fbpx

هنا القصة الثالثة

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(6):مأزقنا مع إيران ومع أنفسنا

من ربيع 1974 حتى ربيع 1975، كانت سنة تعرّفنا فيها ونحن “محاصرون في أعالي الجبال”، بحسب توصيفنا في الإعلام البعثي العراقي، إلى إيران كما لم نعرفها من قبل. في الوعي الكردي، إيران كانت دائماً العدو العنصري للكرد، وهي صورة رسختها في أذهاننا قصائد لا تُحصى لشعراء كرد تتحدث عن غدر “الفرس” بالشعب الكردي. يكفي أن تذكر أمام الكردي اسم جمهورية مهاباد ومؤسسها قاضي محمد، كي يعزو مأساتها إلى إيران الشاهنشاهية، نسبة إلى آخر شاه محمد رضا بهلوي الذي مُنح، أو منح نفسه، لقب “شاهنشاه” أي ملك الملوك. واضح أن “مهاباد” ومأساتها تحتل مكاناً خاصاً في الوجدان الكردي في جميع أجزاء كردستان، خصوصاً في منطقة كردستان العراق التي شارك ممثلون عنها عمليا في تأسيسها ودعمها، وبالتالي شاركوا أشقاءهم كرد إيران في المعاناة وتحمل تداعيات انهيار جمهوريتهم. هكذا كان رفاق الجبل عندما يزورون المناطق الكردية في إيران ويختلطون بأهلها، تنتابهم مشاعر متخبطة من المحبة والتعاطف والغضب بسبب حرمان الأشقاء من حقوقهم القومية في ظل النظام الشاهنشاهي، مشاعر اقترنت بإحساس بالخجل كوننا في كردستان الثورة نعتمد تحديداً على النظام الذي قضى على مهابادهم وما زال مستمراً في قمعهم. هنا الخلفية.

مصطفى البارزاني في مهاباد

في البدء كانت مهاباد

عام 1941، فيما كانت الحرب العالمية الثانية مستعرة، غزت الدول الحليفة، تحديداً بريطانيا والاتحاد السوفياتي، أراضي في إيران لتأمين حقول النفط ومنع القوات الألمانية من السيطرة عليها، وأجبرتا الشاه رضا بهلوي المتعاطف مع ألمانيا النازية على التخلي عن العرش لمصلحة نجله محمد رضا، الذي منح نفسه لقب “شاهنشاه” أي ملك الملوك. القوات السوفياتية احتلت أجزاء من شمال البلاد حيث المناطق الكردية والاذرية. في مهاباد أقدم نشطاء من أبناء الطبقة الوسطى على تشكيل لجنة لإدارتها من دون اعتراض من القوات الروسية، ثم تأسست “جمعية إحياء كردستان” وانتخبت رئيساً لها قاضي محمد الذي كان ينتمي إلى عائلة دينية معروفة. ولاحقاً في آب/ أغسطس 1945، تحولت الجمعية إلى الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي انتخبه رئيساً. لكن الجمهورية ذات الحكم الذاتي، لم تُعلن رسمياً إلا في كانون الثاني / يناير 1946 في ظل الحماية السوفياتية، وانهارت بعد 11 شهراً، إذ عجزت عن مقاومة الهجوم العسكري الإيراني، عندما قررت طهران شنه بعد انسحاب القوات السوفياتية تحت ضغط الحلفاء الغربيين وقبول موسكو قرارا من مجلس الامن التابع للامم المتحدة قضى بانسحابها من إيران. هكذا دخل الجيش الإيراني مهاباد واعتقل قاضي محمد الذي رفض الفرار من المدينة. وفي آذار/ مارس 1947 أعدم قاضي محمد في ميدان جوار جراً وسط مهاباد وهو الميدان ذاته الذي كان أعلن فيه تأسيس الجمهورية.

