fbpx

هنا القصة الثالثة

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد (10): “العام اليتيم” وما بعده

في طهران كنا في مجموعتنا من رفاق الجبل نلتقي ونتجادل في ما حدث وأسباب انهيار الحركة المسلحة الكردية عملياً بين ليلة وضحاها، وهي في أوج قوتها، ولماذا كانت الأقصر عمراً بين الثورات السابقة في كردستان العراق، إذ لم تستمر أكثر من عام. لاحقاً تناول الكاتب والسياسي الكردي الراحل فلك الدين كاكائي أحداث ذلك العام في بحث اختار له العنوان المناسب “العام اليتيم”.

في هذا الإطار، سألنا عن خطوتنا التالية. بحثنا في الخيارات المتاحة التي راوحت بين البقاء لاجئين في إيران والعودة إلى العراق والسعي إلى اللجوء إلى دول غربية. مبدئياً، اتفقنا مع رأي كاك دارا في رفض خيار البقاء في إيران، مرجحين أن اللجوء إلى الغرب أفضل في جميع الأحوال. هكذا كنا نقصد سفارات دول غربية أفراداً أو جماعات. راجعتُ وأولغا سفارة ألمانيا الغربية، الدولة التي كانت تظهر تفهماً حيال طلبات الكرد للجوء إليها، فاستقبلنا قنصلها العام وشرحنا له رغبتنا في اللجوء إلى بلاده. كان القنصل مطلعاً على سبب وجود أعداد كبيرة من كرد العراق في إيران. سألنا بين أسئلة أخرى عن دراستنا، فأوضحنا له أننا تخرجنا من جامعة سوفييتية، وتخصصنا في اللغة والأدب الروسي. فأكد لنا أنه واثق من أن طلبنا سيقبل من دون تردد، وأننا لن ننتظر هناك طويلاً، قبل أن تعرض علينا السلطات الألمانية العمل في إذاعة موجهة إلى الاتحاد السوفييتي تبث بالروسية من مدينة كولون، وأعطانا القنصل استمارات خاصة بطلب اللجوء، وقال إننا نستطيع ملأها ومراجعته مجدداً بعد يومين. وأضاف أنه سيعدّ لي جواز مرور موقت (ليسيه باسيه)، لأنني لم آخذ معي جواز سفري عندما صعدت إلى الجبل. شكرناه وعندما خرجنا من السفارة قلت لأولغا إن الأفضل أن ننسى موضوع اللجوء إلى ألمانيا الغربية، طالما الشرط هو أن نعمل في إذاعة معادية لبلادها، لأن ذلك يعني تعريض عائلتها في الاتحاد السوفييتي للخطر.

صدام حسين وشاه إيران

فؤاد عارف الذي أعادنا إلى بغداد

في الأثناء ونحن نراجع سفارات غربية، طلب كاك دارا أن نجتمع للبحث في تطور جديد. أخبرنا أن الشخصية الكردية المعروفة فؤاد عارف، وهو كان معنا في الجبل وجاء إلى طهران، التقى مصادفة في أحد شوارعها، السفير العراقي آنذاك مدحت ابراهيم جمعة، الذي كان عارف يعرفه جيداً عندما شغل في الستينات مناصب وزارية، مرشحاً من ملا مصطفى بارزاني شخصياً. جمعة كان قيادياً بعثياً قديما وشغل بعد انقلاب 1968 البعثي منصب سفير في الكويت ثم في طهران. كاك فؤاد، كان في الجبل يقيم معنا في “قصر السلام” في غرفة شغلها هو وقريبه دارا رشيد جودت وكان قبالة الغرفة التي كنت أشغلها مع فلك الدين كاكائي. أخبرنا كاك فؤاد أن السفير دعاه إلى مكتبه في السفارة، وعرض عليه وعلينا العودة إلى بغداد، مؤكداً أن الحكومة العراقية ملتزمة قانون العفو العام الذي أعلنه مجلس قيادة الثورة، الأمر الذي قال إن نائب رئيس المجلس صدام حسين أكده شخصياً – والكلام لجمعة – أثناء زيارته الرسمية طهران، إثر توقيع اتفاق الجزائر. كاك فؤاد قال للسفير إنه سيفكر في الأمر ويبحثه مع مجموعتنا. كان رأي كاك فؤاد وأيده كاك دارا أن العودة إلى العراق أفضل، لذلك دعانا كاك فؤاد إلى مرافقته للقاء السفير والاستماع اليه.

