fbpx

هنا القصة الثالثة

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(11): نهاية مرحلة ..

بعد الأحداث التي تلت اتفاق الجزائر وقرار القيادة الكردية إنهاء الحركة المسلحة في آذار/ مارس 1975، وإعلان بغداد قانوناً للعفو العام، آثر مئات الآلاف من الكرد في المناطق التي كانت تحت سيطرة الثورة، البقاء في أماكنهم أو العودة إلى مناطقهم السابقة في بغداد ومناطق أخرى ظلت تحت سيطرة الحكومة، إما مباشرة أو عبر إيران. وكان عدد من القياديين في الثورة الكردية إلى سياسيين آخرين بارزين بين العائدين إلى بغداد في فترات مختلفة، أبرزهم سكرتير الحزب الديموقراطي الكردستاني وقتها حبيب كريم، وعضو المكتب السياسي للحزب صالح اليوسفي وعضو اللجنة المركزية دارا توفيق وعمر مصطفى الملقب عمر دبابة، إضافة إلى مقاتلين بارزين في قيادات البيشمركة كعلي عسكري وخالد سعيد (الدكتور خالد)، ولاحقاً عينوا في وظائف إدارية في بغداد ومدن أخرى، لكن اثنين منهم واجها مصيراً مأساوياً في ظروف مختلفة. عمر مصطفى وعلي عسكري وخالد سعيد أدركوا سريعاً أن النظام الحاكم سينتقم منهم آجلاً أم عاجلاً. وفي صيف 1976 غادروا أماكن عملهم سراً إلى جبال كردستان في تنسيق مع جلال طالباني، الذي كان أعلن في دمشق تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني وبدء عمليات عسكرية للبيشمركة. حبيب كريم تعاون مع السلطة فلم يتعرض إلى أي مشكلة. علماً أن عسكري وسعيد قتلا في أواخر السبعينات وسط صراعات كردية – كردية وصلت إلى حد الاقتتال.

في أواخر عام 1980 اعتقلت السلطات الأمنية كاك دارا في بغداد حيث كانت عينته الحكومة مديراً عاماً للمنشأة العامة للنقل النهري واقتادته إلى مكان واختفت آثاره منذ ذلك اليوم وحتى الآن. ولاحقاً استولت أحزاب كردية على وثائق عراقية رسمية في كركوك ذكرت إحداها قصة ملفقة غريبة مفادها أن السيارة الرسمية التي كان يستخدمها كاك دارا، عثر عليها بعد أيام من اختفائه مهجورة قرب قرية ديره بون في ناحية السليفاني التابعة لمحافظة دهوك وعليها آثار إطلاق نار. بعد سنوات على اختفاء كاك دارا سألت شقيقه كاك خسرو إن كانوا سمعوا عنه شيئاً، فأجاب بأن زوجة دارا طلبت مرة في منتصف الثمانينات من زميلة في التدريس كانت زوجة قيادي بعثي إن كانت تستطيع أن تستفسر من زوجها لعله يعرف شيئاً. وبعد فترة قالت لها زوجة القيادي البعثي أن كل ما علمه زوجها هو أن كاك دارا كان ما زال على قيد الحياة. وبعد إطاحة النظام البعثي في 2003 طرق كاك خسرو ومعه الصديق فرهاد عوني أبواباً كثيرة بحثاً عن معلومات عن مصير دارا، فلم يستطعا أن يحصلا على أي معلومات عن مصيره.

نوشيروان مصطفى (يمين) مع جلال طالباني

أما صالح اليوسفي، الذي كان حتى عودته إلى بغداد قريباً من ملا مصطفى وكان رشحه ليصبح وزير دولة بعد اتفاق آذار 1970 وممثلاً شخصياً له في بغداد حتى 1974، فسعى في البداية إلى إقناع قيادة حزب البعث الحاكم بتغيير سياستها تجاه الحركة الكردية، فوجه رسالة طويلة إلى رئيس الجمهورية وقتها أحمد حسن البكر وطلب أن يلتقي قيادات بعثية للبحث في الأمر، لكن مساعيه كانت من دون جدوى وتجاهله النظام تماماً. لكنه قرر العمل سراً وأجرى اتصالات سرية مع عدد من السياسيين الكرد في كردستان وخارج العراق فاتفق معهم في صيف 1976، على تأسيس حركة باسم الحركة الاشتراكية الديموقراطية الكردستانية وأصبح زعيمها. الحركة انضم إليها لاحقاً سياسيون آخرون، كانوا انشقوا عن الحزب الديموقراطي الكردستاني وأسسوا حزباً جديداً باسم الحزب الاشتراكي الديموقراطي الكردستاني. في مطلع الثمانينات اغتيل اليوسفي في بغداد عندما فتح رسالة مفخخة سلمها له عميل للأمن العراقي تظاهر بأنه ساعي بريد. بعد وفاته انتخبت قيادة الحزب الدكتور محمود عثمان زعيماً له حتى استقالته في 1992، ومنذ ذلك الحين وحتى الان يتزعم الحزب محمد الحاج حاجي محمود وهو في الوقت نفسه قائد بارز في قوات البيشمركة.

