fbpx

هنا القصة الثالثة

خولة بو كريم - صحافية تونسية

خولة بو كريم - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

“كان الأجدر بنا حرقكم”: شهادات عن تعذيب مارسه الأمن التونسي بحق مثليين

“14 شباط/ فبراير 2019 تاريخ ليس ببعيد، ما زلت أذكرُ كلَّ تفاصيله، كان يوم عيد الحب.عيد لم تسمح لنا فيه الشرطة التونسية بممارسة حقّنا كمواطنين في التنقّل بحرية حتى، فعن أي حبّ واحتفال يتحدثون؟”.

يصمت ناصر (اسم مستعار) قليلاً، ثم يتابع:

“كان رجل الأمن يشدني من شعري ويصرخ طوال المسافة الفاصلة بين منزل أصدقائي وباب سيارة الشرطة “أهكذا يلبسُ الرجال؟ أهكذَا يصففون شعرهم؟”.

“ليس من حقك معاملتي بهذه الطريقة… أنتَ تتجاوزُ القانون”، قلتُ، لكنه ضحك بسخرية وصرخ بي: “حقوق؟ وهل “للشواذ” حقوق؟

“لماذا صبرنا كلَّ هذا على وجودكم بيننَا؟ كان الأجدر بنا حرقكم منذ زمن بعيد”.

يوثق هذا التحقيق شهادات لمواطنين تونسيين تعرّضوا للتعذيب الجسدي والنفسي بسبب هويتهم الجنسية، سلبوا بسببها حريّتهم الشخصية قسراً وخضعوا لمحاكمات غير عادلة “عقاباً”، لهم على المثليّة الجنسية. وعلى رغم أنَّ الدستور التونسي الذي تمَّت صياغته بعد الثورة، جاء بفصول تحرّرية داعمة للحقوق والحرّيات الفرديّة، إلا أنَّ هذه القوانين بقيت حبراً على ورق ولم تَردع عناصرَ الأمن والشرطة خصوصاً، من التعامل بعنف وانتهاك حقوق مواطنينَ تونسيين.

في تونس تسلبُ الحرية لمجرّد الشك في المثليّة

ناصر، شاب تونسي (24 سنة)، ناشط في المجتمع المدني في مجال دعم حقوق الأشخاص المتعايشين مع فيروس العوز المناعي المكتسب. انقلبت حياتهُ رأساً على عقب، مذ قبضت عليه الشرطة في شباط/فبراير عام 2018 في محافظة المهدية، لمجرد شكّ الشرطة في هويته الجنسية. هندامه ومظهره الخارجي، أوحيَا لعناصر الشرطة بأنّه مثلي. وعلى رغم أنه لم يرتكب أي جرم يعاقبُ عليه القانون التونسي أثناء القبض عليه، يخضع ناصر الآن هو رفاقه لمحاكمة بسبب قضايا “أخلاقية”.

ويعاقب الفصل 230 من المجلة الجزائية التونسية أو القوانين الجزائية، العلاقاتَ الجنسيّة بين أشخاص من الجنس ذاته، بالسجن ثلاث سنوات. كما تعاقب الفصول 226 وما يليها من المجلة ذاتها أي “سلوك مخالف للأخلاق العامة”. وتستخدمُ هذه الفصول كثيراً لمضايقة واعتقال وإدانة الأشخاص الذين يعرفونَ أو يشتبهُ في كونهم من المثليّات والمثليّين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية والعابرين جنسيّاً.

يقول ناصر: “كنَّا 9 أشخاص، أنا وصديق لي فقط مثليان، وكانت معنا صديقات لنا، إلا أنه تم حشرنَا في سيّارة صغيرة جدّاً بالكاد تكفي لثلاثة. كانت الرابعة عصراً، أهانونا في وضح النهار ولم نكن حتى في حالة “تلبس” ولا ممارسة جنسية، كانت جمعةَ أصدقاء عادية انتهت بكابوس… أو ربّما انتهت قبل أن تبدأ، إذ تم القبض علي وأنا على باب منزل أحد أصدقائي. لم يتسنَّ لي الدخول حتَّى”.

هذا كله حصل، فيما الفصل الرابع والعشرين من الدستور التونسي ينص على: “تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية. لكل مواطن الحرية في اختيار مقر إقامته وفي التنقل داخل الوطن وله الحق في مغادرته”.

