fbpx

هنا القصة الثالثة

لمياء الجيلي - صحافية سودانية

لمياء الجيلي - صحافية سودانية

مقالات الكاتب

كنداكات السودان: لا تغيير ولا عدالة من دوننا ..

آلاء صلاح

أيقونة الثورة السودانية آلاء صلاح، الفتاة التي ترتدي الزي الشعبي السوداني، وتخاطب الجموع في ميدان الاعتصام وتتحدث بكل فخر، “أنا كنداكة وحبوبتي كنداكة” أي جدتي كنداكة.

 تم تداول هذا الحديث وأعيد نشره مراراً وتكراراً في وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام العالمية، وترددت كلمة “كنداكة” كثيراً، وسأل كثيرون عن معناها ودلالتها.

في المجتمع السوداني يشار إلى المرأة القوية والشجاعة بالكنداكة تشبيهاً بإحدى الملكات السودانيات في التاريخ القديم. ووفق كتاب صدر عام 2002 من الهيئة القومية للآثار والمتاحف للباحث صلاح عمر الصادق، فإن اسم كنداكة كنيت به الملكة أماني شاخيتو التي حكمت في الفترة من 12-41 ق. م، المملكة المروية شمال السودان. 

وأماني تعتبر أشهر ملكة سودانية على مر التاريخ، وتميزت بالجمال والشجاعة والقوة، ومن أعظم الأعمال الحربية والمعمارية التي تركتها في ذكرى انتصارها على الجيش الروماني، معبد لها شيدته في مدينة مروى ووضعت تمثال رأس الامبراطور الروماني، والذي كان يحمله الجنود الرومان معهم أثناء الحروب، تحت سلالم المعبد عند موطئ قدمها.

تمثيل ضعيف

في التظاهرات التي شهدتها السودان في الأشهر الأخيرة، شاركت السودانيات في مقاومة الحكم الدكتاتوري البائد لعمر البشير بمختلف السبل السلمية. تقدمت سيدات الصفوف، وتعرضت أخريات للاعتقال والضرب والإساءة والاغتصاب والتهديد به من عناصر أمن النظام السابق، فيما انتصرت أخريات على ألم فقدان فلذات الأكباد، وانضممن إلى الحراك بشجاعة.

وبقيت التظاهرات طيلة 6 أشهر تبدأ بزغرودة، تطلقها إحدى الكنداكات، فتتوافد المواكب وتنطلق. وبعدما نجحت الثورة في الاطاحة بالبشير من سدة الحكم، وبدأت الثورة أولى خطواتها في الحوار لنيل ثمارها، تم تمثيل النساء بنسبة ضئيلة جداً في لجان التفاوض ومواقع صنع القرار، فاستشعرن مدى الخطر الذي يحول دون حصولهن على حقوقهن، فسيّرن مواكب تحت شعار “حقنا كامل ما بنجامل”، أي لن نتنازل عن حقنا. كما بادرت خبيرات في مجال النوع الاجتماعي بكتابة وثائق مختلفة فيها رؤى استراتيجية لضمان مشاركة النساء بشكل عادل، وبفعالية أكثر في كل أطياف الحياة. 

نريدها مشاركة فعلية لا “ديكورية”

 منال عبد الحليم الخبيرة في قضايا النوع الاجتماعي والسلام، ترى أن السودانيات مستعدات لعملية التغيير، وقد ركّزن نضالهن في غضون العقدين المنصرمين على التحول الديموقراطي لقضية الإصلاحات التشريعية، وعملية دسترة الحقوق. وترجع عبد الحليم تلك المناداة لأسباب عدة، منها أن السودان لم يشهد ثورة تشريعية جديدة تواكب التطورات والتغيرات المختلفة منذ الاستقلال. وأضافت: “انخرطت منظمات نسوية وكيانات نسوية محلية، ومنظمات محلية وأكاديميون/ات في عملية التغيير والتي شملت الحملات الترافعية من أجل مناصرة القضايا التشريعية وجندرة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتثقيف والتعلم المدني، وتقديم الخدمات”. وعن المعوقات التي واجهت مشاركة النساء في السياسة، تقول عبد الحليم: “المشاركة النسوية كانت واضحة للعيان، فهي لم تكن شكلية ولا ديكورية وهذا ما شهد به العالم أجمع ولكن ما يواجه النساء هو ربط القضايا النسوية بالمرجعية الإسلامية، والذي وما زال يشكل عائقاً للناشطات، وذلك للهالة القدسية التي تحيط بالموضوع، والتي تعتبر أي حديث عن أي تفسير لأوضاع نساء القرن الواحد والعشرين، انتهاكاً صارخاً وتعدياً للخط الأحمر الذي رسمه فقهاء مفسرون قبل آلاف السنين”.