عودتي إلى طهران… رسمياً

كنا عدنا إلى بغداد من طهران في نيسان/ أبريل وكما ذكرت في الحلقة السابقة، أننا دعينا في اليوم التالي إلى لقاء مدير الأمن العام الذي كنت نسيت اسمه فذكرني صديق بانه عبد الخالق عبد العزيز. لكننا بعد فترة قصيرة فوجئنا بدعوتنا من جديد إلى لقائه، من دون أن يوضحوا لنا السبب. حضر اللقاء أيضاً عدد قليل من العائدين الذي لم يكونوا بينننا نحن الذين عدنا معاً من طهران. المدير العام أوضح لنا أن القيادة العراقية ترى أن مصلحة الكرد الباقين في إيران، هي في العودة إلى بلادهم وأهلهم ووظائفهم، كما كانوا قبل ذهابهم إلى الجبل وسيُرَحب بهم كما رُحب بنا. وأوضح أن القيادة قررت إرسال وفد رسمي برئاسة مسؤول كبير إلى إيران في مسعى إلى لقاء الكرد في المدن والمخيمات لإقناعهم بالعود والتأكيد لهم أنهم لن يتعرضوا إلى أي سوء. وهنا وصل إلى سبب دعوتنا إلى لقائه، موضحاً أن القيادة تريد أن ننضم إلى الوفد كي نلتقي أصدقاءنا هناك، كي يقتنعوا بأنهم لن يتعرضوا إلى أي عواقب نتيجة لالتحاقهم بالحركة المسلحة.

قصارى الكلام أن عدداً منا ضُم إلى الوفد الرسمي الذي كان برئاسة عضو القيادة القطرية لحزب البعث وزير الشباب نعيم حداد آنذاك، وضم عضوا في قيادة فرع الحزب في بغداد خالد الكبيسي الذي كان لاحقاً بين القياديين الذين اعدمهم صدام حسين في 1979 غداة سيطرته الكاملة على الحزب والسلطة، بعدما أجبر سلفه أحمد حسن البكر على التخلي عن جميع مناصبه. على ما أتذكر انضم إلى الوفد كمال محي الدين وطاهر علي والي الذي كان ضابطاً سابقاً في الجيش العراقي والتحق بالثورة منذ بدايتها في 1961، وظل منذ ذلك الحين في الجبل حتى عودته إلى العراق، بعد انهيار الثورة في 1975، وعاد إلى الجبل بعد بدء حركات البيشمركة مجدداً، في منتصف 1976 ولاحقا لقي حتفه وعدد من البيشمركة في انهيار ثلجي في الجبل. ضُمت إلى الوفد أيضاً ناشطتان كرديتان شابتان أتذكر أن إحداهما كان اسمها كردستان وللأسف لا أتذكر اسمها الكامل. آخر كان الشخصية الكردية الراحل علاء الدين سجادي وكان رجل دين وكاتباً وباحثاً في الأدب واللغة الكردية منذ الثلاثينات، وأنجز مؤلفات كثيرة بالكردية، لعل أشهرها “رشته ي مرواري” (عقد اللؤلؤ) في 8 أجزاء بدأها في 1957 وأكملها في 1983، ويعتبر مصدراً رئيسياً للفولكلور الكردي وضم تدوين الحكايات والقصص والمأثورات وظريف الكلام. سجادي كان وقتها مديراً للأوقاف في المناطق الكردية. أخيراً أشير إلى أن الوفد ضم ضابطاً عراقياً شاباً، كانت مهنته انجاز معاملات جوازات سفر أعضاء الوفد واحتفظ بها وأعادها لنا بعد عودنتنا إلى بغداد، والاهتمام بشؤونهم. بعد سنوات عندما أصبحت مديراً لمكتب الرئيس جلال طالباني في 2005 أخبرني مستشاره للشؤون العسكرية وفيق الفريق الركن السامرائي أنه كان ذلك الضابط الشاب وكان يعمل كما هو معلوم في الاستخبارات العسكرية وتدرج في صفوفها حتى أصبح نائباً لرئيسها، قبل أن ينشق عن النظام في التسعينات. وطبعاً ضم الوفد عدداً من الكوادر البعثية أتذكر منهم كريم الملا الذي كان عضواً في قيادة اتحاد الطلبة البعثي وآخرين.