“اعترِفْ بأنك شاذ!”

“كانوا أربعة أشخاص، رئيس المنطقة (مدير الأمن) وثلاثة من عناصر الشرطة جميعهم يضربونني في اللحظة ذاتها، طالبينَ منّي بالقوة إعطاءهم هاتفي. هم يبحثون عن دليل إدانتي…تحملتُ الضرب حتى سالَ الدّم من فمي ووجهي، وتساقطَ شعري على الأرض وعلى رغمَ ذلك لم أسلّمهم هاتفي. وعندمَا بدأ التحقيق بشكل رسمي كانوا يضربونني على رأسي وبين رجليّ، ويصرخونَ جميعهم في اللحظة ذاتها “اعترف بأنك “شاذ، اعترف بأنك تبيعُ الجنسَ مقابلَ المال”.

ثم وضعوا ورقةَ الاعتراف التي كتبهَا أحد العناصر، طالبينَ منّي التوقيع، وعندمَا رفضتُ ذلك، شدّني أحدهم من شعري بقوّة، لا أدري كيف لم تتمزق عروقي يومهَا من شدة الألم الذي أحسستُ به”.

وضع ناصر يدهُ على رأسه. “إنه يؤلمني حتى اللّحظة”.

ثم تابع: “جرَّني على مساحة الغرفة صارخاً “أيها الشاذ الحقير لن تخيفنَا بفزَّاعة حقوق الانسان، ليس لديكَ أيّ حقوق، انتَ دون ووضيع… ومكانك جهنّم”.

 

“الشرج” فحص العذاب

عادةً ما يرافقُ اعتقال هؤلاء الأشخاص وإحالتهم أمام المحاكم، إخضاعهم بصورة منتظمة لما يعرف بالفحص الشرجي، والهدف منه إثبات ممارستهم علاقة جنسية مثلية. ويتمثلُّ هذا الفحص في إدخال الأطباء أو غيرهم من الطاقم الطبي أصابعهم قسراً، أو أدوات أخرَى أحياناً، في شرج “المتهم”  بغية “تحديد شِدَّة العضلة الشرجيّة أو شكل فتحة الشرج”، التي من وجهة نظرهم تمكنهم من معرفة إذا مارس الشخص المثلية أم لا. وتؤكدُ منظمات حقوقيّة في هذا السيّاق أنَّ هذه الحجة ترتكزُ على معلومة علميّة من القرن التاسع عشر، فقدت صدقيتها منذ فترة طويلة، كما أنَّ غالبية الآراء الطبية والعلمية تؤكد استحالةَ استخدام هذا الفحص لمعرفة ممارسة الشخص الجنس المثلي.

يؤكد ناصر أنَّ نشاطه القانوني والحقوقي في المجتمع المدني ساعده على “الإفلات” بأعجوبة من إجراء الفحص الشرجي الذي حاولَ عناصرُ الشرطة بشتى الطرائق فرضه عليه، حتى حين كان داخل السجن وخارج مركز الإيقاف.

دانيال

إلا أنَّ دانيال (25 سنة)، طالب “مع وقف التنفيذ” في قسم اللغة العربية والآداب، لم يفلت من إجراء الفحص الشرجي “المهين” كما وصفه.

“في مستشفى الأغالبة بالقيروان، حاوطني اثنان من عناصر الأمن إلى جانب الطبيب، واحد كان يمسك بقوة رجليّ، وهو من خلعَ عنّي سروالي، أما الثاني فكان يمسك بيدي حتى شلّت حركتي بالكامل، واستطاع الطبيب إدخال إصبعه في شرجي”.

تعدُّ الفحوص الشرجية القسرية شكلاً من أشكال المعاملة القاسية والمهينة، والمعاملة اللاإنسانية التي يمكنُ أن ترقى إلى مستوى التعذيب. إذ تنتهكُ بنود البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” الذي صادقت عليه تونس في 2011، والتّابع لاتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها أيضاً منذ عام 1988. إلى جانب انتهاكها لما جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

يقول دانيال: “على رغم كل الألم الجسدي والنفسي الذي شعرت به جرّاء الضرب المستمر في مركز الشرطة والسجن، فإنني حاولت التصالح مع الأمر وقلت لربّما تعرضت لموقف مشابه في الشارع من سارق أو بلطجي… إلا أن ما بقي في وجداني طول الوقت وما أصابني بالاهتزاز والمهانة، تلك المعاملة غير إنسانية وغير اللائقة”.

