fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

كاتب فرنسي يكشف خفايا في الفاتيكان: حفلات جنسية ومخدّرات واعتداءات على أطفال

“سيكون لدينا ما يكفي من الوقت لإجراء المقابلة لاحقاً، لنَذهب الآن لمُشاهدة فيلم”. هذا ما أكده لي الكاتب الفرنسي والصحافي المتخصص في علم الاجتماع، فريديريك مارتل، عندما قابلته. كنت وصلت إلى باريس قبل ساعتين كي أجري مقابلة معه حول كتابه الجديد “في خزانة الفاتيكان: السلطة والمثلية والنفاق”In the Closet of the Vatican: Power, Homosexuality, Hypocrisy، (من إصدار دار بلومزبري للنشر، وهي ترجمة إلى الإنكليزيّة من الفرنسيّة قام بها شون وايتسايد)، الذي يتحدث عنه العالم أجمع. لقد شعرت بالإطراء لأن أحد المؤلفين المشاهير في أوروبا، وفي العالم الغربي، وافق على تخصيص وقتٍ مميّز لإجراء مقابلة معي، على رغم انشغالاته.

صدر كتاب مارتل بعددٍ من اللغات في وقت واحد، وسيُترجم إلى عشرات اللغات الأخرى. فقد تصدَّر الكتاب قائمة أكثر الكتب مبيعاً في فرنسا والبرتغال وكيبيك وبلجيكا وسويسرا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وإنكلترا، بعد أربعة أيام فقط من إصداره في 20 شباط/ فبراير الماضي. ونشرت صحيفة “التايمز” اللندنية مراجعةً طويلة أعدّها أحد أساتذة الدراسات الدينية في جامعة أوكسفورد، أشادت فيه بالكتاب.

على رغم ضيق الوقت، أصر مارتل (51 سنة) على أهمية أن نُشاهد فيلم المخرج الفرنسي فرانسوا أوزون الجديد “بنعمة من الله”By the Grace of God، لأنه يُعَدّ خلفية أساسية للمقابلة التي سأُجريها معه؛ إذ يروي القصة الحقيقة لمجموعة من الرجال من مدينة ليون، تعرضوا لاعتداءات من قِبَل كاهن وسيم حسن المظهر، كان يقود حركة شباب الكنيسة الكاثوليكية في مدينتهم حين كانوا صغاراً. وقد تألموا طوال حياتهم من الآثار الجسدية والنفسية بسبب ذلك. عانى جيل كامل من الصِبْية من تلك الاعتداءات التي كان آباؤهم وكاردينال مدينة ليون على علمٍ بها. وأخيراً، استجمع بعضُهم الشجاعة اللازمة لفضح الكاهن والكاردينال المُخادع الذي تم التستر عليه في الأبرشية.

عندما وصلنا، كانت قاعة السينما في مركز ليه هال التجاري مكتظة. أوضح مارتل أن السبب في ذلك هو أن الصحف ونشرات الأخبار في ذلك اليوم تناولت بإسهاب الحديث عن تلك الإدانة – وهي التستر لعقود على الاعتداءات الجنسية التي قام بها هذا الكاهن – ما أجبر الكاردينال أخيراً على الذهاب إلى روما وتقديم استقالته إلى البابا، الذي رفضها بدوره.

على رغم أنّ كتاب مارتل يتناول موضوعاً مماثلاً، إلّا أنّه استعرض الأمر من زاوية مختلفة. إذ إن كتاب “في خزانة الفاتيكان” (الذي يُترجم عنوانه حرفياً من اللغة الفرنسية “سدوم: تحقيق داخل الفاتيكان”) هو ثمرة بحث المؤلف بعدما أمضى آخر أربع سنوات من منتصف العقد الحالي، يعمل مُتخفّياً في أروقة مدينة الفاتيكان.

البداية…

بدأت تلك المغامرة عندما أرسله منتجو برنامجه المعتاد الذي يُذاع على موجات الإذاعة الرسمية الفرنسية إلى مدينة روما، ليكتب قصة حول تدفقات اللاجئين من سوريا وأفريقيا. وهناك تعرّف مارتل للمرة الأولى إلى شبكة من المهاجرين الشباب الذكور، الذين كانوا يعملون في ممارَسة الدعارة في المنطقة المحيطة بمحطة القطار الرئيسية في روما. أخبروه عن المنظومة واسعة النطاق من العلاقات الجنسية المثلية التي أقاموها مع رجال الدين الشباب وكبار الشخصيات على حدٍّ سواء في الفاتيكان. ولذا قرَّر مارتل إجراء المزيد من البحث حول هذا الأمر.

