fbpx

هنا القصة الثالثة

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(9):نهاية ثورة وبداية أخرى

الملا مصطفى بارزاني

ليلة 13-14/3/1975 وصلنا برفقة كاك دارا توفيق، الى مقرّ الملا مصطفى بارزاني في منتجع حاجي عمران، آخر قرية كردية عراقية حدودية مع ايران.

كما ذكرت في نهاية المقال السابق ( الكرد والعرب والأخوّة التي استحالت حرباً)، تألفت مجموعتنا من رفاق الجبل: الدكتور كمال مظهر، والدكتور كمال خياط، والدكتور دارا رشيد جودت، وجلال سام آغا، وطلعت نادر، والدكتور الطبيب كمال عبدالله ناجي، وكاتب السطور. استقبلنا ملا مصطفى في غرفة متواضعة في بيت متواضع، ولأنه لم يكن يعرفنا شخصياً قدمنا اليه كاك دارا بأسمائنا، فصافحنا جميعاً ورحب بنا. الوحيد بيننا الذي كان يعرفه ملا مصطفى، كان الدكتور الطبيب كمال عبد الله ناجي. خلال اللقاء حضر فجأة الدكتور محمود عثمان، الذي كان وقتها عضواً في المكتب السياسي للحزب الديموقراطي الكردستاني ومساعداً قريباً من ملا مصطفى، وكان قادماً لتوه من منطقة بنجوين، وبقي معنا حتى نهاية اللقاء الذي استمر حتى منتصف الليل وربما أكثر. يُشار إلى ان عثمان كان برفقة ملا مصطفى خلال زيارته طهران ولقائه الشاه، وطبعاً كان مطلعاً على تفاصيل وأسرار كثيرة.

كانت تلك المرة الثالثة التي ألتقي فيها ملا مصطفى. وكنت ذكرتُ في حلقة سابقة أنني التقيته المرة الاولى في ناوبردان خلال المؤتمر العام الثامن للحزب الديموقراطي الكردستاني في حزيران 1970، وكنت وقتها أعمل مترجماً في وكالة “تاس” السوفياتية للأنباء في بغداد، ورافقت مدير المكتب أناتولي ماتيوشين لتغطية وقائع الجلسة الافتتاحية للمؤتمر.

وخلال فترة استراحة بعدما القى كلمة الافتتاح وكلمات اخرى لممثلي الوفود المدعوة، خرج ملا مصطفى من السرادق الذي عقد تحته المؤتمر الى مكان مجاور، ووقف مرحباً بضيوف ومراسلي وسائل الإعلام والتقاط الصور معهم، وكان منهم أنا ومراسل “تاس”.

المرة الثانية كانت سنة 1973 في “قصر السلام” أثناء استقباله وفوداً لمنظمات نسائية عربية واجنبية شاركت في مؤتمر عام لاتحاد نساء كردستان، ودعتني وزوجتي اولغا لحضور اللقاء، رئيسة الاتحاد زكية اسماعيل حقي. في حاجي عمران ونحن نتخذ أماكن جلوسنا تذكرت اللقاءين السابقين، فلاحظت ان ملا مصطفى، وكان مدخناً شرهاً، بدا مرهقاً ومتعباً مقارنة بالمرتين الأولين. كان ملا مصطفى في الثانية والسبعين من عمره الذي قضاه في ثورات متواصلة منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، منها نحو 10 سنوات في منافٍ داخل العراق في العهد الملكي و13 سنة في المنفى السوفياتي. وفي الليلة التي استقبلنا فيها في حاجي عمران، كان عاد لتوه من طهران حيث التقى الشاه محمد رضا بهلوي، وقبل أن نلتقيه كان أمضى النهار بكامله في لقاءات مع قيادات في حزبه وقادة للبيشمركة. صديقي جلال سام آغا ذكرني ان ملا مصطفى عندما دعانا بعد الاجتماع الى تناول العشاء معه، وكان عشاء بسيطاً مؤلفاً من الرز والمرق، قال له الدكتور كمال عبدالله ناجي، ان تناوله الطعام في ذلك الوقت المتأخر مضرّ بصحته ليرد عليه ملا مصطفى انه أمضى النهار ولم يتناول الطعام منذ الفطور حتى الآن.