يضيف دانيال: “حاولت استيقاف الطبيب الذي عبث بجسدي، سألته، أتعتبرُ نفسك طبيباً، أنت ملاك الرحمة؟ كيف تسمح لنفسك بإدخال إصبعك في جسدي؟. لكن بلا جدوى، إذ كان الطبيب منشغلاً بمحاولة إثبات “جريمتي”، مثليتي”.

يقول المنذر الشّارني الكاتب العام للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب لـ”درج” إنَّ استخدام الفحص الشرجي لإثبات المثلية الجنسية هو أمر مهين للغاية، ويعد ضرباً من ضروب انتهاك الحرمة الجسدية المحمية بموجب الفصل 23 من الدستور التونسي. لكنَّ الشارني يشدّدُ على أنه من الضروري إجراء الفحوص المماثلة في حال وجود متضرّرين بخاصة في حالة الاعتداءات الجنسية على الأطفال، ويؤكّدُ أنَّ هذه الفحوص لا يفترض أن تجرى من دون موافقة أصحابها.

يؤكد دانيال أن عناصر الشرطة في المستشفى، أعطوه هو ورفيقه ورقة حتى يكتبَا عليها تعهداً بالصيغة التالية: “إني أوكل فلان الفلاني (اسم الطبيب) بأن يفحصني شرجياً”، إلا أنهما رفضَا الكتابة والتوقيع، وعلى رغم ذلك أجبرَا على إجراء الفحص الشرجي بالقوة.

وتجدرُ الإشارة هنا، إلى أنَّ “لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة بخصوص تونس”، عام 2016، عبرت في توصياتها عن قلقها لكون العلاقات الرضائية بين شخصين من الجنس ذاته، يعاقب عليها القانون في تونس، وأنّ الأشخاص المشتبه بأنهم مثليّو الجنس ملزمونَ بإجراء فحص شرجي مأذون به من قبل قاض، ويجريه قبل طبيب شرعي بهدف إثبات المثلية الجنسية.

وعلى رغم الحق في رفض إجراء هذا الفحص، فإنّ اللجنة قلقة بسبب المعلومات التي تؤكّد أنّ كثراً يقبلونَ بإجراء الفحص تحتَ تهديد الشرطة التي تعلمهم أنّ رفض الفحص يعتبرُ إثباتاً للجريمة.

وتشير اللجنة كذلك إلى المعلومات حول الفحوصات التي تجرى للنساء لإثبات العلاقات الجنسية التي تحصل خارج إطار الزواج أو “البغاء”، ولا تحظى تلك الفحوص في الكثير من الأحيان بموافقة المرأة المعنيّة.

وتوصي اللجنة بتعديل الفصل 230 من المجلة الجزائية الذي يجرّم العلاقات الرضائية بين راشدين من الجنس ذاته.

وشددت اللجنة في تقريرها على منع الفحوص الطبية الجنسيّة التي ليس لها أي تبرير طبّي، ولا تحترم حرية الأفراد وحقهم في الموافقة أو الرفض.

محلّ تتبع أمام العدالة

يقول دانيال: “أنا اليوم أتحدثُ لأولّ مرة للصحافة، على رغم أن قضيتي شغلت الرأي العام سنة 2015، لكنني لم أرغب البتة في البروز إعلاميّاً على المستوى المحلي. أكره الظهور في دور الضحية، بل أنا صاحب حقّ في هذا البلد وسأبذلُ قصارى جهدي حتى أناله”.

“لطالما انتظرت النجاح في الباكالوريا حتى أدرس اللغة العربية في الجامعة، أعشقها بشغف، وكانت حلمي. كنتُ أرى مستقبلي وردياً، لا سيما أنني منذ سنتي الأولى في الجامعة وأنا أنشط في اتحاد الطلبة وكانت لي حظوة عند زملائي. اخترت الالتحاق بجامعة في محافظة القيروان والسفر بعيداً من عائلتي في قرطاج، أردتها تجربة جديدة تأخذني مسافات عمن يعرفون حقيقة هويتي الجنسية.