في السفارة كرر لنا السفير ما سمعناه من كاك فؤاد وزاد، بأننا نستطيع أن نسافر جواً في إحدى رحلات الخطوط الجوية العراقية، وأنه سيرافقنا شخصياً حرصاً منه على تسهيل إجراءات وصولنا بسلاسة إلى مطار بغداد، وترتيب نقلنا إلى ذوينا. موظفون في السفارة، وكان بينهم القنصل طارق عبد الجبار الذي كنت أعرفه منذ عملنا معاً في إذاعة بغداد، أنا في القسم الروسي وهو في القسم الإنكليزي، وكنا نشغل غرفتين متلاصقتين، قال لنا إن عدداً من البيشمركة المقاتلين الذي وصلوا إلى طهران بعد اتفاق الجزائر في طهران، جاءوا إلى السفارة أثناء زيارة صدام حسين، وطالبوه بأن يقدم لهم ضمانات بسلامتهم في حال عادوا إلى العراق. ورداً على طلبهم كتب صدام بياناً بخطه ووقعه بصفته نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، أكد في فقرته الأولى أن العفو العام يشمل الجميع، باستثناء قائد الثورة مصطفى بارزاني و3 آخرين من أعضاء عائلته، وأنهم سيعودون إلى مناطقهم الأصلية وقامت السفارة العراقية بتوزيع نسخ مصورة من البيان على العراقيين في طهران.

أشير إلى أنني بعد سنوات عندما كنت في جريدة “الحياة” اللندنية وفي إحدى زياراتي إلى اسطنبول في صيف 1991 مندوباً عنها، لتغطية مؤتمر لوزراء خارجية الدول في منظمة الدول الإسلامية، التقيت عبد الجبار ثانية وكان هذه المرة أصبح سفيراً للعراق في أنقرة، وكان يشارك في المؤتمر عضواً في الوفد العراقي برئاسة وزير الخارجية وقتها، محمد سعيد الصحاف الذي اشتهر خلال الغزو الأميركي للعراق في 2003 باستخدامه عبارة “العلوج” لوصف القوات الأميركية وتصريحات أمام الصحافيين الاجانب يعلن فيها أن الجنود الأميركيين ينتحرون بالآلاف على أبواب بغداد، فيما كانت الدبابات الاميركية تنتشر في شوارع بغداد فلقبته الصحافة الغربية بـComical Ali. في تشرين الأول/ أكتوبر 1968، عندما بدأت العمل في قسم البث الروسي لإذاعة بغداد الرسمية، كان الصحاف وقتها شاباً تخرج في تلك السنة في القسم الإنكليزي في جامعة بغداد ويخدم في الجيش كضابط احتياط وقاد خلال الانقلاب البعثي في السنة ذاتها وحدة عسكرية سيطرت على الاذاعة والتلفزيون وأصبح إثر الانقلاب البعثي مسؤولاً عن أمن المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون ولاحقا عين مديراً عاماً لها.