ملا مصطفى: سننتقل الى حرب الأنصار

بدأ ملا مصطفى كلامه بالاشارة الى اتفاق الجزائر بين العراق وايران، وقال ان ذلك لن يثني الكرد عن مواصلة الثورة، لكنها ستكون في ظل ظروف وبأساليب تختلف عن المرحلة السابقة. وزاد ان الثورة مرت بمراحل كثيرة لم تكن تعتمد خلالها على دعم من اي جهة خارجية او داخلية سوى الكرد أنفسهم. في السياق تطرق الى دوره وتجاربه في قيادة الثورات الكردية، مشيراً الى انه في احدى المراحل انطلق من قريته بارزان وسار معه مقاتلون لم يتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين، متوجهين الى مناطق جبلية يعرفها ويمكن أن يشن منها عمليات مسلحة. وفي الطريق الى تلك المناطق، مرّ بقرى في وديان وأسفل سفوح الجبال، فكان رجال من سكانها ينضمون الى مجموعته الصغيرة بما يملكون من أسلحة، بندقية أو مسدساً ودائماً خنجرا، وعندما وصل اخيراً الى هدفه، كان بلغ عدد الملتحقين به أكثر من ألف مقاتل ليشكلوا نواة لقوات بيشمركة تضاعفت مع مرور الوقت. وعلى عادته في الكلام، كان يوضح دائما بأمثلة عملية وأقوال شعبية، كان يحفظ منها عدداً لا يحصى. هكذا استمر في العرض وصولاً الى عودته الى بلاده من الاتحاد السوفياتي، بعد انقلاب 1958، وعلاقته مع قائد الانقلاب عبد الكريم قاسم، مشيراً في السياق الى موقفه من أحزاب وتيارات سياسية، سلباً او ايجاباً، مشدداً على نفوره الشديد خصوصا من “أفكار ماركس”، وصولاً الى مراحل ما بعد إطاحة قاسم، والعلاقة مع النظام البعثي، واتفاق الحكم الذاتي واندلاع القتال مجدداً في 1974.

على ذكر الحكم الذاتي الذي أقره اتفاق آذار 1970 روى لي كاك محسن دزه يي، القيادي في الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي رافق ملا مصطفى منذ الستينات حتى وفاته في واشنطن في 1979، أن ملا مصطفى رأس اجتماعاً لقيادة الحزب لمناقشة مشروع اتفاق آذار، وطلب آراء اعضاء القيادة فأعلن جميعهم موافقتهم على الاتفاق. بعد ذلك أعلن ملا مصطفى انه شخصياً لا يثق ابداً بحزب البعث ووعوده لكنه سيوقع الاتفاق فقط لأن أعضاء القيادة يؤيدونه.