لكن حياتي توقفت منذ كانون الأول/ ديسمبر 2015، حين مُنعت من متابعة دراستي في تلك الجامعة، حتى طلبا نقلي إلى جامعتين أخريين، قوبلا بالرفض.ومنذ تلك الحادثة، لم أستسلم وواصلت المطالبة بحقي في التعليم. لن أسمحَ لهم بتدمير مستقبلي أو ما تبقى منه”.

يؤكد دانيال أنه على رغم مروره بتجربة قاسية جداً داخل مركز الشرطة والسجن، إلا أنه لا يزالُ مصمّماً على استرداد حقه من الدولة التونسية. رفع قضية جزائية بحق عناصر الأمن الذين تعرض على أيديهم للتعذيب. لكن هذه القضية ما زالت مركونة في رفوف المحكمة ولم يتم استدعاء اي طرف فيها، على رغم مرور أكثر من 3 سنوات. دانيال لم يكتف بهذا بل قدم طلباً في التعقيب، بعدما حكم عليه بالسجن شهراً، في ما عرف إعلامياً بقضية “لواط القيروان”، نسبة إلى المحافظة التي تم القبض عليه ورفاقه فيها.

ساعات من الضرب

“بقوا يضربوننا من الرابعة عصراً وحتى الثالثة صباحاً. كانوا ينهالون على وجوهنا بالصفعات ويصرخون فينا، اعترفوا بأنكم مثليون”.

يروي ناصر كيف أجبره عون الأمن على مسح الأرض بسرواله “كان يومها هناك شخص موقوف لأجل حالة سكر، وقعت زجاجة الكحول التي كانت بيده على الأرض وتكسرت، فطلب مني عون الأمن أن أنظف المكان بسروالي، أصبت بالصدمة والذهول. لكنني نفذت طلبه خوفاً من تنكيل إضافي. كان الزجاج في كل مكان، جرحت قدمي وانغرست قطع الزجاج الصغيرة في لحمي”.

التعذيب فعل مجرّم بموجب القانون التونسي والمعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها الجمهورية التونسية. وجاء في الفصل 23 من الدستور التونسي أنَّ الدولة تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد، وتمنع التعذيب المعنوي والمادي ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم.

وعلى رغم الاجراءات الوقائية التي تتخذها الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب وحملات التوعية بهذا الفعل المشين منذ تأسيسها بعد الثورة، وعشرات الزيارات التفقدية التي تقوم بها إلى مراكز الإيقاف والسجون، إلا أن هذه الممارسات اللاإنسانية ما زالت تنتشر في مراكز الإيقاف التونسية والسجون.

“في باب السجن أولّ جملة سمعناها، لقد وصل الشواذ… ابحثوا لهم عن ركن متسخ مثلهم”.

يصمتُ ناصر وتنهمرُ دموعه بغزارة ثم يواصل “أكثر ما كان يؤلمني اتهامنا بأننا كفار أو أننا لسنا مسلمين. عيرونا بأننا نساء. أنا لا أعتبر نفسي امرأة، أنا رجل لدي هويتي الجنسية المختلفة فقط. كنت أرغبُ في شرح كل هذا الكلام لهم. لكنني التزمتُ الصمت خوفاً ورعباً”.

يؤكد ناصر أنه تم التحقيق معه هو ورفيقه داخل السجن وهو أمر مخالف للإجراءات القانونية وحاولوا أكثر من مرة إجراء الفحص الشرجي داخل السجن وبسبب تهديده إياهم بأنه ناشط في المجتمع المدني وأنه سيفضحهم لدى الرأي العام، تخلوا عن الأمر وضاعفوا الضرب والإهانة.يؤكد ناصر باكياً: “تمنيت الموت أكثر من مرة حتى أتخلص من جحيم السجن وما عشته فيه”.

يعاقب الفصل 101 من المجلة الجزائية بالسجن مدة 5 أعوام وبخطية قدرها 120 ديناراً، الموظف العمومي أو شبهه الذي يرتكب بنفسه أو بواسطة الاعتداء بالعنف من دون موجب على الناس حال مباشرته وظيفته أو بمناسبة مباشرتها.

يعرف الفصل 101 مكرّر من المجلة الجزائية التعذيب، بأنه كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدياً كان أو عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول منه أو من غيره على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على فعل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو غيره أو تخويفه هو أو غيره، أو عندما يقع إلحاق الألم أو العذاب الشديد لأي سبب من الأسباب، يقوم على التمييز أيّاً كان نوعه.