سجن سوسة

حملة ترحيل جديدة ومعسكرات اعتقال

رحلة العودة وإجراءات وصول مجموعتنا، التي انضم اليها الصديق القديم منذ كلية الحقوق في 1960 كمال محي الدين وكان عضواً بارزاً في “الديموقراطي الكردستاني”، ثم قيادياً في “الاتحاد الوطني الكردستاني”، وكان مسؤولاً عن أحد فروعه عندما كنت مديراً لمكتب الرئيس جلال طالباني في 2005، إلى مطار بغداد تمت كما وعدنا السفير العراقي الذي رافقنا فعلاً ورتب لنا وسائل إيصالنا إلى ذوينا. لكن كاك دارا تخلف عنا، إذ سافر من طهران إلى بيروت ومنها عاد لاحقاً إلى بغداد. عندما وصلنا إلى مطار بغداد استقبلنا بين آخرين رفيق بشدري الذي طمأننا إلى أن كل شيء على ما يرام، وسنعود إلى أهالينا وأعمالنا السابقة التي كنا نشغلها قبل التحاقنا بالثورة. الكردي بشدري كان عضواً ناشطا في الحزب الديموقراطي الكردستاني، لكنه انحاز إلى النظام البعثي، وتعاون معه عندما اندلعت الثورة مجدداً في آذار/ مارس 1974، وفي المطار أخبرنا أنه يعمل في مكتب تابع لجهاز “السيد النائب” على متابعة الوضع الكردي او “شؤون الشمال” وفق التسمية الرسمية. طلب منا قبل أن نغادر المطار في سيارات تابعة لمديرية الأمن العامة أن علينا الحضور في اليوم التالي إلى مديرية الأمن العامة، وقال إن المدير العام شخصياً سيستقبلنا ويرحب بنا ويسهل لنا إتمام إجراءات روتينية بسرعة، وذلك لتجنيبنا مشقة مراجعة الأجهزة الأمنية والانتظار في الطوابير مع الآخرين. وزاد أن هذه المعاملة الخاصة هي لتأكيد احترام المثقفين من أمثالنا. في واقع الأمر لم يكن بشدري موالياً للنظام البعثي بل كان موالياً لقيادة الثورة الكردية وبقي في بغداد بمعرفتها وكان على اتصال سري معها ينقل إليها تقارير سرية يطلع عليها. إلى ذلك كان بشدري يقيّم علاقات شخصيات كردية مع جلال طالباني. لاحقا اكتشفت الأجهزة الأمنية حقيقة الأمر، بناء على اعترافات عائدين كانوا في مواقع مطلعة على اتصالاته السرية، فاعتقل وحكمت عليه إحدى محاكم أمن الدولة بالسجن 20 عاماً. لكنه اُطلق في إطار عفو عام أصدره صدام حسين بمناسبة تسلمه منصب رئيس الجمهورية في 1979. ظل بشدري في العراق متنقلاً بين بغداد وكردستان وتدهورت صحته، ثم لجأ إلى السويد وبريطانيا.  

عموماً، بعد عودتنا إلى العراق، بقي في بغداد كل من كان يقيم ويعمل فيها قبل الالتحاق بالثورة وكثيرون عادوا إلى وظائفهم الأصلية. شخصياً كان آخر مكان عملت فيه قبل أن أصعد إلى الجبل هو جريدة “التآخي” التي صادرتها السلطات العراقية ونقلت ملكيتها إلى حزب كردي موال للنظام برئاسة هاشم عقراوي، الذي كان قيادياً في “الحزب الديموقراطي الكردستاني”، وانشق عنه واتخذ موقفاً عدائياً من قيادته وأعلن ولاءه لنظام بغداد فعينه صدّام وزيراً في الحكومة العراقية. عقراوي استخدم مكاتب “التآخي” ومطبعتها لإصدار جريدة باسم “العراق”، وكان يُفترض أن أعمل فيها باعتبارها البديل من “التآخي”، لكنني رفضت العرض وقررت البحث عن عمل آخر. بقيت نحو 5 اشهر بلا عمل، قبل أن أنضم إلى فريق التحرير لفصلية ثقافية أسسها القيادي البعثي والوزير السابق شفيق الكمالي باسم “آفاق عربية” وبقيت فيها حتى مغادرتي العراق نهائياً في تموز/ يوليو 1980.