بارزاني مع محمود عثمان

في اطار ما سلف كان ملا مصطفى يشيد طوال الوقت بالبيشمركة وقدراتهم وروحيتهم القتالية ومعنوياتهم، مشدداً على ولاء قادة البيشمركة واخلاصهم واعتماده عليهم دائماً، مع انه يعرف سلبيات كثيرين منهم لكنهم لا يتخلون عنه في أحلك مراحل الكفاح. هنا أدركنا انه كان يردّ بذلك ضمناً على مثقفين مثلنا كانوا يعبرون عن استيائهم من سلوك بعض هؤلاء القادة وتمسك ملا مصطفى بهم، إذ تابع موضحاً أنه يقدّر عالياً دور المثقفين في دعم الثورة بأشكال مختلفة، لكنه في ظروف القتال الجبلي الصعبة وتعرض البيشمركة للاصابات، “فإننا نكون في حاجة الى مضمّد معنا أكثر من حاجتنا الى عالم في الاقتصاد مثلا”. ثم انتقل ملا مصطفى الى الحديث عن مرحلة ما بعد اتفاق الجزائر، وهو أمر كنّا نتطلع الى سماعه منه. قال إن الظرف الجديد يتطلب تغييراً في استراتيجية الثورة وتكتيكاتها، والانتقال من الاحتفاظ بمناطق محررة والقتال الجبهوي الى انتشار لقوات البيشمركة في إطار تشكيلات متحركة ومتنقلة، وتنوع القتال بأشكال تراوح بين حرب انصار وأسلوب الفر والكر والمعارك الجبهوية وبحسب ظروف القتال. الحق أن ملا مصطفى أفاض في الحديث في هذا الاتجاه، لكن من الواضح انني لا أتذكر تفاصيل كثيرة بعد أكثر من أربعة عقود على ذلك اللقاء. أتذكر أنه أشار في هذا المجال الى أسماء قياديين حزبيين وقادة للبيشمركة، قال إنهم سيتحملون مسؤوليات رئيسية في قيادة العمليات القتالية في المرحلة المقبلة، وأنه شخصياً في هذا العمر لم يعد قادراً على تحملها كما كان يتحملها سابقاً. بين الأسماء التي أتذكر أنه أشار اليها لتقوم بقيادة مناطق انتشار البيشمركة، أعضاء في قيادة حزبه وقيادات البيشمركة كسامي عبد الرحمن، ونوري شاويس، وعلي عبد الله، وعبدالله آغا سندي، وأسعد خوشوي وغيرهم.

خرجنا من اللقاء مع ملا مصطفى بمشاعر مختلطة شاركنا بها لاحقا آخرون من رفاق الجبل ممن لم يكونوا معنا في اللقاء مع قائد الثورة. البعض اعتبر أن الثورة ستستمر على رغم اتفاق الجزائر وتداعياته السلبية المحتملة، خصوصاً أن كلام  ملا مصطفى كان يؤكد ذلك. بعض آخر ساورته الشكوك، معتبراً أن استمرار الثورة في ظل الوضع الجديد، ربما لم يكن واقعياً مرجحاً أن الأمر سيقتصر على حرب انصار محدودة. لكن بعضاً ثالثاً اعتبر أن التفكير باستمرار الثورة وهم. لكن في أي حال، كان السؤال الكبير الذي فرض نفسه هو، ماذا سيكون مصير المناطق المحررة وسكانها، وكيف يمكن في ظل الأوضاع الجديدة التي تستدعي، في حال استمرار الثورة بشكل أو آخر، تفكيك كل هذه الهيئات المدنية من أمانات عامة ومؤسسات وإدارات وغيرها، خصوصاً انه لم يكن متوقعاً أن الجيش العراقي سينتظر طويلاً قبل أن يبدأ حملة جديدة من شن عمليات برية وجوية واسعة النطاق؟ هذا بينما كان التأثير السلبي والمحبط لاتفاق الجزائر خلق جواً من الإرباك والخوف في صفوف المدنيين، بمن فيهم عاملون في الامانات العامة غادر كثيرون منهم الى ايران بالفعل تحسباً من الأسوأ. هذه وغيرها من التساؤلات كانت موضع تفكيرنا وهمومنا ونحن نبحث عن إجابات مقنعة لها.

مفرزة “صوت كردستان”

على صعيد فريقنا الإعلامي كان البعض قد غادر الى ايران خصوصاً الذين كانت عائلاتهم تقيم هناك. في اليوم التالي بعد لقائنا ملا مصطفى جمعنا كاك دارا للبحث في ما يمكن عمله مفترضين أن الثورة مستمرة، وبالتالي علينا أن نواصل العمل في ظل الوضع الجديد. بالنسبة الى اذاعة صوت كردستان ومصادرة أجهزتها من قبل الايرانيين كان الاتجاه الى استخدام جهاز البث القديم الذي بدأ البث بها في الستينات. يعنى ذلك ان يقوم فريق إذاعي بنقل الجهاز الى مناطق جبلية منيعة، لاستئناف البث منها في موقع ثابت أو التنقل من موقع الى آخر بحسب الظروف، خصوصا ان الجهاز كان يمكن نقله على ظهور البغال.