يؤكد ناصر أنَّ التعذيب الجسدي والنفسي والاعتداءات اللفظية لم تتوقف عند حدود مركز الإيقاف بل استمرَّت حتى داخل السجّن.

أما دانيال الذي قبض عليه بسبب شبهة نشاط إرهابي، فأكد أن معاملة عناصر الشرطة اختلفت 180 درجة بعد اكتشافهم أنه ورفاقه مثليون، “كانوا يحققون معنا على أننا إرهابيون ونستقطبُ الشباب القاصر لمصلحة جماعات متشددة. كان المحقق يعاملنا باحترام بعض الشيء، قبل أن يفتح حاسوب صديقي ويشاهد أفلاماً إباحية لمثليين. وقتها تغيرت المعاملة تماماً. وتمنينا جميعنا لو كنا إرهابيين فعلاً”.

يؤكد دانيال أن لحظة القبض عليه ورفاقه من منزله لم تكن تهمة المثلية الجنسية قد جدّت بعد، بل وجهت لهم تهمة استقطاب الشباب لمصلحة جماعات متشددة بسبب وجود فتى قاصر بينهم، أبلغت عائلته الشرطة عن فقدانه.

يضيف: “تعرضنا للضرب المبرح في مركز الشرطة. لم نقاوم، لم نناقش، لم نطلب منهم الكفّ عن ذلك حتى. كانت طريقتهم همجية وعدوانية لا تصدّق. كانوا يوجهون ضرباتهم على الأنف والعين والأذن. لم يؤذهم مشهد الدماء الغزيرة. لقد عشنا الموت في كل لحظة، مشهد لا ينسى”.

سهيلة بن سعيد

بين أسوار السجن

معاناة دانيال وأمير ورفاقهما لم تتوقف عند مركز الشرطة، وتجربتهم المريرة مع التعذيب استمرت بين أسوار السجن. يخبرنا دانيال “في ساعات متأخرة من الليل كانوا يخرجوننا بالقوة من عنبر السجناء، يضعوننا في الممشى المظلم، ثم يجلسوننا على الكراسي ويضربوننا بالعصي على أرجلنا. آثار الضرب ما زلت حتى اللحظة”، يشير دانيال إلى أسفل رجله عند كاحله.

“كنا أضحوكة عنبر السجناء وإن ضاق “خلق” الحارس وطار نومه أتى إلينا حتى يمارس علينا شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي. لقد كانوا يتلذذون بتعذيبنا، كنا نحن نبكي وهم يضحكون”.

أمير (اسم مستعار) كان مع دانيال في السجن على ذمة القضية نفسها، كان يعاني نفسيّاً من فوبيا الخنافس قبل دخوله السجن. ولسوء حظه ربما كانت هذه الأخيرة تحاوطه في ركنه الصغير في السجن. يروي لنا كيف تسببت هذه الفوبيا في مزيد من التنكيل به.

يقول  دانيال: “كان علينا الاستئذان لفعل أي شيء داخل السجن، حتى وإن كان تافهاً. أراد أمير أن يستبدلَ الركن الذي ينام فيه ذا الرائحة الكريهة والمحاط بالخنافس، استأذنَ لذلك من عون الأمن ويا ليته ما فعل”.كانت ليلة سوداء، فعندما سمع عون الأمن طلب أمير، ضحكَ ساخراً بصوت غريب ثم نادانا نحن الاثنين خارج الغرفة.

إنها الثالثة صباحاً، كانَ مساعده يحملُ إليه سطلاً مليئاً بالخنافس… أمسكَ عون الأمن بالسطل وتوجَّه إلى أمير قائلاً:

“أهذه الحيوانات الصغيرة هي التي تخيفك أيها الشاذ الحقير؟”، ثم سكبهَا كلَّها على جسده من تحت ملابسه.

يقول دانيال “كان مشهد تعذيب مروعاً بما تعنيه الكلمة من معنى… شعرتُ بالغبن والقهر عندما رأيتُ الخوف والجزع في عيني أمير. كان موقفاً مهيناً للغاية عندما تساقطت دموع صديقي أمامي ولم أستطع أن أفعل له شيئاً. حتى لم أقدر أن أهدئ من روعه. كان في حالة خوف هستيرية وكان يرتعش بشدة حتى انهارَ واغمي عليه”.