بعد مرور فترة قصيرة على عودتنا، أدركنا أن استقبال مجموعتنا بالطريقة التي تمت بها كان حالة استثنائية. إذ سرعان ما تبين أن “السيد النائب”، اللقب الرسمي لصدام، كان يكذب حين تعهد في طهران بأن الجميع سيعودون إلى مناطقهم الأصلية. إذ سرعان ما بدأت حملة عنصرية شملت ترحيل آلاف الموظفين الكرد، راوحت التقديرات بأن بين 100 ألف إلى 200 ألف منهم، انتقلوا من مناطقهم الأصلية في كردستان، إلى قرى ونواحٍ نائية في جنوب العراق ومنطقة الفرات الأوسط. إلى ذلك شملت الحملة مئات آلاف آخرين من سكان القرى الكردية، نُقلوا إلى مجمعات شيدت في أطراف السليمانية وأربيل ومدن كردية أخرى، ارتبطت في ذاكرة الكرد بمعسكرات الاعتقال، إذ كانت تحت رقابة دائمة لقوات أمنية حكومية ترصد تحركات سكانها. تهجير سكان القرى إلى هذه المجمعات حصل بذريعة إقامة شريط أمني على الحدود الايرانية، يمتد إلى عمق عشرات الكيلومترات داخل العراق. وبدأت السلطات منذ ذلك الحين واستمرت حتى الثمانينات في تشييد ما وصفته بنقاط مراقبة عسكرية، أشبه بقلاع حصينة لضبط الحدود مع إيران، لكن المفارقة أن قلاعاً كثيرة شيدت في عمق كردستان العراق بعيداً من الحدود، كان هدفها مراقبة تحركات السكان الكرد وأي تحركات مسلحة محتملة. بعض القلاع كان كبيراً، إلى حد استيعاب وحدات عسكرية بكامل أسلحتها ومعداتها، لعل أكبرها قلعة تستوعب نحو ألفي عسكري وتضم مستودعات للعتاد ومؤونة، تكفي لإطعام الجنود لأشهر عدة، وتمكن رؤيتها من الطريق العام بين السليمانية ومنتجع دوكان، وتم بعد ذلك 2003 تأهيلها لتصبح سجناً تابعاً لوزارة العدل العراقية، باسم سجن سوسة وظلت كذك حتى الآن. السجناء في سوسة مدانون بالتورط في عمليات ونشاطات إرهابية وفقا للمادة 4 من قانون الارهاب.

تأديب الثورة؟

حملة الترحيل كان هدفها المباشر غير المعلن إنزال العقاب بالكرد الملتحقين بالثورة “لتأديبهم” وهدف غير مباشر يشي بأنه تطهير عرقي من جهة، وتأجيج مشاعر السكان في الجنوب والوسط والغرب ضد المرحلين الكرد، من جهة أخرى، على أساس أن الغالبية الساحقة من الجنود القتلى الجرحى خلال عام من القتال كانوا من أبناء تلك المناطق. وكانت الحكومة أعلنت رسمياً أن عدد الإصابات في صفوف القوات المسلحة بلغ أكثر من 60 ألف إصابة من دون تحديد عدد القتلى والجرحى. وأعلنت الحكومة امتيازات مالية ومادية لتشجيع الزواج بين الكرد المرحلين والسكان العرب في تلك المناطق، بشرط أن المتزوجين من الكرد ذكوراً وإناثاً، يوافقون على الإقامة الدائمة هناك. لكن النيات الشريرة للنظام لم تتحقق. فقد أظهر السكان المحليون تعاطفاً صادقاً مع المرحلين، باعتبارهم مظلومين مثلهم، وحرصوا على إشعارهم بأنهم مرحب بهم، فنشأت علاقات حميمة بين الطرفين. إلى ذلك أدركت السلطات أن محاولاتها إغراء المرحلين بالبقاء بعيداً من مناطقهم الأصلية، فاضطرت تدريجياً إلى إلغاء إجراءات الترحيل والسماح للمرحلين بالعودة إلى كردستان وبذلك انتهت محنتهم. لكن نزعة الثأر والانتقام من الكرد، لم تترك النظام البعثي الذي نفذ بأمر من صدام في الثمانينات جريمة “الأنفال” سيئة الصيت فقامت السلطات الأمنية بترحيل أكثر من 150 الف مدني، بينهم شيوخ ونساء وأطفال، لكنها هذه المرة جمعتهم وحشدتهم في شاحنات، ونقلتهم إلى صحارى جنوبية وغربية، حيث أبيدوا بشكل جماعي ودفنوا، أحياء أحياناً، في مئات المقابر الجماعية التي اكتشفت بعد 2003 وما زالت تُكتشف بين حين وآخر حتى الآن.