وكانت الفكرة تشكيل “مفرزة” إذاعية لتنفيذ المشروع تتألف من عدد محدود من الإذاعيين والفنيين والبيشمركة للحماية. وإذ أخذنا في الاعتبار أنه لم يعد ممكناً في ظل الوضع الجديد اختيار أعضاء الفريق بحسب رغبتنا، تقرر أن ينضم اليه من يرغب طوعاً. شخصياً أبلغت كاك دارا انه في حال كان المشروع جديداً ومدعوماً من قيادة الثورة فإنني كنت مستعداً لقيادة “المفرزة” بعد تشكيلها من الراغبين بارادتهم، بمن فيهم بيشمركة الحماية. طلب كاكا دارا في هذه الحال أن أفاتح الإذاعيين الذين لم يغادروا الى ايران، ففعلت فتحمس عدد كاف للانضمام طوعاً الى الفريق، على أن يهيء الفنيون جهاز البث الذي لم يستعمل فترة طويلة اضافة الى اجراءات لوجستية ضرورية. بعد ذلك اتفقت مع كاك دارا على أن أسافر في أقرب فرصة الى الرضائية، حيث تقيم عائلته وزوجتي اولغا كي أرتب لها العودة الى الاتحاد السوفياتي. هكذا غادرت كردستان الثورة معتقداً انني سأعود اليها قريباً لكنني لم أعرف وقتها انني لن أعود اليها ثانيةً الا بعد 16 عاماً.

كان الفراق مع أولغا مجدداً محزناً ومقلقاً، بعدما تعين مغادرتها كردستان الى الرضائية، مع عائلة كاك خسرو لضمان سلامتهم من الغارات الجوية المتواصلة التي استهدفت منطقة جومان. لكنها اطمأنت الى وصولي الى الرضائية سالما ولو كان الاطمئنان موقتاً بعدما ستعلم بانني قد أعود الى كردستان ثانية من دونها هذه المرة. ودعنا عائلتي كاك دارا وطاك خسرو وسافرنا الى طهران، حيث أقمنا في أحد فنادقها. في المرة الاولى وصلت اولغا الى طهران قادمة من موسكو في الشتاء. هذه المرة بدت طهران وهي تستقبل الربيع أجمل وأزهى والورود تزهر على جوانب شوارعها وحدائق بيوتها. في اليوم التالي من وصولنا الى العاصمة الايرانية، توجهنا الى مكتب ممثلية الثورة التي كان يرأسه شفيق قزاز، الذي كان ناشطاً سياسياً قديماً في الحركة الكردية والحزب الديموقراطي الكردستاني منذ دراسته في بريطانيا في الخمسينات، ولاحقا أكاديمياً ووزيراً في حكومة اقليم كردستان. أوضحتُ له سبب مجيئي الى طهران وخلال بقائي وأولغا في طهران، كنت أزور مكتبه يومياً لمتابعة أخبار الثورة وأوضاع المناطق المحررة. راجعت وأولغا القنصلية السوفياتية في طهران، وأوضحنا للقنصل الوضع وامكانية المساعدة في تمكين أولغا العودة الى بلادها.

في العهد السوفياتي كان يتحتم حتى على مواطنيه الموجودين في الخارج الحصول على سمة دخول على رغم حملهم جواز سفر سوفياتي. الإجراء كان يشمل الزوجات الروسيات من أجانب، وكان يتعين ان توجه عائلة الزوجة دعوة إليها، وعلى أساسها فقط يسمح لها بالسفر إلى بلادها، وكان ذلك يستغرق أحيانا نحو ثلاثة أشهر. لكن نظراً الى الوضع الاستثنائي الذي كنا فيه، قرر القنصل منح سمة دخول من دون هذه الاجراءات، مضيفاً أنه قد يتعين عليها الانتظار فترة من الوقت لم يحددها. لكن بعد مرور أيام علمنا ان الموافقة من القنصلية باتت قريبة، فاستفسرنا من الخطوط الجوية السوفياتية ” آيروفلوت” عن مواعيد رحلاتها الى موسكو.