قدَّم طلباً عبر السفارة الفرنسية في الفاتيكان، لكتابة كتاب حول دولة الكنيسة المستقلة ذاتيّاً. تمّت الموافقة على الطلب، ومنذ تلك اللحظة فُتحِت أمامه أبواب عالم لم يتخيَّل وجودَه من قبل. فقد تحدث إلى مئات الكهنة والمعاونين وعشرات الشخصيات رفيعة المستوى، ودُعي إلى غرف الكرادلة الخاصة، والتقى شباناً في مجال الدعارة، وأجرى مقابلات مع أعضاء من الحرس السويسري البابوي وغيرهم. وقارَن الشهادات بدقّة وحذَر، وتحقّق من صحة الشائعات بمساعدة المعلومات التي تلقاها من الشرطة الإيطالية.

في تلك الفترة، تردد مارتل على الفاتيكان ذهاباً وإياباً، وعمل على تسجيل انطباعاته، وشحذ أفكاره وإرهاف ذهنه. ثمّة فقرة في كتابه يذكر فيها كيف وجد مظلّة بألوان قوس قزح -التي ترمز إلى مجتمع المثليين جنسيّاً- عند مدخل دار الضيافة الرسمي التابع للفاتيكان، وسأل: مَن صاحب هذه المظلة، وما سبب وجودها في هذا المكان الذي يُعدّ بمثابة قدس الأقداس؟ وبطريقةً ما صار وجود مارتل يشبه وجود تلك المظلة: أي أن الناس اعتادوا وجوده، لدرجة أنهم توقفوا حتى عن السؤال عمّا كان يُخطِّط لكتابته حقاً. وهكذا تمكّن من جَمع معلومات قيِّمة عن شتّى ألوان الفسوق والسلوك الإجرامي الذي تفشّى في أعلى مستويات الكنيسة الكاثوليكية، حول الحفلات الجنسية والمخدرات داخل مقر الإقامة البابوية، وحول العاهرات والتحرش الجنسي، وبالطبع أيضاً حول الاعتداء الجنسي على الأطفال. وكانت النتائج التي توصَّل إليها مروِّعة ومذهلة، وفي بعض الأحيان مسلّية وتستحقّ أن تُصبِح فيلماً سينمائياً.

فحْوَى ما يقوله مارتل هو أن هناك نسبة عالية للغاية من المثليين السريّين من بين قيادات الكنيسة، لا يستطيعون تحت أي ظرف من الظروف الاعترافَ بميولهم الجنسية. بل على العكس: فهم ينكرون ذلك دفاعاً عن النفس، ويحمون سريّة الفسوق الجنسي، ويتعاونون مع الأنظمة الرجعية المتطرفة في جميع أنحاء العالم، ويضطهدون المثليين، ويعظون باستمرار ضد كل ما يعتبر تساهُلاً جنسياً – بما في ذلك الرفض التام لاستخدام وسائل منع الحمل، ويبدون عداءً قوياً تجاه الإجهاض.

يقول مارتل “يبدو في ظاهر الأمر أننا نعلم جميعاً -أو على الأقل يمكننا التخمين- أن الكنيسة الكاثوليكية -ولا سيما بالنسبة إلى أولئك الذين يشغلون المناصب العليا من القيادات- هي جنّة للمثليين، وذلك لسبب بسيط هو أن الرهبان مأمورون باتباع نذور العفة ويُحظر عليهم الزواج. وليس هناك شيءٌ أكثرَ ملاءمة لشاب يريد إخفاء ميوله الجنسية نحو الرجال من تكريس نفسه لدراسة اللاهوت لكي يصبح كاهناً. في الكتاب أشرح كيف تحوَّلَت هذه الجنة الوهمية إلى جحيم حقيقي، إلى قرية سدوم الملعونة، التي وجد سكانُها أنفسَهم سجناءَ داخل أسوارها طوال الوقت، من دون أيِّ أملٍ في الخروج من دائرة الإنكار والنفاق التي أصبحت على ما يبدو عادةً راسخةً بعمق في شخصيتهم”.

