fbpx

هنا القصة الثالثة

فيكين شيتريان

فيكين شيتريان

مقالات الكاتب

كمبوديا: هل يمكن أن يتحقّق العدل بعد الإبادة الجماعية؟

الكثير من الكمبوديين ممّن ولدوا بعد فترة قصيرة ولكن عنيفة من سيطرة حزب الخمير الحمر، لا يمكنهم أن يصدقوا قصص الرعب التي يرويها الجيل السابق. يقول إيون سيلو، المزارع وكاتب القصص الخيالية، “يخبرني والداي قصصهما، لكنني لا أصدّقهما… قالا لي، نخبرك هذا كي لا يحدث الأمر نفسه لك”.

كم هو صعبٌ على هؤلاء الآباء أن يتحدثوا عن قصصهم الصادمة! وكم مؤلمٌ أن يواجهوا بالجحود وعدم التصديق، حين يروون ما حدث! إن فكرة استحالة تمرير قصة عنف جماعي حتى للأبناء تطرح أسئلة وجوديّة. هل نحن بصفتنا حضارة إنسانية قادرون على تعلم “دروس” من الإبادة الجماعية؟ وبالتالي، هل يمكننا أن نحمي الجيل التالي من العنف البشري والتدمير الذاتي؟

قال لي يوك تشانغ، مدير مركز التوثيق في كمبوديا، “أصبحت الإبادة الجماعية هي هوية كمبوديا… تأثّر الجميع في هذا البلد بالإبادة الجماعية. من المستحيل التخلص من تبعاتها”. ويخلص إلى أن، جميع الأطفال في هذا البلد هم أبناء لضحايا الإبادة الجماعية أو أبناء مرتكبيها.

في كمبوديا، كثيراً ما سمعت أن خصوصية الإبادة الجماعية هناك تتمثل في حقيقة أنها “قتلت شعبها”. ويعنون بذلك أن أعضاء حزب “الخمير الحمر” قتلوا أقاربهم العرقيين، وهم خمير آخرون. علاوة على ذلك، فإن كلاً من الضحايا والجناة ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية ذاتها؛ كان قادة الخمير الحمر من الحضريين الحاصلين على تعليم أجنبي، وهم ذاتهم من قضوا على النخبة المثقفة الحضارية. في حين كان جنود الصف العاديين غير متعلّمين، من أبناء الفلاحين، وهم ذاتهم أيضاً من قضوا على مئات آلاف الفلاحين.

“مكّنت المساعدات الدولية الخمير الحمر من الحفاظ على جيش يتراوح عدده من 20 ألف إلى 40 ألف جندي”

بعد فترة الخمير الحمر، كان في كمبوديا سبعة محامين فقط، ونجا 43 طبيباً فقط. ولهذا السبب يطلق على العنف الجماعي في كمبوديا اسم “الإبادة الجماعية الذاتية” أو الإبادة الجماعية للذات. ولكنني أتساءل، هل هناك أي إبادة جماعية ليست تشويهاً ذاتياً، أو تعمل على تدمير مجتمعها الخاص؟

تمتلك كمبوديا درساً مفاجئاً آخر؛ يتمثّل في ما حدث بعد الإبادة الجماعية، وكيف دعم المجتمع الدولي -باستثناء فيتنام والاتحاد السوفياتي- ومول الخمير الحمر وسلحهم. واصلت الولايات المتحدة والصين وتايلاند، ولأكثر من عقد من الزمن بعد أن طاردت القوّات الفيتنامية الخمير الحمر من العاصمة الكمبودية بنوم بنه ومعظم كمبوديا، دعمهم سياسياً ومالياً.

في ذاك الوقت، كانت الحرب الباردة، وكانت كمبوديا تحت سيطرة الحليف السوفياتي، فيتنام. ولذلك، ظل التحالف الأطلسي، وكذلك الصين، بهدف التصدي للتحالف السوفياتي الفيتنامي، يرسلان ملايين الدولارات من المساعدات العسكرية إلى بول بوت وعصاباته الإجرامية. في كانون الثاني (يناير) من عام 1979، انهارت قوات الخمير الحمر في غضون أسبوعين أمام الهجوم الفيتنامي.

