة الياسمين” ضمن حملة دعاية أعقبت شفاءها من مرض السرطان، فهم يقاطعون بين العالمين الأهلي والبعثي.

وفي النتيجة، حين يطلق موالون للنظام على أسماء الأسد زوجة الرئيس بشار الأسد لقب “سيدة الياسمين” ضمن حملة دعاية أعقبت شفاءها من مرض السرطان، فهم يقاطعون بين العالمين الأهلي والبعثي. صحيح أن أسماء لا تنتمي إلى نسيج دمشق، لكنها تحاكي بعداً هوياتياً عند سكان العاصمة، يشعر بعضهم بالأمان الذي يجدونه في سردية الياسمين إياها، وهي في الوقت نفسه، أي أسماء، جزء من منظومة النظام، وصورته التي يحتمي بها من الخارج، بحيث يصدّر للأخير صورة مزيفة عن البلاد، تختصرها امرأة أنيقة، عاشت ودرست في بريطانيا، فيما الأصل متجوهر في ذات ممانعة تنأى عن كل اختلاف.

رمزية الياسمين الدمشقي إذا انطوت على عداء للمدينة، بوصفها علاقات تخالط وانفتاح، وفضاء عاماً، بفعل الأهل وصلاتهم، وعلى عداء للعالم بوصفه تواصلاً واستفادة وحداثة، بفعل البعث وضيقه، وعليه، حين ينتهي الياسمين عند عقيلة السفاح لتتسيده، فذلك مسار طبيعي لاتجاهين، أحدهما أقفل دمشق وآخر أقفل سوريا.

سوريا الأسد لم تعد واقعية… ولكن أين سوريا الأخرى؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email