في إيران انقسم الوفد إلى 3 مجموعات وتوجهت كل مجموعة إلى مخيمات للاجئين الكرد ومدن يقيمون فيها، وكنت والصديق كمال محي الدين ضمن مجموعة زارت أحد المخيمات ومدينة مهاباد والرضائية (أورميه). طبعاً كنا نعلم أن لا أحد من الكرد سيثق بتعهدات الوفد لكننا اعتبرنا أن وجودنا ضمن الوفد سيتيح لنا أقله لقاء أصدقاء ومعارف وهو ما حدث بالفعل. في المخيم استقبلنا اللاجئون بغضب وهاجموا البناية التي كنا فيها، لكن الحراس منعوهم من اقتحامها فغادرنا المخيم من دون أن نلتقي اللاجئين. في مهاباد دعا الإيرانيون ممثلين عن اللاجئين الكرد المقيمين هناك إلى قاعة للاجتماع معهم فحضروا بالفعل، لكنهم بعد قليل نهضوا وغادروا القاعة احتجاجاً. خرجنا بعد ذلك وجلسنا في أحد المقاهي حيث التقينا عدداً من الكرد الذين قاطعوا الاجتماع، وكان بينهم بعض رفاق الجبل الذين خاضوا نقاشاً مع الاعضاء البعثيين في الوفد. الصديق كمال وأنا تحدثنا مع أصدقائنا، وبعضهم طلب أن ننقل توصيات ورسائل شفهية إلى ذويه في العراق.

استراحة في الرضائية

في الرضائية حيث بقينا في أحد الفنادق بضع ساعات للاستراحة قبل أن نعود إلى طهران وكان خبر وصول الوفد انتشر بين الكرد المقيمين هناك، زارني شخصان، أحدهما كان شقيقي محمود الذي بقي في ايران فترة قبل أن يعود إلى العراق. الآخر كان الصديق حسين سنجاري الذي انضم لاحقاً إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، وبعد 1991 اصبح وزيراً في أول حكومة أسفرت عنها أول انتخابات كردية في 1992، وبعد 2005 أصبح سفيراً مثل العراق في البرتغال ورومانيا. ناقشنا التطورات وما يمكن أن يحدث في المرحلة المقبلة ونقل لي تحيات من قريبه الراحل سامي عبد الرحمن، عضو قيادة الثورة والحزب الديموقراطي الكردستاني، ورأيه في ما يجب أن يفعله العائدون إلى العراق دعماً للكفاح الكردي. كنت تعرفت إلى عبد الرحمن عندما كان وزيراً بعد 1970، وكنت أزوره في مكتبه أحياناً وألتقيه في مناسبات يقيمها المركز الثقافي السوفياتي، الذي كنت أعمل فيه. وعندما كنت في طهران قبل عودتي وأولغا إلى العراق كنت مرة خارج الفندق، وعندما عدت إليه أخبرتي أولغا أن شخصاً طرق باب الغرفة وسأل عني وترك لي رسالة بعدما أخبرته أنني لم أكن موجوداً. كانت رسالة قصيرة من عبد الرحمن، حيث طلب مني أن اتصل به على رقم هاتف دونه في الورقة. لكنني لم أتصل به لاننا كنا في عشية عودتنا إلى العراق، ولم تكن هناك فرصة للاتصال به.