ومع ذلك، فقد تجمّعوا مرة أخرى واستمروا في القتال بسبب المساعدات الدولية المهمة. كما طالب التحالف الأميركي الصيني بانسحاب القوات الفيتنامية، الأمر الذي كان من الممكن أن يفتح الطريق أمام عودة الخمير الحمر إلى السلطة في كمبوديا. في الثمانينات، قدمت الصين وحدها ما يعادل مليار دولار للخمير الحمر نقضاً أو على هيئة أسلحة، بما في ذلك إرسال 20 دبابة صينية عام 1990. وجد الرئيس الأميركي جيمي كارتر، ومستشاره زبغنيو بريجينسكي، أنه من المناسب استخدام خطر الخمير الحمر على كمبوديا، من أجل الحد من التأثير الفيتنامي على جنوب شرقي آسيا.

سجن الخمير الحمر S21

شوهد بول بوت، زعيم الخمير الحمر، في فنادق فاخرة في تايلاند، بعد سنوات قليلة فقط من قيام قواته بإعدام الآلاف لأنهم ببساطة “سرقوا” بعض الأرز أو ثمرات من المانغو لإشباع جوعهم أثناء العمل في حقول الأرز. كما قدّمت تايلاند قواعد لوجستية للخمير الحمر حتى النصف الثاني من التسعينات. مكّنت هذه المساعدات الدولية الخمير الحمر من الحفاظ على جيش يتراوح عدده من 20 ألف إلى 40 ألف جندي ومكّنتهم أيضاً من مواصلة الحرب ضد كمبوديا.

أما أولئك الذين قتلوا ربع سكان كمبوديا، حتى بعد أن فقدوا السلطة، ولم يعد لديهم أي تحكم على الأراضي الكمبودية، فقد حظوا مع ذلك بالامتياز للاحتفاظ بالتمثيل الكمبودي في الأمم المتحدة. ومُنح أتباع بول بوت الحق في الاحتفاظ بمقعد كمبوديا في الأمم المتحدة بعد مرور 11 سنة من فقدانهم السيطرة على بنوم بنه. وكان يمكن للمجتمع الدولي بسهولة أن يقدم للعدالة المجرمين المسؤولين عن الإبادة الجماعية للشعب الكمبودي، لكنه نفى ذلك كجزء من الألعاب الجيوسياسية. لقد تم بكل بساطة “تحرير الكمبوديين من قبل السلطة الخاطئة”، كتب توم فوثروب وهيلين جارفيس مؤلفي كتاب “كيفية الإفلات من الإبادة الجماعية”؟

لم يكتف التحالف الغربي – الصيني بإنكار العدالة لفترة تمتد إلى عقدٍ ونصف، بل استمر في تمكين مرتكبي الإبادة الجماعية في كمبوديا من شن حربهم لعقدين أخرين وقتل الآلاف من المواطنين، وتهديد ضحاياهم بعودتهم المحتملة إلى السلطة.

انسحبت القوات الفيتنامية أخيراً من كمبوديا عام 1989، أثناء ذروة التغيرات التي شهدها الاتحاد السوفياتي وانفراج العلاقة بين موسكو وواشنطن. توقف الدعم الدولي للخمير الحمر فقط عام 1990، فقد انتهت الحرب الباردة ولم تعد هناك حاجة لخدماتهم – أي الخمير الحمر. ومع ذلك، استمر فلول الخمير الحمر في نشاطهم حتى عامي 1997/ 1998، بتمويل عملياتهم العسكرية عبر التجارة غير الشرعية للأحجار الكريمة والخشب وعمليات التهريب.

استمرار الخمير الحمر في شن عملياتهم العسكرية كان عائقاً رئيسياً لجلب مرتكبي الإبادة الجماعية إلى العدالة. أعطى رئيس الوزراء “هون سين”- الموجود بالسلطة في العاصمة بنوم بنه منذ عام 1985- عفواً للكثير من قادة الخمير الحمر لإنهاء تمردهم ووضع نهاية للحرب. السلام بدلاً من العدالة، المعضلة المعتادة بعد أي صراع.

 إنكار الخمير الحمر

يصعب اليوم، حتى بعد مقتل ما يتراوح بين 1.3 إلى 1.7 مليون مواطن، إيجاد مسؤول سابق في الخمير الحمر يتحمل مسؤولية مذابح الإبادة الجماعية. ينكر جميعهم أي مسؤولية أو تصرف خاطئ. أنكر “نون تشيا”، المسؤول رقم 2 في تنظيم الخمير الحمر مسؤوليته بقوله إن “بول بوت” كان الشخص الذي يتخذ القرارات، وأضاف، “بول بوت كان أميناً عاماً للحزب، أنا كنت نائبه، وفي أوقات كثيرة لم يكن لي أي تأثير”. أنكر “بول بوت” بدوره تلك الجرائم في حواراٍ أجراه مع الـ”بي بي سي”، قائلاً إن الإبادة الجماعية ليست إلا دعاية فيتنامية خاطئة.

