fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

مقالات الكاتب

كنّا نقرأ الأدب ونشاهد السينما في عين الحلوة 

لم نعرف من المعلمين الذين كبرنا على أيديهم في مدارس “الأونروا” سوى قليلين، كانوا ينتمون إلى الأحزاب السياسية في بداية الستينات من القرن الماضي. كانوا غالباً أعضاء في “حركة القوميين العرب” وربما في “الحزب السوري القومي الاجتماعي” و”حزب البعث العربي الاشتراكي”. كان ذلك قبل نشوء “حركة فتح” عام 1965 ومن ثمّ “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” و”الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”.

معلمو “الأنروا” كانوا أول من فتح أبواباً أمامنا لقراءة الكتب وأول من شجعنا على اعتبار القراءة مفتاحاً لامتلاك المعرفة، طريقاً إلى حلمنا بالعودة إلى بلادنا فلسطين، كما كانوا يؤكدون بثقة تامة.
ولكن كيف لنا أن نقرأ الكتب ومن أين نحصل عليها فيما كان اللاجئون الفقراء أمثالنا في بدايات لجوئهم يصارعون من أجل العيش. جاء الاقتراح العظيم من أساتذة “مدرسة حطين التكميلية”، التي كانت تقع في الحارة الجنوبية الغربية من المخيم. سألنا الأستاذ علي فرهود من قرية الصفصاف في قضاء صفد في فلسطين، وكان مديراً للمدرسة، إن كنا نستطيع الحصول على خمسين قرشاً أي نصف ليرة لبنانية، من عائلاتنا. فقال البعض نعم وقال البعض الآخر كلا. أما الذين خجلوا من الإجابة فقد حسبهم فرهود على فئة الـ”كلا”. ومع ذلك طلب من القادرين أن يأتوا في اليوم التالي بأنصاف الليرات، ذلك أن الأساتذة قرروا استخدام المبلغ الإجمالي الذي سيجمعونه منا مضافاً إليه مبلغ من جيوب المعلمين أنفسهم، نيابة عن غير القادرين، لشراء روايات لكتاب عرب، يوزعونها علينا لنقرأها، في خطة تقضي باستعارة الكتاب لأسبوع واحد فقط، وعندما ينتهي التلميذ من قراءة الكتاب يستطيع أن يأخذ كتاباً جديداً كان أنهاه تلميذ آخر. وهكذا يكون كل تلميذ قرأ في نهاية العام الدراسي نحو 40 رواية.
قرأنا في السنة الأولى من هذه الخطة نجيب محفوظ ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وجرجي زيدان ومصطفى المنفلوطي وطه حسين ومحمد عبد الحليم عبد الله.
فتحي المصطفى جارنا في المخيم، وكان يكبرني بسنوات قليلة كان الوحيد ربما من أبناء حارتنا الذي امتلك مكتبة تضم روايات وقصصاً قصيرة والأعداد الكاملة في ذلك الوقت من مجلة “العربي” الفصلية، التي كانت تصدر في الكويت. وكان كريماً معي يعيرني الكتب مع التنبيه الصارم علي حتى لا أفسدها وأحافظ عليها كما أخذتها منه. كان المصطفى شغوفاً بالأدب والموسيقى والغناء، لكنه مات بسبب الصدمات الكهربائية في مستشفى للأمراض النفسية، حيث أمضى سنوات عمره الأخيرة على إثر تشخيص حالته بشيزوفرينيا (فصام) حادة، قبل أن يحقق حلمه في أن يكون مطرباً معروفاً.

كيف لنا أن نقرأ الكتب ومن أين نحصل عليها فيما كان اللاجئون الفقراء أمثالنا في بدايات لجوئهم يصارعون من أجل العيش؟

وكان في مخيمنا شاعر لم يلق حظاً في أن يعرف خارج المخيم، مع أنه نشر أكثر من ديوان شعري، وأول تلك الدواوين، هو الديوان الأول الذي قرأته كاملاً في حياتي بعنوان “المجاذيف الحيارى”. كان الشاعر محمود صبحة معلماً في مدارس “الأنروا”، وكان يكتب الشعر العامودي الرقيق .
لم يدخل التلفزيون إلى معظم بيوتنا في المخيم، إلاّ في مرحلة متأخرة، لذا كنا نذهب إلى حيث جهاز التلفزيون الوحيد في حارتنا في دكان أبي أكرم شناعة، نتفرج على حفلات غناء لفهد بلان وسميرة توفيق وصباح وغيرهما وعلى مسلسلات عربية وأميركية، لا سيما مسلسل “جحيم المعركة” الأميركي، الذي يروي قصص بطولة الجنود الأميركيين في الحرب العالمية الثانية.