عبد الرحمن وقياديون آخرون معه في إيران، شكلوا بعد إنهاء المقاومة المسلحة إثر اتفاق الجزائر “القيادة الموقتة” للحزب الديموقراطي الكردستاني، لحين عقد مؤتمر لانتخاب قيادة دائمة. لكنه لاحقاً، انشق عن الحزب وأسس حزباً جديداً، باسم حزب الشعب الكردستاني” قبل أن يحله في 1993 ويعود مع آخرين إلى “الديمقراطي الكردستاني”، عضواً في مكتبه السياسي لحين اغتياله في اربيل في عملية انتحارية إرهابية في 2004.

نشاط ماركسي – لينينيّ

هكذا انتهت زيارة الوفد الرسمي إلى إيران وعدنا إلى بغداد، لنواصل مع بقية رفاق الجبل متابعة التطورات في كردستان وخارج العراق، فكانت تصلنا أخبار عن نشاطات للبيشمركة في هذه المنطقة أو تلك في جبال كردستان، فيما كان ثوريون كرد شبان، ينشطون سراً لتأسيس حركات وتيارات وتنظيمات، بعضها يساري تبنى الماركسية والماوية. وكان أكثرها نشاطاً وانتشاراً بين صفوف الشباب، عصبة الشغيلة الكردستانية الماركسية – اللينينية، التي أسسها نوشيروان مصطفى قبل ذلك، وانضم لاحقاً إلى جلال طالباني لتأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني. عموماً، ونحن في بغداد كنا نلتقي ونسمع ونتابع فحسب، لكننا لم نشارك في أي نشاطات سياسية فعلية.

حين نكث صدام بعهده

كنت بدأت العمل محرراً في مجلة “آفاق عربية”، اعتباراً من أيلول/ سبتمبر 1975، فكان يزورني في مقرها بعض أصدقاء الجبل المنفيين إلى جنوب العراق وغربه، منهم الراحلان الكاتب والصحافي مصطفى صالح كريم والشاعر شيركو بيكه س، وسمعت منهم قصصهم ومعاناتهم في المنافي. وكان وجود هؤلاء في المنفى يذكرنا بالتعهد الخطي الذي وجهه صدام حسين خلال زيارته إلى طهران إلى الكرد الملتحقين بالثورة ومفاده أنهم في حال عودتهم إلى العراق سيعودون إلى مناطقهم وأعمالهم الأصلية، ثم نكث بتعهده. وكنت أشرت إلى ذلك في الحلقة السابقة من هذه المذكرات، لكنني لم أتذكر تفاصيل ما جاء فيه. لكن الصديق شيرزاد جبرائيل الذي كان آمراً لوحدة من البيشمركة في الجبل، وكان ضابطاً سابقاً في الجيش العراقي ويتابع قراءة مذكراتي أوضح في تعليقه على تعهد صدام انه كان في طهران، عندما زارها صدام، وقال إن شخصين من الكرد من أهالي دهوك سعيا عبر السفارة العراقية إلى لقائه، وخلال اللقاء طلبا من صدام كتابه تعهد خطي يؤكد إعفاء الكرد العائدين إلى العراق من أي عواقب بسبب التحاقهم بالثورة الكردية. وعندما لم يقتنعا بأن مجلس قيادة الثورة أصدر بياناً بهذا المعنى، لأن الكرد كما قالا له يثقون بكلامه أكثر من ثقتهم بالبيانات الرسمية، فوافق صدام على طلبهما وكتب بيانه الخطي الذي جاء في فقرته الأولى الآتي: “أعاهدكم عهد الرجال، بأن أي كردي يعود إلى الصف الوطني لن يصيبه سوء وسوف يعودون إلى وظائفهم ومناطقهم عدا الضباط فإما يعودون إلى وظائفهم أو إلى وظائف مدنية”. وجاء في التعهد أيضاً أن العفو يستثني أربعة اشخاص فقط هم ملا مصطفى بارزاني ونجلاه ادريس ومسعود والشيخ محمد خالد (النجل الأكبر للشيخ أحمد بارزاني الشقيق الأكبر لملا مصطفى). بالمناسبة ذكرني تعليق كاك شيرزاد، بأن كثيرين من غير الكرد الملتحقين بالثورة، اعتبروا أن العفو لم يشملهم بسبب عبارة “أي كردي” التي وردت في تعهد صدام. وبالفعل تعرض عدد من المسيحيين من غير الكرد إلى الاعتقال عندما عادوا إلى العراق على أساس أن بيان العفو لم يشملهم.

