fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Financial Times

ترجمة - Financial Times

مقالات الكاتب

“كفاحي” ممسرحاً: تحذير للبولنديين من استعادة أفكار هتلر

سيطر الهلع على ياكوب سكزفانيك عندما سمع أن أحد القوميين اليمينيين المتطرفين أحرق دمية تُمثل اليهود خلال تظاهرة مناهضة للمهاجرين عام 2015 في مدينة روكلو، وهي واحدة من أكبر المدن البولندية.

وعبر عن مشاعره قائلاً، “لقد ولدت في بولندا بعد التحول الديموقراطي، لذا أنا أمثل ذلك الجيل الأول الذي عاش في مناخ تسوده الديموقراطية تماماً، وعندما رأيت ما حدث، اعتقدتُ أنَّ شيئاً ما بالغ الخطورة على وشك أن يبدأ. وكنت على صواب. لم أتخيل أبداً أن شيئاً مثل ذلك قد يحدث مُجدداً، في مجتمعنا”.

بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام بقليل، كان هذا الرجل ذو النزعة القومية قد أنهى عقوبته في السجن وخرج منه. أما سكزفانيك، وهو مخرج شاب، كان يعرض مسرحية في “المسرح العالمي” (Teatr Powszechny) للفنون الاستعراضية في وارسو، تحاول أحداثها التصدي إلى الخطاب الذي يحض على الكراهية، والتطرف الذي اتسمت به الخطابات العامة في بولندا.

تناولت المسرحية تمثيلاً درامياً لمقتطفات من كتاب أدولف هتلر “كفاحي”، وهو خيار استفزازي للغاية يحمل بين طياته تأثيراً عميقاً في بلد عانى بشكل مروع على أيدي ألمانيا النازية. بيد أن سكزفانيك أراد مواجهة الجمهور بأوجه التشابه المقلقة بين اللغة المستخدمة خلال تلك الحقبة المظلمة والآن. وعبرت الأسئلة التي جاءت في النبذة المسرحية عن ذلك. “كم من الكلمات كان لا بد أن تُقال قبل أن تحدث محرقة الهولوكوست؟ وكم من الكلمات سيتعين أن تُقال حتى يُعيد التاريخ نفسه؟”.

يشعر البولنديون بغالبيتهم العظمى بالجزع إزاء الطابع العدواني الذي تتسم به حياتهم العامة. إلا أن الحادث الذي وقع في مدينة روكلو ليس المؤشر الوحيد على التطرف الذي بدأ يتغلغل في الخطاب الوطني. فقبل مدة قصيرة، قال عضو مجلس الشيوخ عن حزب العدالة والقانون الحاكم، جيجوش بيارتسكي، إنه ينبغي “تطهير” بولندا من الأشخاص الذين لا “يستحقون الانتماء إلى مجتمعنا الوطني”. ونشرت صحيفة أسبوعية يمينية محدودة التوزيع في عدد شهر آذار/ مارس الماضي، مقالاً على صفحتها الأولى، حمل عنوان “كيف تتعرف إلى اليهودي”.

عام 2017، أقام القوميون مشنقة صورية في وسط مدينة كاتوفيتسه علّقوا عليها صور 6 من النواب البولنديين في البرلمان الأوروبي الذين صوتوا على قرار ينتقد إصلاحاً قضائياً في بولندا.

بيد أن الصدمة الأكثر ترويعاً التي أصابت الوعي العام حدثت في شهر كانون الثاني/ يناير، عندما تعرض عمدة مدينة غدانسك، بافل أداموفيتش، للقتل خلال مشاركته في حفل خيري. وصرحت الشرطة آنذاك بأن القاتل المزعوم سبق أن عانى من أمراضٍ عقليّة، لكنه ألقى باللائمة على حزب المعارضة، “المنصة المدنية”، بينما كان يطعن أداموفيتش، ما أثار جدلاً حول تأثير الخطابات العامة القاتمة في بولندا.

قال رافال بانكوفسكي رئيس منظمة “نيفر آغين”Never Again Association، وهي منظمة مناهضة لجرائم الكراهية، “أعتقد أن الناس أخذوا مسألة خطاب الكراهية على نحو أكثر جدية ولا سيما بعد حادثة الاغتيال التي حدثت في غدانسك”. وأردف، “من الواضح أن الخطاب الذي يحض على الكراهية كان موجوداً من قبل -لقد كان موجوداً منذ سنوات، كنت أتعامل معه منذ أكثر من عقدين من الزمان- لكن هذا العام أعتقد أن المزيد من الناس صاروا أكثر وعياً بحقيقة المسألة”.

كثيراً ما تصادم “المسرح العالمي” البولندي الذي يتخذ من عبارة “المسرح الذي يعترض الطريق” شعاراً له، مع حزب “العدالة والقانون” اليميني مذ تولى السلطة عام 2015. وأوقف أحد الوزراء أحدث عروض المسرح باعتبار أنه عمل فني يقوم به أشخاص “يعيشون في عالم موازٍ، ويرون ظاهرة ليس لها وجود في بولندا”. إلا أن سكزفانيك يقول إن هدفه ليس توجيه أصابع الاتهام إلى أفراد أو أحزاب معينة.

يظهر في أحد المشاهد الممثلون وهم يرتدون أقنعة لاثنين من الشخصيات المتناقضة في السياسة البولندية، وهما مؤسس حزب “العدالة والقانون”، ياروسلاف كاتشينسكي، ومنافسه من يمين الوسط ومؤسس “الحزب المدني”، دونالد توسك، وهما يمشيان باختيال على خشبة المسرح بينما يصيحان بمقتطفات من كتاب “كفاحي” حول الدعاية. وفي نهاية المشهد لاقى كلاهما مصرعه، وتظل شخصية لا ترتدي قناعاً مُتشحةً بالسواد على قيد الحياة. يقول سكزفانيك إن الرسالة من المشهد لا تهدف إلى وصف إحدى الشخصيات السياسية المعاصرة بأنها هتلر المقبل. بل تُعبر عن قلقه من أن ما ينبثق من حطام المصادمات الخطابية المتصاعدة اليوم، هو ما يُمكن أن يُشكل خطراً حقيقياً.

ودرءاً لهذا الخطر، تهيب المسرحية بالجمهور أن يطرح أسئلة قد تبدو غير مريحة، بدلاً من إلقاء اللوم ببساطة على خصومهم الأيديولوجيين. وفي أحد المشاهد الأخرى، تظهر عائلة تجلس على الطاولة لتناول العشاء، بينما تشرع إحدى الشخصيات في إلقاء خطبة معادية للسامية لمدة 13 دقيقة، من دون مقاطعة من أحد. والسؤال المطروح الآن هو إلى أي مدى يتورط المجتمع على نطاق أوسع في عودة ظهور الأيديولوجيات المُفعمة بالكراهية.

يقول سكزفانيك، “مررت بمواقف خلال حياتي حين كان يبدأ شخص ما بالحديث… على هذا النحو، وبدأت أسأل نفسي، لماذا لم أتصدَّ لهم؟”. وختم كلامه قائلاً، “كان من المهم حقاً مواجهة الجمهور بهذا النوعِ مِن اللغةِ وجعله يتساءل، كم مرة لم نتصدَّ لمثل هذا الوضع؟”.

هذا المقال مترجم عن ft.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً