“كانوا يستمتعون بالتصويب عليّ”: التنمر الالكتروني يلاحق النساء

"كانت تصلني رسائل تهديد، وبعضها تخلله شتائم جنسية..لم أعرف كيف أدافع عن نفسي. فأغلقت صفحتي لأسبوع كامل." سارة هي واحدة من فتيات كثيرات يتعرضن بشكل متزايد للتنمر على وسائل التواصل الاجتماعي.

نهاية عام 2017، قررت سارة فرحات (25 عاماً) التوقف عن التدوين حول القضايا السياسية والاجتماعية على صفحتها الخاصة على “فيسبوك”، فأزالت سارة تطبيق “فيسبوك” عن اللوح المحرك في هاتفها، واكتفت بتصفحه من خلال خدمة الموقع، لمرة واحدة في اليوم، وهو قرار بقيت ملتزمة به إلى يومنا هذا.

رغبتها بالكتابة في الشأن السياسي والديني، دفعتها إلى إنشاء مدونة خاصة بها على موقع “وورد برس”. تناولت صراعها مع حجابها الذي خلعته في شهر نيسان/ابريل الماضي، فكتبت حول التزمُت الديني والحراك المدني الذي شهده لبنان عام 2015، والذي تحمسّت له بشدة لكنها أصيبت لاحقاً بخيبة.

مطلع عام 2017، امتنعت سارة عن التدوين على موقع “وورد برس” وعلى صفحتها “فيسبوك”. جاء قرارها رغبة منها بتفادي حملة تنمر قاسية تعرضت لها من قبل مجموعات افتراضية حزبية استنكرت نشر سارة صورة تظهر بها لوحة إعلانية تحمل وجه زعيم حزبي وفي أسفل الصورة يبدو جبلٌ من القمامة.

تقول سارة لـ “درج” “هذه الحملة كبلتني، كانت تصلني رسائل تهديد،  وبعضها تخلله شتائم جنسية، ورسائل تحتوي على عنوان منزلي وأسماء أقاربي، حينها لم أعرف كيف أدافع عن نفسي. فأغلقت صفحتي لأسبوع كامل. الشتائم كانت تتناول شخصي، وبعضها كان خارجاً عن المألوف، لأنني أنثى. لو كنت ذكراً لما تمت معاملتي على هذا النحو”.

التنمر بحسب سارة طاول كل شيء، وتشرح “حين كنت هدفاً لمجموعات افتراضية، يبحثون حتى في ثغراتي الخُلقية، ومظهري الشخصي، كانوا يستمتعون بالتصويب على هذه التفاصيل، فتحولت إلى مادة دسمة لإثارة الضحك”.

سارة هي واحدة من فتيات كثيرات يتعرضن بشكل متزايد للتنمر على وسائل التواصل الاجتماعي. ومثلها أيضاً،(م. س) وهي صحافية لبنانية، اضطرت في إحدى المرات إلى الدفاع عن نفسها بعدما اعتراها الغضب، فشتمت شاباً قام بشتم والدتها في تعليقٍ على منشور يعود لها. اعتقدت (م.س) أن ردّ الشتيمة بالمِثل، سيردع المتهجم، إلا أن الشاب ما لبث أن تحول إلى مُرشد، فذَكرها بأنها أنثى ولا يليق بها ما تلفظت به.

“البلطجية”

تشير الدراسات، إلى أن النساء والمراهقين هم الأكثر عرضة للضرر المعنوي وأحياناً الجسدي، بسبب التنمر على وسائل التواصل الإجتماعي. وبدورها شرحت شركة “ipsos mori”، المتخصصة في الأبحاث الرقمية، الأسس السيكيولوجية التي ينشأ عليها فعل التنمر.

في اللغة الشعبوية، فإن التنمر يعني “البلطجة”، أي السلوك العدائي الذي يكثر في المناطق والأحياء الفقيرة، فالبلطجية يبيح فيها “المعتدي” لنفسه، أن يمارس عنفاً ضد ضحيته اعتقاداً منه أن ما من أحد قادرٌ على ردعه.

قبل ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، كانت ظاهرة التنمر متغلغلة بين طلاب المدارس، ومثلَ الملعب الذي يتجمع فيه الطلاب، حلقة لتفريغ غضب التلاميذ الكبار في السن، ضد من هم أصغر منهم.

مع ظهور التكنولوجيا، صار شكل التنمر مختلفاً. فبإمكان أي شخص في أي مكان في العالم أن يتنمر على هدفه، من دون الحاجة إلى الكشف عن هويته. وكما هي حال أشكال العنف كافة، فإن النساء يتحملن القدر الأكبر من العنف اللفظي والجسدي في الحياة الواقعية والافتراضية.  وتعدّ صاحبات المراكز المرموقة في وظائفهن، واللواتي يعملن في الشأن العام، هدفاً دسماً لأصحاب العقلية الذكورية لشنّ شتى أنواع العنف اللفظي والتقليل من شأنهن، فالمعتدي يستغل شروط تخفٍ تؤمنها له وسائل التواصل الاجتماعي، ما يسمح له بقول ما يريد من دون أن يعترض على تصرفه أحد.

تشير الدراسات، إلى أن النساء والمراهقين هم الأكثر عرضة للضرر المعنوي وأحياناً الجسدي، بسبب التنمر على وسائل التواصل الإجتماعي.

التنمر.. يسخف الحراك النسوي

في الأشهر القليلة الماضية، ضجت وسائل التواصل الاجتماعية اللبنانية بخبر تحرش ناشط بفتاة عبر رسائل خاصة أرسلها إليها عبر خدمة “مسنجر” على فيسبوك. انقسم فيسبوك بين مناصرين للفتاة من جهة، ومؤيدين للشاب من جهة أخرى.

وكان لافتاً اندفاع بعض المنحازين إلى الشاب لأن يهاجموا الحراك النسوي ككل في سياق تهجمهم على الفتاة، وقد نشر أحد الناشطين، صورة جزرة، كأداة مبتذلة، للردّ على نساء دافعن عن الصبية، وكان لافتاً وجود فتيات أيدنَ صورة الجزرة وما ترمز إليه.

التنمر كذكورية مفرطة

بحسب علماء الاجتماع، يندرج التنمر في خانة العنصرية الجندرية، ويحتل الذكور المرتبة الأولى في ممارستها، وتحتل النساء أعلى قائمة أهدافهم.

تجد الكثير من الفتيات في وسائل التواصل الإجتماعي متنفساً للتعبير عن آرائهن وشخصيتهن. فآلاف الـ “فاشنستات” العربيات صرن نجمات بفضل الميديا الحديثة، ولكن لم تخلُ حياتهن من الشتائم والمضايقات التي يتعرضن لها على صفحاتهن.

محاكمة المتنمرين

في شباط/ فبراير الماضي، أقدمت المراهقة الأسترالية دولي ايفيريت على الانتحار بعد تعرضها للتخويف والتهديد والتنمر على وسائل التواصل الاجتماعي. فانتحار الفتاة التي لم يتجاوز عمرها 14 عاماً، دفع السلطات الأسترالية إلى طرح مقترح بحث قوانين استخدام الإنترنت.

موت ايفيريت شكل صدمة للمشرعين، وعلى رغم مرور أشهر على الحادثة، تحظى قضيتها باهتمام اعلامي سياسي، ومن المتوقع أن تُصدر السلطات الأسترالية قانوناً يحاكم المتنمرين والمتصيدين عبر الإنترنت، وسيتيح القانون، إصدار مذكرات توقيف بحق من قاموا بالتنمر المتواصل في حال ألحقت أفعالهم الأذية بالضحية، وقد تصل عقوبتهم إلى السجن لمدة 5 سنوات.

في لبنان والمنطقة العربية لا يخضع التحرش عموماً لمعايير قانونية، بل هو أمر يتم تحميل مسؤوليته وتبعاته على الفتاة في الغالب. الأمر نفسه ينسحب على التحرش والتنمر الالكتروني الذي بات ظاهرة تعكس الكثير من المظاهر السلبية التي تحويها مجتمعاتنا ..

 

إقرأ أيضاً:

من يملك قرار الرقابة في لبنان

بكل طائفية.. حين تقرر LBC بيعنا العار 

 

   

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email