في الأثناء، كان عدد من الضباط الكرد في الجيش العراق انضموا إلى الحركة المسلحة، بقيادة ملا مصطفى الذي أعلنها مجدداً، بعدما غادر في 1942 سراً مدينة السليمانية، حيث كان وأخاه الأكبر الشيخ أحمد وبارزانيون آخرون مع عائلاتهم، منفيين من قبل السلطات الحكومية. من السليمانية عبر الحدود إلى إيران ومن هناك استطاع العودة إلى بارزان. لاحقاً، بعدما فشلت حملته المسلحة تلك، عاد وبيشمركته إلى إيران وانضم إلى حركة قاضي محمد داعما تأسيس جمهورية مهاباد وأصبح قائداً عاماً لقواتها التي سميت البيشمركة. بعد القضاء على جمهورية مهاباد، قرر أربعة ضباط كرد كانوا انشقوا عن الجيش العراقي، العودة إلى العراق وتسليم أنفسهم إلى سلطاته، وهم عزت عبد العزيز ومصطفى خوشناو وخيرالله عبد الكريم ومحمد محمود قدسي. اعتقلوا وحوكموا وأعدموا في حزيران/ يونيو 1947. وبعد تأسيس إقليم كردستان اعتبروا أبطالاً ويتم إحياء ذكراهم سنوياً.

ما سلف يوضح تلك الرغبة الحارقة لرفاق الجبل بزيارة مهاباد تحديداً. كانت السلطات الإيرانية سمحت للعائلات الكردية بأن تقيم في مدن وبلدات في المناطق الكردية مثل مهاباد وسنه (سنندج) وغيرها، لذا كان التنقل اليها من نغدة وأورميه لا يحتاج إلى موافقات خاصة كما في حال السفر إلى طهران مثلاً. هكذا كان عاملون في أمانة الإعلام يتطلعون كلما سنحت لهم الفرصة إلى زيارة مهاباد التي كانوا يسمعون عنها كثيراً من خلال جلساتهم مع الشاعر مام هزار ابن مهاباد الذي عاصر تأسيس جمهوريتها، وشارك في جهودها على صعيد الثقافة والتعليم. كان كرد إيران يستقبلون أشقاءهم كرد العراق بكرم وسخاء وآمال، لم تتحقق في تلك المرحلة، بانتصار ثورتهم. ميدان جوار جرا كان أول مكان يقصدونه في مهاباد إحياء لذكرى قاضي محمد الذي كان مرافقوهم من أهل المدينة يؤشرون لهم إلى المكان الذي شنق فيه. هكذا أصبح ميدان جوارجرا بالنسبة إلى رفاق الجبل بمثابة مزار لا بد من زيارته.

مع وضد

الحق أن علاقاتنا مع إيران واعتمادنا عليها كان عادة موضع نقاش في جلساتنا واللقاءات بيننا ومع قياديين سياسيين كلما سنحت الفرصة. هل يمكن أن نثق بإيران التي نعرف غدرها وتاريخها في قمع الكرد وحرمانهم من حقوقهم المشروعة؟ ما الضمان في أنها لن تتخلى عن الثورة في حال التوصل إلى حل بين طهران وبغداد يقضي بتسوية الخلافات بينهما لنصبح بين المطرقة والسندان؟ أشير إلى أن سياسيين مثقفين كانوا أشد المعارضين لاعتماد القيادة الكردية على إيران ويعتبرونه موقفاً خاطئاً، لم يترددوا في الالتحاق بالثورة لإيمانهم بالـ “كوردايتي” لتأكيد الهوية الكردية والحقوق القومية المشروعة. مثال الراحل خسرو توفيق، الذي ظل متمسكاً بالفكر اليساري منذ الخمسينات في الحركة الشيوعية أولاً، ثم في الحركة القومية الكردية قيادياً في “الحزب الديموقراطي الكردستاني”، فكان يعبر صراحة عن موقفه المعارض لدور إيران ومغبة الاعتماد الكامل عليها، ملاحظاً أن الثورة الكردية وقعت في مأزق يتعين إيجاد سبل الخروج منه. رفيق الجبل فرهاد عوني الذي سبق أن أشرت إلى تسجيله يومياته في تلك الفترة، ونشرها لاحقاً في كتاب ينقل كلاماً لكاك خسرو كنا نسمعه يكرره دائماً. هنا رأيه كما سجله كاك فرهاد: “للخروج من هذا المأزق، علينا أن نعيد النظر في بعض المواقف ومعاودة الاتصال بالقوى الوطنية الفاعلة في الداخل وبالسوفيات عبر أصدقاء للشعب الكردي، بهدف التأثير في مواقفها كي يضغطوا على قادة البعث للحيلولة دون تفاقم الوضع ولمعاودة الحوار” مع القيادة الكردية.