كان أحد أبناء أبي أكرم يدور في الحارة بعد ظهر كل يوم، وينادي بأعلى صوته مكرراً ومعلناً عن برنامج الليلة، أي مسلسل أو نقل حي لمباراة مصارعة حرة، التي كانت تلقى شعبية في أوساط الشباب الأكبر منا سناً.
لم يخل المخيم من الفنانين التشكيليين الموهوبين بالفطرة، ولكن لم نتخيل أن يلتحق أحدٌ من هؤلاء بجامعة للفن، فقد كان هذا نوعاً من الترف لا الذي يطأه أبناء المخيمات في سنوات اللجوء الأولى، كما لم نتخيل أن يذهب عشاق الموسيقى لدراسة علومها والعزف على الآلات التي أحبوها. لذلك، ذهب عشق الفن بعقول هؤلاء، أصيب بعضهم بالجنون واتجه آخرون إلى التصوف، الذي كان يُعتبَر في بعض الأحيان ضرباً من الجنون. ربما الوحيد الذي ثابر على عشقه الفن وبرز فيه من أبناء مخيمنا، كان رسام الكاريكاتور المعروف ناجي العلي، الذي لم يذهب إلى جامعة ولا إلى معهد، فقد قادته روح السخرية والالتزام الوطني وسفره إلى الكويت، إلى دروب واضحة للتعبير واحتراف الفن والعيش منه.
كان بإمكان تاريخ حياتنا نحن سكان عين الحلوة من جيل الخمسينات، أن يدرَس في مرحلة سينما “جمال” وما قبلها وما بعدها، فقد كانت السينما الوحيدة داخل مخيمات لبنان. أسسها مواطن لبناني من قرية درب السيم المحاذية للمخيم اسمه حنا صادر، وأوكل مهمة إدارتها لفلسطينيين تعاقبوا على هذه المهمة. قدمت لنا سينما “جمال” ثقافة سينمائية كانت سائدة في تلك الفترة من أفلام مصرية وأميركية بالأبيض والأسود، وفوق ذلك كنا نستمع إلى أغاني عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، أثناء الاستراحات بين العروض. وظلت السينما تقوم بدورها هذا إلى أن استولت “حركة فتح” في السبعينات على المبنى الذي كان في الأصل ثكنة للجيش الفرنسي في الثلاثينات، وحولته مصنعاً للسلاح. ثم قامت إسرائيل بتدميره كلياً في اجتياح 1982، لكن أحلامنا ظلت تسبح في الخيال الذي قدمته لنا السينما.
عام 1973 أسستُ وصديقاي الراحل أحمد مراد وسعيد علاء الدين أول مكتبة لبيع الكتب وإعارتها في شارع سوق الخضار. وساهمت تلك المكتبة بتنشيط حركة المطالعة، قبل أن يصير سوق الخضار مركزاً للتجارة من مختلف الأنواع، فأُغلِقَت المكتبة ليُنشئ محلها صاحب العقار مركزاً للمكالمات الدولية.

ثم أتت أيامنا الراهنة، لتقتصر حوانيت الكتب القليلة على بيع الجرائد والكتب الدينية التي تتحدث عن عذاب القبر والحساب والعقاب في الدنيا والآخرة. تبدو الذكريات أحياناً بكل شجونها، أجمل مما نعيشه الآن وإن قدّم لنا بعض الترف الذي كنا نفتقده، يوم كان الكتاب كنزاً يسعى إليه الشباب والطلّاب، بكلّ أنصاف الليرات التي استطاعوا ادّخارها وتجميعها من أجل المعرفة ومن أجل الأحلام البعيدة.

أن تكون فلسطينياً… في لبنان

إقرأ أيضاً