وأضاف “كما حدَّدتُ في الكتاب سببَ الكارثة، في سياق ثورة التحرر الجنسي، التي دفعت بالكنيسة أكثر نحو المثلية الجنسية، وفي الوقت نفسه جعلتها أكثر كراهيةً للمثليين، بل وأكثر إنكاراً لحقيقتها العارية. وأعتقد أن الأمرَ وصل الآن إلى نقطة اللاعودة؛ بعد الكشف عن الكثير من حالات الاعتداء الجنسي والاستغلال الجنسي للأطفال والفساد الجنسي داخل الكنيسة”.

ليست هذه المرة الأولى التي يتصدى فيها مارتل – أعلن عن ميوله الجنسية المثلية في سن مبكرة- لظاهرة فساد أخلاقي مماثلة خلال حياته المهنية في الصحافة. في الواقع، يُمكن اعتبار كتابه “في خزانة الفاتيكان” تَتِمّةً -ربما على مستوى أكثر تعقيداً، من جهة التفاصيل وأسلوب الكتابة- لكتابه الأول “الوردي والأسود، المثليون جنسياً في فرنسا منذ عام 1968″The Pink and the Black, Homosexuals in France Since 1968، الذي أثار عاصفةً من الجدل عند نشره في فرنسا عام 1996. يتناول مارتل في هذا الكتاب نشأة حركة تحرُّر المثليين في الغرب، ويتّهم مجتمع المثليين في فرنسا بعدم الاكتراث تجاه وباء الإيدز في حقبة الثمانينات.

اليأس الذي تملَّك بنديكتوس السادس عشر

لم يكن كثيرون في الكنيسة الكاثوليكية سعداءَ بما كتبه مارتل عن الفاتيكان. ولذا دفعني ذلك إلى سؤاله عن السبب الذي جعل الناس يفتحون له الأبواب دون شك، وذكّرتُه بما قاله لي من قبل إن بعض قادة الكنيسة في فرنسا كانوا ينشرون الشائعات بأنه تم تكليفه من قبل البابا الحالي فرانسيس لتأليف هذا الكتاب، من أجل تشويه سمعة خصومه من قيادات الكنيسة؛ غير أنّه أعرب عن رفضه الشديد لهذه الاتهامات، وقال “كل هذه ترّهات. لقد نجحتُ في اختراق الفاتيكان لأنني فرنسي. لو كنت صحافياً إيطاليّاً لَمَا شاركوني أسرارَهم. كما أنني لم أُثِر شكوكهم لأنني بدوتُ شخصاً يدفعه الفضولُ الذي لن تنجُم عنه أضرار”.

يقول مارتل إنه خلال السنوات التي كان يُعَد فيها ظاهرياً أحدَ أفراد العائلة في مدينة الفاتيكان، كان هدفاً للنظرات الشهوانية والملاطَفات الجنسية أينما ذهب.

سألت مارتل عما إذا كان الدافع وراء كتابة هذا الكتاب يتعلق بتجربة شخصية شهدها بنفسه، عندما كان شاباً، فربّما مرَّ بتجربة مماثلة لتلك التي تحدث عنها فيلم أوزون. أكّد لي أن الأمر ليس كذلك، على رغم أنه التحق بمدرسة كاثوليكية حتى سن الثالثة عشرة؛ إذ يتذكّر بوضوح كاهنَ القرية ذا الشخصية المؤثرة في محيطه، ويكتب عنه بشغف منقطع النظير في خاتمة الكتاب. كان اسمه لويس؛ وقد علم مارتل بعد ذلك أنّه كان مثليّاً وأنه مات بسبب الإيدز.

يرسم الكتاب صورة إيجابية للبابا فرانسيس؛ فعلى رغم كل شيء، يحاول بكل ما أوتي من قوة القضاءَ على ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال التي انتشرت بين الكهنة، والتخلّص -قدرَ الإمكان- من النفاق الذي أصبح متأصلاً بين رجال الدين، خصوصاً في ما يتعلق بالمثلية الجنسية. ولكن لم يتلقَّ مَن سبقوا فرانسيس في كرسي البابويّة المعاملة ذاتها. فقد وجَّه مارتل سهامَ نقده على وجه الخصوص إلى اثنين من الباباوات تسبَّبا -من وجهة نظره- في إحداث الأضرار الهائلة التي لحقت بالكنيسة، وتقع على عاتقهما إلى حد كبير مسؤوليةُ التدهور الأخلاقي والنفاق والميل إلى الخداع، التي اتسمت بها الكنيسة: وهما البابا الألماني، جوزيف راتزنغر، الذي يُعرف باسم البابا بنديكتوس السادس عشر (2005-2013)، والبابا بولس السادس (1963-1978).