كثيرون كانوا، بشكل أو بآخر، يشاركون كاك خسرو موقفه. موقف عكس معضلة أخلاقية يقابلها موقف براغماتي، مفاده أن الحركة الكردية في تلك المرحلة لم تكن قادرة على مواجهة القوة العسكرية العراقية، من دون دعم خارجي كانت إيران الجار الوحيد القادر، والمستعد لتقديمه. في المقابل، كان واضحاً أن النظام البعثي خلال فترة “السلم المسلح” من 1970 إلى 1974 لم يكن صادقاً في التزامه اتفاق الحادي عشر من آذار، وتمثل ذلك في التملص من تنفيذ بنود معينة كاجراء إحصاء سكاني في كركوك وتعزيز سلطات إدارة الحكم الذاتي التي سعى إلى تهميشها، فكنا نستخدم في خطابنا السياسي والإعلامي عبارة “الحكم الذاتي الناقص” إشارة إلى هذا التهميش. إلى ذلك، أدى التعامل السلبي والمتشدد للنظام مع القيادة الكردية وإقدامه على محاولات لاغتيال زعمائها إلى فقدان الثقة بين الطرفين وفي نهاية المطاف إلى القطيعة. كل ذلك ساعد على دفع القيادة الكردية أكثر فأكثر إلى الاعتماد بصورة متزايدة على إيران، مستفيدة من العداء الذي بدا مستفحلاً بين بغداد وطهران، وبالتالي وقوع القيادة في المأزق الذي كان محور نقاشات بين رفاق الجبل.

انهيار المفاوضات وما تلى ذلك

ما سلف لم يكن السبب الوحيد لذلك الاعتماد المفرط على إيران. فعندما انهارت المفاوضات بين بغداد و”الحزب الديموقراطي الكردستاني”، كانت الحركة الكردية تسيطر على مناطق سكانية واسعة من كردستان التي اتسعت أكثر بالتحاق مئات آلاف الكرد من المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، وبالتالي فرض واقعٌ جديد نفسه على القيادة الكردية التي كانت تركز في مراحل سابقة على تكتيكات الكفاح المسلح في ظروف القتال الجبلي والاحتفاظ بمناطق سكانية محدودة ومغادرتها بحسب المتطلبات القتالية. هذه المرة تجاوز الأمر استراتيجية الكفاح المسلح إلى استراتيجية الاحتفاظ بمناطق الثورة والدفاع عنها وحماية سكانها وإدارتها وتوفير سبل معيشتهم وعلاجهم الخ.

لكن موقف قيادة الثورة من المتشككين والمتشائمين كما كان يُنقل إلينا ظل ثابتاً: الدعم الإيراني ليس وقتياً وطهران لن تتصالح مع النظام العراقي، لأن المشكلات بين الطرفين شائكة ويتعذر حلها. فوق ذلك الدعم الإيراني تقف وراءه الولايات المتحدة والأدلة جلية واضحة للعيان: لاحظوا كيف أن المساعدات العسكرية الإيرانية تزداد باستمرار، إضافة إلى ما تشاهدونه على الأرض على صعيد الدعم المالي والعسكري. في السياق، على صعيد الخطاب السياسي – الإعلامي، كان يتعين التشديد على قوة الثورة وصمودها والثقة بقيادتها وقدرة البيشمركة على مواصلة القتال حتى إجبار النظام العراقي على التخلي عن سياسته العدوانية ضد الشعب الكردي. وفي إطار ذلك كله، كان في مقدم أولويات الثورة وإعلامها، إيصال هذه الرسالة إلى الكرد في المناطق المحررة وخارجها وإلى الشعب العراقي عموماً. الأهم ضرورة التركيز على رفع معنويات البيشمركة، وهذه كانت مهمة المسؤولين السياسيين في جبهات القتال كما كانت مهمة إذاعتنا “صوت كردستان”. الحق أن فريقنا الإذاعي تحديداً في البث الكردي، لعب دوراً بارزاً في القيام بمهمته عبر برامج موجهة إلى البيشمركة وإجراء لقاءت معهم في مواقعهم وقيام مراسلينا بمرافقة البيشمركة في عمليات قتالية ونقل وقائعها مباشرة.