المزيد من القمع

في غضون ذلك، كان النظام البعثي يوغل في اتخاذ إجراءات أمنية وقمعية ضد الكرد، شملت تهجيرهم من القرى والبلدات الحدوية والتعريب والتشديد في مراقبة المجمعات السكنية في أطراف المدن الكردية. فوق ذلك كانت المؤشرات إلى أن الإجراءات لن تقتصر على الكرد بل ستتسع لقمع أي مظهر تشم منه رائحة معارضة ما على صعيد العراق كله. في إطار إجراءات القمع والانتقام المستمرة ضد الكرد، أخبرني الصديق كمال مظهر أن أحكاماً بالإعدام صدرت ضد ثلاثة مناضلين كرد، كان أبرزهم شهاب شيخ نوري وكانت السلطات الايرانية اعتقلتهم وسلمتهم إلى العراق. الشيخ نوري كان ناشطا سياسيا وكاتبا يساريا وبعد تأسيس “عصبة الشغيلة” الماركسية انضم شهاب إلى لجنتها القيادية وكان بين أعضائها جلال طالباني قبل تأسيسه “الاتحاد الوطني الكردستاني”. طالباني نفسه كان في تلك الفترة يتبنى الفكر الماركسي والماوية تحديداً. الرفيقان الآخران لشهاب نوري، اللذان حكم عليهما معه بالإعدام هما أنور زوراب كركوكي وجعفر عبد الواحد. هل كنا قادرين على أن نفعل شيئاً لإنقاذهم من الإعدام؟ كان ذلك في خريف 1976 اتفقت وكمال على أن نقوم بمحاولة ما. هنا القصة.

وقتها كان صديقي الصحافي والكاتب الموهوب محمود البياتي (توفي في لندن في 2014 تاركا عددا من الروايات والقصص التي حاز على بعضها جوائز أدبية) يعمل محررا في أسبوعية “وعي العمال” التي كان يصدرها اتحاد نقابات العمال الخاضع للسلطة. رئيس تحريرها كان الكاتب والناقد الأدبي والمؤلف عزيز السيد جاسم الذي كان ومحمود يشتركان في اهتمامتهما الادبية والفلسفية، فنشأت بينهما علاقة وثيقة. وعبر محمود تعرفت إلى السيد جاسم الذي كان أصبح إعلامياً بعثياً بارزاً وقريباً من القيادي البعثي البارز عبد الخالق السامرائي الخصم الذي كرهه صدام حسين وأعدمه لاحقاً في 1979. وبحكم موقعه ورئاسته تحرير “وعي العمال”، كان السيد جاسم عضواً في مكتب الثقافة والإعلام التابع لحزب البعث، وكان يرأسه وقتها صدام حسين. جاسم بدأ مسيرته السياسية عضواً في الحزب الشيوعي العراقي في مدينته الناصرية، لكنه ترك الحزب وانتقل إلى بغداد في نهاية الستينات، ليصبح بمثابة مفكر ومنظر لحزب البعث عبر كتاباته في جريدة “الثورة” الناطقة باسم حزب البعث. اتفقت مع كمال مظهر الذي لم يكن يعرف السيد جاسم شخصياً، على أن نلتقيه ونحاول أن نقنعه، بأن تنفيذ حكم الإعدام بحق النشطاء الكرد في تلك الظروف، سيضيف جرحاً عميقاً آخر إلى جروح الكرد، ونطلب منه أن يستخدم نفوذه، لعله يستطيع إقناع صدام أقله بتخفيف حكم الإعدام إلى السجن. اتصلت بالسيد جاسم وقلت له إن كمال مظهر يحب أن يتعرف إليه، ودعوته إلى لقاء في أحد حانات شارع أبو النواس. أبدى السيد جاسم حماسة للقاء، وقال إنه يقبل الدعوة مضيفاً أنه، يقرأ مقالات الدكتور مظهر وأبحاثه، في تاريخ الكرد والعراق ويعجب بها ويسره أن يتعرف شخصياً إليه.