تقول سهيلة بن سعيد رئيسة الجمعية التونسية للوقاية الإيجابية لـ”درج”، إنَّ الأجهزة الأمنية في العاصمة ربَّما تكون أكثر “تفتحاً” على حد تعبيرها  من أولئك الذين يعملونَ في المحافظات الداخلية، مؤكدة أن معظم المشكلات التي يتعرضُ لها نشطاء المجتمع المدني في مجال الوقاية من الأمراض الجنسية والأشخاص المثليين بمختلف هوياتهم، تكون بالدرجة الأولى في المحافظات الداخلية.

وتشير محدثتنا إلى أن هناك نقصاً كبيراً على مستوى المساندة القانونية في الجهات، حيث تشكو هذه المناطق من قلّة المحامين الذين يتولّون الدفاع في قضايا تتعلقُ بالحريّات الفرديّة، ممَّا يصعبُ على الجمعية التدخل أثناء تعرض المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي والعابرين جنسيا لأنواع كثيرة من المضايقات الأمنية والتي تصل إلى القبض عليهم وتعذيبهم وسجنهم.

وتعد هذه الجمعية من بين أهم المنظمات التونسية التي تنشط في مجال مكافحة الأمراض المنقولة جنسياً، والتي تسعى إلى دعم حقوق الأشخاص المتعايشين مع فيروس العوز المناعي المكتسب، كما تسعى إلى نشر الوقاية الإيجابية عبر حملات توعية بضرورة استعمال الواقي الذكري والتعريف بطرائق الوقاية التي من شأنها أن تحمي الأشخاص من انتقال هذه الأمراض. وتقدم هذه الجمعية الدعم القانوني المجاني للمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي والعابرين جنسياً الذين يتعرضون لمضايقات أمنية بسبب هويتهم الجنسية.

داخل مبنى اذاعة “شمس” الخاصة بالمثليين في تونس

هيئة دستورية للوقاية من التعذيب

تعدُّ الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من أهم المكاسب التي ظفر بها الشعب التونسي بعد الثورة، لا سيما بعدما تم كشف النقاب عن جملة الانتهاكات المرتكبة في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وما تعرض له المعارضون السياسيون والناشطون الحقوقيون من شتى أنواع التعذيب.

لكن على رغم انجلاء عهد الاستبداد إبان الثورة، إلا أنَّ التعذيب في تونس ما زالَ يُمارَسُ، لا سيما في مراكز الشرطة وبعض السجون، خصوصاً ضد الأقليات الاجتماعية، وإذ تعدُّ هذه الهيئة هيكلاً عموميّاً مستقلاً، وعلاوة على دورها الاستشاري فهي تضطلعُ بصلاحيات رقابية على أماكن الاحتجاز والإيواء، للتأكد من خلوها من ممارسة التعذيب بكل أشكاله وحماية الموجودين فيها. وتتولى مراقبة مدى تلاؤم ظروف الاحتجاز وتنفيذ العقوبات مع معايير حقوق الإنسان.

يذكر أن الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب أصدرت بياناً في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، رافضاً جملة من التصريحات والتحرّكات المتواترة من جهات عدّة تصبّ مجملها في الدّعوة إلى إنهاء مسار التتبّعات العدلية ضدّ المشتبه بهم في ارتكاب جرائم التعذيب من جهة، وعبر الدعوات إلى تشريع الإفلات من العقاب لمن ثبت ارتكابهم جرائم تعذيب، من جهة أخرى. ودعت الهيئة الوطنيّة للوقاية من التعذيب كلّ المتدخلين في هذا الموضوع إلى التزام الدّستور والتعهّدات الدولية للجمهوريّة التونسيّة والقوانين النافذة ذات الصّلة، واحترام حق ضحايا التعذيب وعائلاتهم والمجتمع ككلّ، في معرفة الحقيقة كاملة حول انتهاكات حقوق الإنسان والمسّ بالكرامة وحرمة الجسد، وإيقاف الحملات والدعوات الرامية إلى تعطيل عمل الدّوائر القضائيّة المختصة، والتصدّي لمحاولات الإفلات من العقاب باختلاف أشكالها ومبرّراتها.

القصرين التونسية: الوجع يمشي على قدمين و”الحصبة” تفتك بضحاياها

 

إقرأ أيضاً