في السياق، قررت إدارة الإعلام لتقوية البث الاذاعي وإيصاله إلى أبعد المناطق في العراق، إقامة محطة ثانوية في منطقة خانقين عبر أجهزة بث متنقلة، فاختير للمهمة رفيق الجبل الإذاعي المهني والكاتب عبد الوهاب طالباني (يقيم حالياً في أستراليا). فتوجه إلى الموقع المحدد في منطقة خانقين برفقة فنيين وبيشمركة للحماية ونجحوا في نصب الأجهزة بسرعة وبدأوا بث برامج الإذاعة المركزية باتجاه المناطق الحكومية. زميلنا عبد الوهاب روى في مقال نشره قبل فترة، القصة كاملة وتفاصيل وصول الفريق عبر أراضي إيران إلى منطقة خانقين، وعمل فريقه ولاحقاً المواجهة مع عناصر في السافاك الإيراني. أما مصير أجهزة البث من خانقين فكان كمصير أجهزة البث الرئيسي في جومان، إذ صادرتها قوة إيرانية بعد توقف البث إثر اتفاق الجزائر.

توبوليف وميغ وسوخوي

في غضون ذلك، ماذا كنا نشاهد على الأرض؟ كان القتال يشتد ومواقع البيشمركة تتعرض لهجمات جوية وبرية وقصف مرفعي متزايد، لكن معنويات البيشمركة ظلت عالية وكانوا يتفانون في القتال وينجحون لا في التصدي لهجمات تشنها قوات عراقية متفوقة بعديدها وأسلحتها، بل في إجبارها هنا وهناك على الانسحاب من بعض المواقع والسيطرة عليها. لكن عنف المعارك كان يؤدي إلى تزايد أعداد الضحايا من الطرفين مقارنة بأعداد الضحايا المدنيين، نتيجة لعمليات القصف الجوي والمدفعي من قبل القوات الحكومية. طبعاً لم تسلم جومان حيث كان مقرنا الإعلامي في “قصر السلام” من الغارات الجوية. كان هناك ملجأ من الغارات قريب من “القصر” كنا نهرع اليه حين تظهر قاصفات القنابل السوفياتية الصنع من نوع “توبوليف 16” التي كان حلف الأطلسي يطلق عليها اسم “الباجر”. كانت هذا القاصفة ذات لون أبيض ناصع تشبه في تصميمها طائرة الركاب الأسرع من الصوت من نوع “كونكورد” التي كانت إنتاجاً بريطانيا – فرنسياً، واشتهرت في الثمانينات. بعد فترة، اعتدنا على التعامل مع ظهورها في سماء جومان. ما أن نسمع هديرها حتى نغادر غرفنا لمتابعة مسيرها. ينفتح بطنها لتنطلق منها قنبلتان تهويان ببطء وهما تتمايلان وما هي لحظات حتى تتخذان مساراً سريعاً نحو الأرض، فتنفجران وتتسببان في تدمير مساحة كبيرة وقتل من فيها. مع الوقت، اعتدنا على تحديد المكان الذي ستضربه القنبلتان. كان وصولهما إلى الارض يستغرق ثواني قليلة، لكنها كافية لكي نقرر إن كان الأمر يستحق أن نهرع إلى الملجأ أم نعود إلى غرفنا/ مكاتبنا لمواصلة العمل، كأن شيئاً لم يكن.