عبدالرحمن قاسملو

عبد الرحمن قاسملو

كنا في بغداد نلتقي غالباً في بيت الدكتور كمال مظهر الذي عاد إلى التدريس أستاذاً في جامعة بغداد، لكننا افتقدنا آخرين من رفاق الجبل بعضهم بقي في إيران، وبعض آخر غادر إلى خارج العراق، فيما نقل آخرون إلى محافظات جنوبية منهم الدكتور كمال خياط ونقل جلال سام آغا من السليمانية إلى بغداد. أما خسرو توفيق فظل في بغداد منصرفاً إلى العمل كرجل أعمال وكان معنا في لقاءاتنا في بيت الدكتور مظهر أو في بيته أحياناً. وعرّفنا كاك خسرو إلى صديقه عبد الرحمن قاسملو زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني (ايران) الذي التقيته مرة في بيت الدكتور كمال، وفي المرة الثانية، وكان برفقة زوجته التشيكية الأصل يلينا كوليتش التي تزوجها عام 1952، عندما كان طالباً في براغ، وعاشت معه ورافقته حتى اغتياله على أيدي عملاء الاستخبارات الإيرانية في فيينا عام 1989، في بيت صديقي وزميلي في جامعة لينيغراد (سانت بطرسبورغ حالياً) الراحل عبد الرحمن معروف الذي كنت أتشارك معه غرفة واحدة في القسم الداخلي في الجامعة. صديقي عبد الرحمن تخرج بعدي بعام في الجامعة متخصصاً في اللغة الروسية، لكنه قرر البقاء في لينينغراد لإكمال دراسته العليا في فرع الدراسات الكردية التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية، وحصل على شهادة الدكتوراه باشراف البروفيسور السوفييتي الكردي قناة كوردويِف. بعد عودته إلى العراق، عمل في الفرع الكردي في المجمع العلمي في العراق، ثم أستاذاً جامعياً حتى وفاته في السليمانية في حادث سير مفجع. وكان مكث في بغداد بعد آذار 1974.

باستثناء هذين اللقاءين مع قاسملو، لم أحضر لقاءات أخرى كان يجريها مع كمال مظهر وجلال سام آغا وخسرو توفيق ويبحث معهم مسائل تتعلق بالعلاقات الكردية – الكردية وغيرها من القضايا الساخنة وأي دور محتمل يمكنهم القيام به. يُشار إلى أن قاسملو لجأ مع قياديين آخرين في حزبه إلى العراق في السبعينات، وأقام علاقات مباشرة مع الحكومة العراقية في منتصف 1970، بواسطة الراحل محمد محمود عبد الرحمن، الذي اشتهر باسم سامي عبد الرحمن واغتيل في عملية إرهابية في اربيل، وكان وقتها عضوا في المكتب السياسي للحزب الديموقراطي الكردستاني ووزيرا لشؤون الشمال في بغداد بعد اتفاق الجكم الذاني في 11 اذار من ذلك العام. وبحسب عبدالله حسن زاده الذي أصبح لفترة سكرتيراً لـ”الديموقراطي الكردستاني” (ايران) بعد اغتيال قاسملو ثم خلفه صادق شرفكندي. وكنت تعرفت إلى حسن زاده في بغداد قبل التحاقي بالثورة والتقيت به لاحقاً، عندما جاء سراً إلى المناطق المحررة وزارنا في مقر فريقنا الإعلامي في منطقة آزادي. بحسب حسن زاده كما أوضح في لقاء أجرته معه صحيفة عربية في التسعينات، سامي عبد الرحمن رتب لقاء بين قاسملو وعضوٍ في مجلس قيادة الثورة، وقاسملو “قدم وثيقة هي عبارة عن مبادئ عامة يوافق عليها الطرفان” مضيفاً: “من تلك المبادئ على ما أذكر أن الطرفين يسعيان إلى توطيد العلاقات مع البلدان الاشتراكية والحد من هيمنة الامبريالية، ويؤمنان بأن الحل الأمثل للقضية الكردية هو تمتع الشعب الكردي في إيران والعراق بالحكم الذاتي، وأن يرتبط طرفا التفاهم بعلاقات صداقة مع الحزب الديموقراطي الكردستاني في العراق. وقبل الجانب العراقي هذه المبادئ كأساس لإقامة العلاقة مع الحزب الديموقراطي الكردستاني في إيران”. يُشار إلى أن حسن زاده يقيم حالياً في إقليم كردستان ويقود جناحاً منشقاً عن الحزب الأمّ الذي يتزعمه سكرتيره مصطفى هجري.