وترى أن ما أُنجز من إصلاحات جزئية عملت على تقليل حدة النصوص التي تضع المرأة في مرتبة القاصر، كان هدفه وضع اليد على مواطن التمييز في القوانين والمناداة بحركة حزبية إصلاحية، لا تمس جوهر المشكلة من حيث المناداة بترسيم قوانين تنادي بالمساواة في الحقوق، وتستند إلى مرجعيات إسلامية”. وتشير إلى أن “هذا الأمر يبين ضعف الحركة المطلبية من حيث الاطلاع على التجارب الأخرى والنماذج التي سادت في العقود الثلاث المنصرمة، كالتجربة المغربية التي تمثل نموذجاً يستحق الوقوف عنده من حيث المسار الطويل والمعقد. واستطاعت هذه التجربة أن توضح مواطن النقص وترصد الرهانات السياسية والمجتمعية، وتستند إلى المرجعيات الفقهية التي ساندت المطالب بشكل مطلق”. 

منح النساء 40 في المئة من المقاعد داخل البرلمان لا يكفي، كما تقول أسيل النور عضو قوى شباب الثورة، وهي تعتبر أن النسبة ضئيلة جداً أمام ما قدمته النساء من تضحيات. تقول: “المشاركة الواسعة للنساء والشباب منذ انطلاق الثورة في كانون الأول/ ديسمبر كانت واضحة كما كان هنالك غياب للرجال الذين فوق الـ35 سنة، الأمر الذي لم أجد له تفسيراً حتى الآن”. وترى أن هذه المشاركة لم تأت من فراغ وكانت نتاج مقاومة كبيرة طوال حكم النظام السابق، فقد تم استهداف النساء والشباب من خلال قوانين تعسفية تتدخل في حياة الناس الشخصية وتحد من حركة النساء. وكان من الطبيعي أن تتطور هذه المقاومة إلى فعل ثوري مناهض لممارسات النظام السابقة، إضافة الى أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة تأثرت بها النساء بصورة أكبر باعتبار أن أعداداً كبيرة منهن مسؤولات عن إعالة أسر نتيجة للنزاعات والحروب وارتفاع نسبة الطلاق. وتشير النور إلى أن التنظيمات الحقوقية والنسوية نظمت الكثير من الأنشطة التوعوية الحقوقية للنساء والشباب بصورة مكثفة، إضافة إلى وجود تنظيمات ومجموعات مطلبية من النساء والشباب، ما ساهم في تنظيم هذه المشاركة وتفعيلها.

وعن سؤال عما تريده النساء، توضح النور: “نريد أن تنال المرأة حقوقها الواردة في الاتفاقات والمواثيق الدولية كاملة ومن دون انتقاص تحت أي مبررات سواء كانت ثقافية أو دينية، كما ننادي بالحرية والسلام والديموقراطية والعدالة”. وتضيف: “نعلم أن تحقيق هذه المطالب تواجهه تحديات كبيرة ولكننا بالصبر والعزيمة والإصرار سنحققها”.