لكن الأخطر من الـ “توبوليف” كانت المقاتلات من نوع “سوخوي” أو “ميغ”. كانت القاصفات والمقاتلات تظهر من فوق الجبل من جهة زوزك/ رواندوز. الفرق بين هذه وتلك، أننا عندما كنا نسمع هدير المقاتلات كنا نعرف أنها باتت فوق رؤوسنا نظراً لسرعتها الهائلة فنهرع بأقصى سرعة إلى الملجأ. “القصر” كان يقع على مرتفع يطل على جومان في الأسفل وكانت المقاتلة تطلق صواريخها في اتجاهنا، ما أن تعبر الجبل ثم تحلق على ارتفاع كان أحياناً في مستوى موقعنا، حتى أننا كنا نستطيع تمييز قائد الطائرة وهي تمر أمامنا فيما نركض إلى الملجأ. كانت الغرفة تشاركتها وفلك الدين كاكائي بمثابة مكتب وغرفة نوم فوضعنا سريرين في الجزء الخلفي منها وفصلناه بستار عن الجزء الآخر المطل على الخارج من جانبين. مرة بعد غارة جوية عدنا إلى الغرفة من الملجأ، وكان زجاج نافذتيها قد تهشم وسقطت قطعه على مكتبينا ومقعدينا المجاورين للنافذتين والله أعلم ماذا كان سيحل بنا لو بقينا في المكان.

الملا مصطفى بارزاني

الشحاذ الأعمى

هذه الغرفة كانت تذكرني دائماً بلقاء مع ملا مصطفى بارزاني تخللته تفاصيل تستحق أن أرويها. عام 1973، عقد اتحاد نساء كردستان مؤتمره السنوي في منتجع بيرمام الذي يعرف أيضاً بمصيف صلاح الدين ويقع شمال أربيل وفيه حالياً ومنذ سنوات مقر زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني. رئيسة الاتحاد وقتها كانت العضو في اللجنة المركزية للحزب زكية اسماعيل حقي (كانت زميلة دراسة مع مام جلال في كلية الحقوق في الخمسينات وهو الذي اقنعها بالانضمام إلى الحزب وبعد 2003 عادت من المهجر إلى العراق وعينت قاضية في احدى المحاكم)، التي دعت وفودا نسائية من دول عدة، إضافة إلى شخصيات كردية كانت تعرفهم شخصياً وتعتبرهم مساندين لحقوق المرأة الكردية، بينهم الكاتب الكردي العراقي المعروف الراحل عبد المجيد لطفي الذي كان يكتب أعماله الأدبية بالعربية، وكاتب هذه السطور مع زوجتي أولغا. في اليوم الثاني من أيام المؤتمر الثلاثة، رتبت السيدة زكية زيارة لبعض الوفود بينها وفد يمثل النساء الفلسطينيات وآخر يمثل النساء السوفياتيات إلى جومان، للقاء مع ملا مصطفى، كما دعتني وأولغا ولطفي إلى مرافقة الوفود. بارزاني استقبلنا في “قصر السلام”، تحديداً في الغرفة ذاتها التي أقمت فيها وفلك الدين، وكان يرافقه الراحل حبيب كريم الذي كان وقتها سكرتيراً للحزب وهو والد أراس حبيب الذي أصبح رئيساً للمؤتمر الوطني العراقي بعد وفاة أحمد الجلبي.

خلال تبادل الحديث، كان بارزاني كعادته يحفر بآلة حادة قصبة ليحولها أنبوباً للتدخين، ويستمر في الحفر حتى وهو يتحدث من دون أن يرفع عينيه عن القصبة أحياناً. كان الحديث للسيدة الفلسطينية التي جلست إلى جانبه. فجأة سألته عن حقيقة ما كان يقال عن أن القيادة الكردية تقيم علاقات مع “العدو الإسرائيلي”، وهو أمر إن صح يقلق الفلسطينيين، ويؤثر سلباً في موقفهم من القضية الكردية بحسبها. ملا مصطفى قال للسيدة الفلسطينية إنها لو زارت السليمانية لكان يمكنها أن ترى شحاذاً أعمى يعرفه أهل المدينة كافة، كان يجلس على الأرض يومياً من الصباح إلى الغروب أمام باب الجامع الكبير هناك، وهو يرفع يده بكف مفتوحة، وعندما يضع أحدهم قطعة نقود في يده يلهج بالشكر، ويدعو له بطول العمر من دون أن يسأل المحسن الكريم عن هويته وجنسه وجنسيته. وأضاف ملا مصطفى وما زالت أتذكر نص ما قاله: “نحن الكرد مساكين مثل ذلك الشحاذ الأعمى نشكر كل من يحسن إلينا أياً كانت هويته”. بعد هذا الجواب توقفت السيدة الفلسطينية عن الكلام! في التسعينات رويت ذلك الحادث للصحافي الأميركي الصديق جوناثان راندل، عندما زارني في مكتبي في “الحياة” في لندن، ووجه إلي أسئلة عن القضية الكردية، إذ كان يؤلف كتاباً عنها. راندل نقل عني في فصل من الكتاب وضع له عنوان “الشحاذ الأعمى” وتطرق فيه إلى العلاقات الكردية – الإسرائيلية”، والكتاب ترجمته دار النهار إلى العربية. أولغا من جهتها تتذكر دائماً أنها عندما صافحت ملا مصطفى خاطبته بالروسية متمنية له الصحة والنجاح في كفاحه فشكرها بالروسية قائلاً لها: “عيشي هنا بسعادة”.