هكذا بدأت العلاقات بين حزبي قاسملو والبعث العراقي. وكانت نشأت علاقات وثيقة بين قاسملو وجلال طالباني وحصل تعاون بين حزبيهما، وفي مطلع الثمانينات توسط قاسملو بين طالباني وبغداد، فبدأت بين الطرفين مفاوضات لم تنجح في النهاية. في المقابل، توسط طالباني بين قاسملو وطهران وأدت وساطته إلى مفاوضات بين فريق إيراني قدم من طهران، وقاسملو في فيينا وانتهت بمؤامرة إيرانية لئيمة أدت إلى اغتيال الزعيم الكردي. العلاقة بين قاسملو وطالباني كانت حميمة وكان الأول يقول مازحاً إنهما ليسا أخوين بل هما صديقان “لأنك تختار الصديق بينما الأخ مفروض عليك”؟ أذكر أن مام جلال روى لنا مرة قصة طريفة، وهي أنه عندما كان في بغداد يفاوض القيادة العراقية في مطلع الثمانينات، كان يلتقي هناك قاسملو دائماً ويبحث معه التطورات. في أثناء تلك المفاوضات كان مام جلال يتنقل بين بغداد وكردستان، وفي إحدى المرات قال لقاسملو إنه سيزور طهران قبل أن يعود إلى بغداد لاستئناف المفاوضات، فطلب منه الأخير أن يحضر له بعض الكافيار الإيراني المشهور. في طهران طلب طالباني من الايرانيين تزويده بكمية من الكافيار من دون أن يقول لهم طبعاً أنها لصديقه قاسملو فلبوا طلبه. مام جلال لم يكن يحب الكافيار أصلاً، وبعدما عاد إلى بغداد أعطى كمية الكافيار كلها إلى قاسملو. بعد أيام قال قاسملو لمام جلال إن السفيرة الأميركية وقتها في بغداد ابريل غلاسبي دعته إلى تناول الغداء معها فأهداها كمية من الكافيار وتناولا شيئاً منه على الغداء، من دون أن تعرف أنه أصلاً هدية قدمها أعداء الولايات المتحدة في الجمهورية الإسلامية لجلال طالباني الذي كانت الحكومة الأميركية تصنفه وقتها بان “ارهابي”!

ونحن في بغداد بعد عودتنا إليها من طهران كنا نترقب ونتابع أي تطورات محتملة في الوضع الكردي، ونعيش تداعيات انهيار ثورة “العام اليتيم”، وسط انشقاقات في الحركة الكردية وظهور أحزاب جديدة متنافسة من جهة، ولكن آمالنا انتعشت حين وصلنا في منتصف العام التالي، خبر تجدد الثورة التي بدأها في وقت متقارب الحزبان الرئيسيان “الديموقراطي الكردستاني” و”الوطني الكردستاني” الذي كان أسسه جلال طالباني قبل ذلك بعام. الأول أعلن أنه بدأها في 25/5/1976 بارسال مجموعة من المقاتلين إلى جبال كردستان، مؤلفة من 25 بيشمركة، والثاني يسجل في تاريخه انه بدأها في 1/6/1976 بإرسال أول مفرزة من بيشمركته مؤلفة من 38 عنصراً، تسللت من الأراضي السورية إلى داخل كردستان العراق. بالنسبة إلينا، كنا نشعر بالأمل واليأس، وكذلك بالتشاؤم والتفاؤل، في آن واحد. إذ اقترن تجدد الثورة في الجبال بتفاقم التنافس بين رفاق السلاح بالأمس إلى حد الاقتتال في ما بينهم. إلى ذلك، كنا نتابع أخبار قائد الثورة مصطفى بارزاني، الذي علمنا أنه مصاب بالسرطان الذي أنهكه، وفي النهاية ترك إيران وتوجه إلى الولايات المتحدة للعلاج إلى أن توفي في واشنطن في 1/3/1979، فتولى قيادة الحزب بعده نجلاه ادريس ومسعود. كنا مجتمعين في بيت الدكتور كمال مظهر عندما صدمنا بنبأ وفاته فتذكرنا لقاءنا به، في مثل ذلك الشهر قبل 4 أعوام تماماً، في مقره في حاج عمران واستعدنا تفاصيل اللقاء.

في حلقة مقبلة، سأتحدث عن مصير قياديين في الثورة الكردية بينهم دارا توفيق وصالح اليوسفي وعلي عسكري والدكتور خالد وغيرهم، الذين عادوا إلى العراق بعد انهياره، وعن حملة قمع وإعدامات شملت جيلاً جديداً من السياسيين الكرد، فيما كانت نشاطات البيشمركة تتوسع في جبال كردستان.

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(9):نهاية ثورة وبداية أخرى

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(8): الكرد والعرب والأخوّة التي استحالت حرباً

 

 

 

إقرأ أيضاً