لاشك أن الأوضاع السياسية غير المستقرة وعلى مدى عقود طويلة تحدياً كبيراً يواجه الحركة المطلبية النسوية في السودان، التي اتسمت بعامل الشد والجذب مع الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية، ما أفقدها بناء خصوصية لفلسفتها ومنهجها وتنظيمها، على رغم أهمية هذه الخصوصية للمرحلة الراهنة. كما أن انعدام النقاش العام وحرية الصحافة، لعبا دوراً كبيراً في تحجيم الحركة المطلبية. الأكيد أن الثورة منحت الحركة المطلبية النسوية فرصة لتعيد تشكيلاتها وتهتدي ببعض تجارب الأمم التي مرت في الظروف ذاتها، وتحضر أرضية صلبة للتغيير الحقيقي. 

طموحنا المناصفة

هل التغيير الذي يحدث الآن في السودان لمصلحة النساء؟ وهل مطالب النساء جزء من الأجندة المطروحة للتفاوض؟

طرحنا هذه الأفكار على الصحافية والناشطة النسوية مديحة عبد الله، فأوضحت أن النساء والمنظمات الحقوقية، انتبهن إلى هذه القضايا ودار حولها نقاش مستفيض. “تم الاتفاق على الأجندة والعمل المشترك عبر حوارات شاركت فيها التنظيمات النسوية العريقة كالاتحاد النسائي وتنظيمات جديدة تكونت أثناء حركة مقاومة النساء للظلم والعنف الذي مورس تجاههن في فترة الحكم البائد كمجموعة “لا لقهر النساء”، و”تجمع القوى النسوية المدنية والسياسية –منسم”، إضافة إلى المنظمات الحقوقية الداعمة لقضايا النساء”.

ولفتت إلى أن هذه المجموعات نظمت حوارات حول أجندة النساء المشتركة وتم التوافق على وثيقة حقوق للنساء وعلى إعلان للقضايا النسوية والضغط لتكون جزءاً من الدستور المقبل”. وحول الدعم السياسي الذي يلاقيه هذا الحراك، أشارت إلى أن قوى إعلان الحرية والتغيير، وهي القوى التي تقود الحراك الآن اعترفت بنسبة 40 في المئة، والسقف المطلوب المناصفة وتم الاتفاق بين تلك المجموعات على ترشيح نساء بناء على تلك النسبة على كل المستويات. إلا أن عبد الله رأت أن القضايا السياسية العامة تنال اهتماماً أكبر من القضايا الخاصة بالنساء، لافتة إلى غياب أي آلية واضحة للضغط من أجل تحقيق أجندة النساء، إضافة إلى هيمنة الرجال على المشهد السياسي حتى على مستوى قوى المعارضة. وفي هذا الجانب تابعت: “في تقديري لن يكون هنالك تغيير كبير يحدث نقلة في حياة النساء. ما زال العمل على مستوي قاعدة النساء ضعيفاً، فرضته ظروف القمع والتضييق على منظمات المجتمع المدني والإعلام خلال الفترة السابقة. تمثيل النساء وحده لا يضمن تحولاً أفضل في حياة النساء. هذا يتطلب حركة نسوية مستقلة قادرة على العمل من دون أى تأثيرات من قوى رجعية وتقليدية”.

النساء في الاعتصامات ولجان المقاومة

تشدد ملاذ عصام صحافية وناشطة نسوية، على أهمية الرؤى النسوية التي قدمت، والتي قد تساهم في إحداث تغيير كبير في واقع النساء السودانيات، إذا تم تطبيقها كما يجب. وحول مشاركة النساء في الحراك الثوري خلال الفترة الماضية تقول “وصلت مشاركة النساء في الحراك إلى 70 في المئة بحسب التقديرات، وشملت مشاركتهن كل المراحل وكل الخطوات، من خلال وجودهن داخل تجمع المهنيين الذي قاد الحراك.

وتردف: “تلك المشاركة الفاعلة توجت بتوقيع مجموعات نسائية ونسوية ومهنية على إعلان الحرية والتغيير، ووجود النساء القوي داخل لجان المقاومة في الأحياء ولجان التنظيم والترتيب للمواكب والمشاركة الفعالة في كل خطوة من خطوات الموكب، وثباتهن داخل ميدان الاعتصام منذ 6 نيسان/ أبريل وحتى اليوم، وقد أقر الشارع بمختلف فئاته بتلك المشاركة الرائعة.