مدافع إيران تحبط البيشمركة

أعود إلى تطورات القتال والدعم العسكري الإيراني. كنا نشاهد فعلاً عربات عسكرية إيرانية محملة بمدافع ثقيلة تدخل عبر نقطة حاج عمران الحدودية وتمر أمامنا في طريق هاملتون، متوجهة إلى خطوط جبهة زوزك المؤدية إلى رواندوز وكلي علي بيك المهمة استراتيجياً، حيث كانت القوات العراقية نجحت في تحقيق اختراقات نتيجة لعمليات عسكرية جريئة. في البداية، كانت القوافل تدخل إلى منطقتنا قبل حلول الظلام بقليل، وتصل إلى الجبهة في وقت قصير نسبياً، فتنشرها القوة الإيرانية في مواقع محددة مسبقاً، ومنها تقصف طوال الليل مواقع الجيش العراقي التي كانت قوات البيشمركة ترصدها نهاراً. وبعد الفجر بقليل، كانت القوة الإيرانية تنسحب مع مدافعها عائدة إلى داخل إيران. لكن في مرحلة لاحقة ومع تصاعد حدة القتال، تغير الوضع، فانتشرت المدافع الإيرانية في الجبهة بشكل دائم، مع استمرار استخدامها من قبل الجنود الإيرانيين، ولاحقاً نشروا بطاريات لصواريخ مضادة للجو، قيل لنا إنها من نوع “هوك” وأميركية الصنع. ونحن في “القصر” كنا نسمع طوال الليل أصوات المدافع من جبهة زوزك. وكان أمراء لوحدات من البيشمركة في هذه الجبهة يزوروننا أحياناً عندما يكونون في جومان، ويعبرون لنا صراحة عن عدم ارتياحهم لوجود الجنود الإيرانيين بينهم، كان وجودهم يشعرهم بالإحباط والإهانة، ما يؤثر سلباً في معنويات البيشمركة، مضيفين أن الاعتماد عل الإيرانيين يضعف اعتماد الكرد على أنفسهم وهم قادرون على تحقيق تقدم أكثر بجهودهم وخبراتهم القتالية المتراكمة من دون الإيرانيين.

لاحقاً، عندما انسحب الإيرانيون ووقعت معارك بالغة العنف والخطورة بين البيشمركة والقوات الحكومية، في الفترة بين توقيع اتفاق الجزائر ووقف النار مدة أسبوعين وفقاً لاتفاق بين طهران وبغداد، أبدت قوات البيشمركة صموداً بطولياً في أكثر من جبهة، لا في الاحتفاظ بمواقعها فحسبـ بل في محاصرة قوات عراقية في جبهات حيث كان يمكن أن تلحق بها خسائر فادحة لولا وقف النار.

في الأثناء، كانت اتصالات سرية بين قوى خارجية منها الجزائر ومصر والولايات المتحدة مع طهران وبغداد، في مسعى إلى إنهاء القتال لمصلحة إيران على حساب الكرد. ولعل الكرد لم يدركو أهمية تلك الاتصالات وأبعادها، إضافة إلى زيارة علنية مفاجئة قام بها وزير الخارجية العراقي آنذاك سعدون حمادي إلى طهران. ربما كنا غافلين عما كان يحصل حولنا لأننا كنا “محاصرين في أعالي الجبال”، ولم تكن لدى قياداتنا اتصالات خارجية جدية سوى مع إيران.

لكن لندع هذه وغيرها من التطورات إلى حلقة أو حلقات مقبلة.

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(5):قصصنا مع السافاك

إقرأ أيضاً