بارزاني مع فؤاد عارف

“الثورة انتهت”

في غضون ذلك كنت أمرّ يومياً على مكتب ممثلية الثورة لمعرفة التطورات. كالعادة زرت واولغا المكتب في 19 آذار/مارس فوجدت الجو مكهرباً، والوجوم يخيم على وجوه قزاز والموجودين في المكتب. وعندما أخبرته بقرب سفر أولغا وعودتي الى كردستان قال بصوت شابه الحزن والغضب معا: “تعود الى أين؟ الثورة انتهت”! وأوضح لنا ان قيادة الثورة قررت انهاء المقاومة المسلحة.

خرجنا من المكتب والتزمنا الصمت طوال الطريق الى فندقنا. في السياق أشير الى انني قبل ان اغادر كردستان الى ايران حدث تطور في شكل قرار لقيادة الثورة، أثار استغرابنا كي لا أقول استياءنا, إذ أعلن المكتب السياسي لـ “الديموقراطي الكردستاني” فجأة، نداءً موجهاً الى الحكومة العراقية مفاده ان مصلحة العراق في الوضع الجديد، تستدعي ان تراجع الاطراف المعنية مواقفها، تجنباً لأي مضاعفات سلبية، لذا فإن قيادة الثورة مستعدة للتفاوض مع بغداد، دون قيد أوشرط، بهدف التوصل الى تفاهمات تخدم المصلحة العامة.

معظمنا اعتبر أن إصدار نداء بعد اتفاق الجزائر، جاء بعد فوات الأوان، ولعله كان مؤشراً إلى أن إصدار ذلك النداء، كان مؤشراً الى ضعف موقف القيادة. بغداد تجاهلت عملياً ذلك النداء فلم ترد عليه. لكن السؤال القاتل كان، ماذا حدث كي تغير قيادة الثورة موقفها فجأة، وتقرر إنهاء المقاومة وتضع الناس، مدنيين وبيشمركة، أمام خيارين: اللجوء إلى ايران، أو العودة الى المناطق الحكومية، مستفيدين من قرار إعلان بغداد عفواً عاماً عن الملتحقين بالثورة؟

ما حدث كما اتضح لاحقا كان الآتي: في البداية كان الاتجاه الى استمرار الثورة، وهذا ما كان أكده ملا مصطفى نفسه في لقائنا معه في حاجي عمران. قيادة الثورة بحثت الوضع، وأقرت إجراءات عملية لكيفية توزيع قوات ومهمات زعماء حزبيين وقادة البيشمركة باشراف ملا مصطفى شخصياً، مع التخفيف من أعبائه، أخذاً في الاعتبار عمره ووضعه الصحي. لكن موقفه تغير شيئاً فشيئاً ميلا نحو إنهاء المقاومة.

 

كان المطلوب من البيشمركة تسليم أسلحتهم الى قوات ايرانية منتشرة على الحدود حال عبورهم، فكان كثيرون منهم يسلمونها والدموع تنهال على وجوههم. لكن كثيرين من البيشمركة الغاضبين أقدموا على كسر اسلحتهم داخل كردستان كي لا يسلمونها الى الايرانيين.    

 

انقسمت القيادة السياسية والعسكرية بين رأي يؤيد إنهاء المقاومة، وآخر يؤيد استمرارها في شكل حرب الانصار، خصوصاً أن قوات البيشمركة لم تكن تنقصها الأسلحة اللازمة لشنّ هذا النوع من الحرب، فيما كان تحت تصرف القيادة السياسية، احتياطي لا بأس به من الموارد المالية، لإدامة المقاومة كوسيلة ضغط على الحكومة، في مسعى الى اقناعها بقبول حل سلمي، على أساس التفاوض مع قيادة الثورة. غير أن رأي ملا مصطفى بانهاء المقاومة، كان يقوم على أساس ان الوضع الاقليمي والدولي، تغير لمصلحة الحكومة العراقية، خصوصا أن مصالح القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كانت متطابقة في اتجاه دعم الاستقرار في العراق، وتأييد السلام بينه وبين إيران، مضيفاً ان اميركا غيرت موقفها بعد التوصل الى اتفاق الجزائر، بينما هو يعرف جيداً من تجربته في التعامل مع الاتحاد السوفياتي، ان موسكو لم تكن معنية أبداً بدعم القضية الكردية. الى ذلك اعتبر بارزاني أن ايران والعراق قد يتفقا على محاصرة الثورة وخنقها.