يقول مارتل “عندما أدرك راتزنغر أن أوروبا لم تعد مقتنعة بآراء الكنيسة المحافظة والكارهة للمثليين، وأن المجتمع الغربي المستنير بأسرِه يتّجه نحو السماح بزواج المثليين، ارتكب خطأً فادحاً وأقام صداقاتٍ مع أسوأ الأنظمة الدكتاتورية، بما في ذلك الدول الإسلامية المحافِظة التي تضطهد المثليين. وكانت تلك أيضاً سياسة الكنيسة خلال عهد البابا بولس السادس”.

إلّا أنّ الجدران الفولاذية التي تشكلت من الفكر المحافظ لم تكن سوى مجرد واجهة زائفة. وخلف تلك الجدران داخل أروقة الفاتيكان -بحسب قوله- وُجِدت قرية سدوم، وازدهرَت أنشطتُها “بما في ذلك حفلات الجنس المثليّ ومعاقَرة المخدرات القوية المسبِّبة للإدمان، التي أقيمت داخل مقر الإقامة البابوية نفسه”. وأردف قائلاً، “تناولتُ في كتابي هذه الحقبة التي حدثت خلال عهد بنديكتوس السادس عشر، وكُشف عنها في وقت البابا الحالي – عن الحفلات التي كانت تجمّعات كبيرة من العربدة والانغماس في الشهوات، مورس فيها أحياناً الجنس مصحوباً بمعاقرة المخدرات القوية، في مزيجٍ خطير، مع ارتداء المدعوّين ملابسَ مثيرة. كُشِفَت كل تلك المعلومات في الصحافة الإيطالية في صيف عام 2017. وتبين أن المونسنيور لويجي كابوزي، السكرتير الخاص للكاردينال فرانشيسكو كوكوبالميريو لما يزيد عن 10 سنوات، قد أُلقِيَ القبض عليه من قِبَل شرطة الفاتيكان للاشتباه في قيامه بتنظيم حفلات الجنس والمخدرات في شقته الخاصة في الفاتيكان”.

وأضاف مارتل “عاش كابوزي -الذي كان البابا يبجِّله كثيراً- في جناح داخل مقر الإقامة البابوية نفسه”. وتابع قائلاً “أنا أعرف المبنى جيداً، لأنني تناولت العشاء هناك مرات عدة. يفتح أحد مداخل هذا الجناح على منطقة تخضع للسيادة الإيطالية، بينما يفتح المدخل الآخر على الفاتيكان. ولذا كان جناح كابوزي في موقع مثالي لتنظيم الحفلات من هذا النوع. فمن ناحية، لم يكن لدى الشرطة الإيطالية السلطة لتفتيش الجناح -وينطبق هذا أيضاً على سيارته الدبلوماسية- نظراً لأنّه يقع داخل الفاتيكان. ولكن من الناحية الأخرى، كان بإمكانه مغادرة شقته من دون المرور على الحرس السويسري البابوي؛ لأن أحد الأبواب يفتح مباشرة على منطقة تخضع للسيادة الإيطالية. ومنذ ذلك الحين فُضِح كل شيء في وسائل الإعلام. وأدخِلَ كابوزي المستشفى في عيادة بيوس الحادي عشر ولم يُرَ علناً مرة أخرى. ولأنه حتى الآن لم يخضع للمحاكمة بتهمة تعاطي المخدرات القوية وتوزيعها، فهو لا يزال بريئاً حتى تثبت إدانته”.

ليست هذه هي القضية الوحيدة التي يذكرها مارتل من فترة بنديكتوس السادس عشر. فقد كرَّس فصلاً خاصاً في الكتاب لزيارة البابا إلى كوبا عام 2012، التي كان من المفترض أن تكون حدثاً تاريخياً في آخر معاقل الشيوعية، لكنها دمَّرَت البابا. فبدعمٍ من شهادات شخصيات رفيعة المستوى في الفاتيكان الذين رافقوا البابا خلال تلك الرحلة، وتقديمِ وصفٍ واضحٍ وملموس، عكَسَ هذا الفصلُ الشعورَ باليأس الذي تملَّك البابا عندما أدرك مدى تفشي ظاهرة البغاء المثليّ والاعتداء الجنسي على الأطفال في الكنيسة الكوبية. وما كان بشعاً بشكلٍ صارخ في القضية الكوبية هو أن نظام كاسترو كان يدرك ما يحصل داخل الكنيسة وغضَّ الطرف عنه، في مقابل تعاون مطرانيّة هافانا الكامل مع النظام.