أمضينا أمسية في بار “الكارينيا” وتحدثنا في مواضيع مختلفة، في تاريخ الكرد وآدبائهم ولغتهم وبحثنا في الوضع السياسي والعلاقات الكردية – العربية وغيرها، وفي السياق أثرنا قضية النشطاء الكرد الثلاثة والإجراءات القمعية ضد الكرد، والتي بدأت بعد عودة الملتحقين بالثورة وما زالت مستمرة. الحقّ أن السيد جاسم أبدى تفهما لما قلناه وتعاطف مع قضيتنا إلى حد أنه استنكر أحكام الإعدام وإجراءات القمع ضد الكرد. سألناه إن كان يستطيع أن يبدي موقفه في مكتب الثقافة والاعلام ويطالب بعدم تنفيذ حكم الإعدام؟ أجاب انه سيفعل ذلك بالتأكيد. في نحو منتصف نهار اليوم التالي هاتفني السيد جاسم وأبلغني بأنه وصل إلى مكتبه في “وعي العمال” لتوه بعدما ذهب إلى مكتب الثقافة والاعلام، وترك مذكرة وجهها إلى رئيس المكتب صدام حسين أوجز فيها ما سمعه مني ومن كاك كمال وناشده بالتدخل لتخفيف تنفيذ حكم الإعدام بحق شهاب شيخ نوري ورفيقيه. شكرته على موقفه وبدوري اتصلت بكمال مظهر وأخبرته بما قاله لي السيد جاسم. لكننا طبعا كنا نشعر بأن ما نتمناه كان أملاً ضعيفاً. وبالفعل تم تنفيذ حكم الإعدام بالمناضلين الثلاثة في سجن الموصل في صباح 21/11/1976. لاحقاً حرصت على أن أروي ما حدث مع السيد جاسم وموقفه النبيل إلى سوزان ابنة شهاب شيخ نوري التي كانت طفلة عندما أُعدم والدها.

من بغداد إلى لندن

في الأثناء، وسط التطورات التي كنا نتابعها عدت إلى النشاط الصحافي من خلال عملي في “آفاق عربية”، التي كان مدير تحريرها الشاعر بلند الحيدري. لكن ذلك لم يمنعني من العودة إلى الكتابة الأدبية عبر مقالات وترجمات في مجال التعريف بالآداب والثقافة الروسية ونشرتها في مجلات ودوريات أدبية عراقية. إلى ذلك كان يتعين البدء من جديد بتكوين بيت، وسبل المعيشة لي ولأولغا، وكان ذلك، إضافة إلى أن عملي الصحافي والأدبي، يأخذ وقتاً وجهداً كبيرين. على صعيد الوضع السياسي في العراق، كان النظام البعثي يسير في اتجاه السيطرة والهيمنة الكاملة على حياة العراقيين ويتحول شيئاً فشيئاً إلى نظام توتاليتاري، وخلق دولة تتحكم فيها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، فيما كان “السيد النائب” يجمع في يديه مزيداً من مؤسسات القوة ويقمع أي مظهر ولو بسيط من مظاهر حرية التعبير ويتخلص من أي شخص في حزبه، كان يعتقد أنه قد يصبح منافساً ويشكل تحدياً لسلطته. وبحلول 1979 فرض سيطرته المطلقة على السلطة. قبل ذلك كانت حملات القمع التي شملت الحزب الشيوعي الذي كان حتى الأمس متحالفاً مع حزب البعث في اطار ما سمي “الجبهة الوطنية التقدمية”، فهاجر العراق آلاف الشيوعيين، قيادة وقواعد. وعشية الحرب التي شنها “القائد الضرورة” صدام حسين على إيران، تحديداً في تموز/ يوليو 1980، غادرت العراق نهائياً إلى بريطانيا، ولحقتني أولغا التي كانت غادرت بغداد قبلي بأسابيع إلى سانت بطرسبورغ.

هكذا أنهي شهادتي على ثورة الكرد في تلك المرحلة لتشكل بحلقاتها الإحدى عشرة، الجزء الأول من هذه المذكرات التي آمل أن أتابعها قريباً في الجزء الثاني، في حلقات أيضا تبدأ بأحداث عشية ذكرى ثورة الكرد في 1991، وكيف جعلتني الظروف، وأحياناً المصادفة، من خلال عملي في جريدة “الحياة” اللندنية مشاركاً في بعض تطوراتها المهمة، كإقامة علاقات بين القيادة الكردية وأنقرة على أعلى مستوى في الدولة التركية، وفي الإطار ارتباط ذلك الحدث بلقاءات مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان والاتصالات غير المباشرة بينه والرئيس الراحل تورغوت أوزال وتطورات أخرى بعد وفاته.

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد (10): “العام اليتيم” وما بعده







 

إقرأ أيضاً