في النهاية كان موقف ملا مصطفى حاسماً، فلم يكن أمام قيادة الثورة سوى تأييد قراره انهاء المقاومة حقناً لاراقة الدماء ومنعاً لسقوط المزيد من الضحايا بين المدنيين.

ما سلف ليس استنتاجاً او تحليلاً، بل هو ما حدث فعلا بحسب قياديين سياسيين وعسكريين في تلك الفترة، ومنهم الدكتور محمود عثمان الذي كان عضواً بارزاً في القيادة وقتها، وشارك في كل النقاشات ويعرف تفاصيلها.  

هكذا انتهت الثورة في تلك المرحلة وعلى اثر اعلان قرار القيادة انهاء المقاومة، شهدت المناطق الحدودية مع ايران تدفق آلاف المدنيين والبيشمركة الى ايران، وكان كثيرون منهم يعتقدون أن هجرتهم وقتية ،وانهم سيعودون الى المناطق المحررة في أقرب وقت. كان المطلوب من البيشمركة تسليم أسلحتهم الى قوات ايرانية منتشرة على الحدود حال عبورهم، فكان كثيرون منهم يسلمونها والدموع تنهال على وجوههم. لكن كثيرين من البيشمركة الغاضبين أقدموا على كسر اسلحتهم داخل كردستان كي لا يسلمونها الى الايرانيين.    

في الأثناء وأنا وأولغا في طهران، كان علينا ان نقرر ما العمل؟ كان رفاق الجبل وصلوا بدورهم الى طهران، فكنا نلتقي جميعاً وكاك دارا للبحث في الخطوة التالية. هل نعود الى العراق مستفيدين من قرار الحكومة العراقية بالعفو العام عن الملتحقين بالثورة، أم نبقى لاجئين في إيران، أم نسعى الى الحصول على حق اللجوء الى دول أوروبية؟

الجواب عن هذه الاسئلة وغيرها في حلقة مقبلة أتناول فيها زيارة صدام حسين الى طهران في تلك الفترة، وتوقيعه بياناً بخط يده، وزعته السفارة العراقية، ودور الشخصية الكردية الراحل فؤاد عارف، وكاك دارا في اتفاق مجموعتنا على خيار العودة إلى العراق. في بغداد كنا نلتقي ونتجادل ونناقش ما حدث، وما يمكن ان يحدث، وفي مرتين من لقاءاتنا شاركنا الزعيم الكردي الايراني عبد الرحمن قاسملو، الذي اغتاله عملاء الاستخبارات الايرانية في الثمانينات في فيينا. في الاثناء بدأت مرحلة معاناة جديدة للمدنيين في المناطق الكردية، حيث انشأت السلطات العراقية مجمعات سكنية، كأنها معسكرات اعتقال في أطراف المدن، وأجبرت سكان القرى الحدودية على العيش فيها، بعد اقامة ما وصف بشريط أمني يمتد الى عمق عشرات الكيلومترات داخل العراق. الى ذلك قررت السلطات نقل أكثر من 100 ألف من الموظفين الكرد العائدين من الجبل من المناطق الكردية، الى بلدات وقرى نائية في جنوب العراق وغربه. لكننا عشنا ذلك كله لنشهد انطلاق الثورة من جديد بعد عام فقط على اتفاق الجزائر.

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(8): الكرد والعرب والأخوّة التي استحالت حرباً

 

إقرأ أيضاً