مثل “بول بوت” وقادة الخمير الحمر أمام محكمة دولية بعد 25 عاماً من طردهم من السلطة عام 1979، وتوصلت حكومة كمبوديا إلى اتفاقية مع الأمم المتحدة لتنفيذ هذا الأمر عام 2003.

أهمّية العدالة واستحالتها

تضم الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا ECCC، الجهة المسؤولة عن جلب مرتكبي الإبادة الجماعية إلى العدالة، قضاةً كمبوديين يعملون وفقاً للتشريع الوطني، وقضاةً دوليين يقدمون الدعم عبر الأمم المتحدة. لكن وجدت منذ البداية أزمة ثقة بين الطرفين، كل طرف يتهم الآخر بالدوافع السياسية. يتشكك الكمبوديون في الأمم المتحدة بسبب الدور الذي لعبته في ثمانينات القرن الماضي. ويتشكك المجتمع الدولي في الحكومة الكمبودية، لأن رئيس الوزراء الحالي “هون سين” وشخصيات بارزة في حكومته كانوا أعضاء من قبل في تنظيم الخمير الحمر قبل انشقاقهم وانضمامهم لفيتنام. مثّل الأداء البطيء للمحكمة مزيداً من التحديات.

العدد الإجمالي لمن اُتهموا ومثلوا أمام محاكم كمبوديا هو 9. حتى الآن، حُكم على 3 قادة سابقين في تنظيم الخمير الحمر بالسجن مدى الحياة، وهم “نون تشيا”، الرجل رقم 2 في التنظيم، و”خيو سامفان” رئيس دولة كمبوديا فترة حكم الخمير الحمر، و”كاينج جيك إيف”، المعروف أيضاً باسم “دوش”، رئيس سجن S-21 سيئ السمعة. توفى اثنان أثناء المحاكمة، في حين اعتبر القضاة أن “إيم تشيم”- مسؤولة سابقة في تنظيم الخمير الحمر- ليست ضمن المسؤولين عن مذابح الإبادة الجماعية، لتغلق القضية. تنتظر محاكمة ثلاثة آخرين من قادة الخمير الحمر- هم “ميس موث”، “أو آن” و”يم تيث”- حكمها النهائي في وقت لاحق من العام الجاري.

تبدو نتيجة سنوات من المعارك القانونية لعلاج الجروح المفتوحة للإبادة الجماعية في كمبوديا، هزيلة على أقل تقدير. العدالة بمعناها التقليدي، أي العقوبة المساوية للجريمة المرتكبة، تبدو مستحيلة بعد إبادة جماعية. يبدو من المستحيل جلب الملايين من الجرائم التي ارتكبت خلال وقت محدد أمام النظام القضائي، قضايا مثل، ملايين من القتلى، آخرون فقدوا ممتلكاتهم، ترحيلات قسرية، اغتصاب، تعذيب. يبدو النظام القضائي التقليدي عاجزاً عن وضع إجابة أو تعويض كاف لكل خسارة وألم وإحباط.

بإمكان المحكمة أن توفّر عدالة رمزية على أحسن تقدير بمحاكمة حفنة من هؤلاء القائمين على الجرائم الجماعية التي ارتكبت. لن ترضي تلك العدالة الرمزية الضحايا- لهذا يظل أي مجتمع ناجٍ من الإبادة الجماعية مسيّساً بشكل كبير- لكنها على الأقل ستُعلم المجتمع أن القتل الجماعي، والترحيلات القسرية، ومصادرة الممتلكات والاغتصاب، جرائم تستوجب الإدانة. كم يبلغ عدد المجتمعات التي لم تحقق حتى تلك العدالة الرمزية، ونتيجة لذلك لم يعد يمكنهم التفريق بين الخير والشر؟

إقرأ أيضاً:
زيارة إلى السجن الذي تحوّل متحفاً للإبادة الجماعية في كمبوديا
ضحايا الإبادة و”مشكلة الشر”

إقرأ أيضاً