وتشير عصام إلى أن “هنالك مؤشرات إيجابية تؤكد رغبة النساء في التغيير برؤية واضحة كالمطالبات المتكررة من مجموعات بالمناصفة في السلطة في المرحلة المقبلة. وتم ترشيح عدد من النساء الكفوءات والمميزات ذوات الكفاءة والخبرة في مختلف المجالات، والواعيات لقضايا النساء، في مواقع قيادية. 

وثيقة حقوق النساء

بمبادرة من الباحثة والخبيرة في النوع الاجتماعي سامية النقر وعبد الله وعدد من الخبيرات في مجال النوع كُتبت وثيقة حقوق النساء شملت: حقوق المواطنة، المساواة والحق في الكرامة والقضاء على التمييز ضد المرأة، وضمان الحقوق السياسية والمشاركة في مواقع صنع القرار جاء فيها (ويحق للمراة السودانية الوصول لكل مواقع اتخاذ القرار في المواقع المدنية والعسكرية والشرطية والامنية). كما جاء في الوثيقة: “من حق النساء المناصفة في كل مؤسسات الدولة بخاصة المناصب القيادية”. وكذلك تمت الإشارة إلى الحقوق الثقافية وتم تأكيد التزام الدولة عبر المؤسسات التعليمية والاعلامية والبحثية بمشاركة المؤسسات المدنية، لإعادة كتابة التاريخ الاجتماعي لابراز ادوار النساء ومساهماتن في كل جوانب الحياة. ومن الحقوق التي وردت في الوثيقة، الحق في المشاركة في الانشطة الثقافية والرياضية والترفيهية والاندية الثقافية بخاصة الممولة من الدولة، وإزالة المعوقات التي تحول دون تمتع النساء بتلك الحقوق وإعادة الاعتبار للانتاج الفني والشعرى والغنائي للنساء، إضافة إلى إعادة النظر في اللغة الرسمية من منظور النوع، وفي كل المكاتبات الرسمية في وضع السياسات والقرارات وتأنيث المناصب، وإعادة الاعتبار لكل ما يتعلق بالزي والزينة وأسلوب الكلام في الثقافات السودانية، بخاصة في المناهج التعليمية والإعلام. 

وفي ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية، شددت الوثيقة على ضرورة مراجعة قانون العمل لضمان توافقه مع المعاهدات الدولية بخاصة التي تقرها منظمة العمل الدولية وضمان المساواة الكاملة بين الرجال والنساء في كل الحقوق الاقتصادية.

ووفق الوثيقة “تحظر جميع أشكال التمييز في العمل بما في ذلك التمييز بسبب السن أو الجنس أو الحالة الاجتماعية، أو بسبب يتعلق بحضانة الابناء او الانتماء السياسي أو الايديولوجي، أو أي أسباب مع وضع عقوبة لأي ممارسة فيها تمييز ضد النساء في العمل”. وكذلك تعزيز مشاركة المرأة في العمل النقابي وتخصيص نسبة لا تقل عن 50 في المئة من المقاعد في الهيئات القيادية للنقابات. ومن الحقوق الاجتماعية، ادماج منظور النوع الاجتماعي وتعليم حقوق الإنسان مع التركيز على حقوق المرأة في المناهج الدراسية ومناهج تدريب المعلمين والمعلمات. من حق المرأة المساواة في فرص المشاركة في الانشطة الرياضية والتربية البدنية، أينما كان النشاط، في الأندية الرياضية او الساحة العامة، على الدولة سن القوانين ووضع السياسات ونظم المتابعة لحماية المرأة والطفلة من أشكال إساءة المعاملة والعنف والتحرش الجنسي في المدارس والمؤسسات التعليمية وتطبيق عقوبات رادعة على مرتكبي مثل هذه الممارسات ووضع برامج توعية مستمرة عن أشكال العنف المختلفة في كل المرافق التعليمية”.

السودان في عصر الجنجويد: الاغتصاب سلاحاً للقمع

إقرأ أيضاً