كل هذا أدَّى إلى استقالة بنديكتوس عام 2013، كما يُشير مارتل. وقد كتب أنَّ هذه الاستقالة، على رغم استثنائيتها، لم تكن فريدة من نوعها في تاريخ الكنيسة. وفي حين كان السبب الرسمي للاستقالة هو سوء صحة البابا، يرى المؤلف أنه تنحّى على إثر اليأس التام الذي شعَرَ به خلال زيارة كوبا.

“عالَمان من البؤس”

يكرّس مارتل أيضاً فصلاً طويلاً للرجل الذي كان -بحسب رؤيته- أكثر بابا مكروه – وهو البابا بولس السادس، أحد أكثر قادة الكنيسة الكاثوليكيّة صرامةً ومحافظةً. في مواجهة الثورة الجنسيّة في ستينات القرن الماضي، زاد هذا البابا موقفَ الكنيسةِ تشدّداً: فعارَضَت حبوبَ منع الحمل، وعارضت الاستمناء والمثليّة الجنسيّة. لكن، وكما في حالاتٍ عدّة اتضّح فيها لاحقاً أنّ أكثر المقاتلين حماسةً ضدّ الإباحيّة الجنسيّة كانوا هم أيضاً أوّل المشتبه بهم، يفصّل مارتل الأمر بشأن الشائعات والثرثرات التي ذاعت وانتشرت في الصحافة الإيطاليّة حول علاقة رومانسية بين الحَبر وممثّل مسرحي وتلفزيوني يُدعَى بالو كارليني، وعن الإنكارات القويّة ثم الإقصاء النهائيّ للشكوك من قِبَل راتزينغر نفسه، لا غيره، الذي وقّع على المرسوم الذي نتج عنه لقب “المبجَّل” ثم درجة القداسة التي مُنِحَت لبولس.

إلّا أنّ الخيانات المحرّمة في دولة الفاتيكان نفسها ليست بالأمر الجوهريّ في كتاب مارتل. الأكثر بعثاً على الصدمة، على رغم متعته، هو الفصل الذي يتناول كيفية جلب الفاتيكان الحرّاس الذكور والمثليين (مع تفضيل المسلمين العرب)، من منطقة “ترميني”، محطّة القطار الرئيسيّة في روما. هذه المعلومات أوليّة ومباشرة، فقد أجرَى مارتل أبحاثاً ميدانيّة بنفسه. وكما شرحَ لي الطريقة، قال “لإجراء تحقيق حول الصلات الجنسيّة بين مثليين مسلمين من محيط محطّة القطار الرئيسيّة في روما وبين القساوسة الكاثوليك في الفاتيكان، أجريتُ على مدار ثلاث سنوات مقابلاتٍ مع حوالى 60 مثلياً في روما؛ وفي معظم الحالات كان هذا بمساعدة مترجمين”.

من أيّ لغة؟ وإلى أيّ لغة؟

“كي تتعرّف إلى عالم الدعارة الذكوريّة في محيط المحطّة المركزيّة في روما، فأنت بحاجة إلى أن تكون متعدد اللغات: تتحدّث الرومانية والعربية والبرتغالية والإسبانيّة. ساعدني كثيراً في الإحاطة بما يحصل هنالك شاب يُدعَى محمد، أمدّني بمعلوماتٍ حول ما يحدث في الحيّ، مقابلَ بعض المشروبات أو الوجبات. محمد تونسيّ يعمل مع صديقَيه بلال وسامي في ممارسة العلاقات الجنسية المثلية والدعارة الذكورية في روما. كان هناك متعاونٌ آخر، غابي، وهو عاهر رومانيّ شابّ من بوخارست؛ أخبرني أنّ أكثر الأيام ازدحاماً في العمل -من وجهة نظره- هي أيّام الجُمَع، حين يخرج القساوسة من الفاتيكان في أزياء مدنيّة، وأيّام الآحاد بعد الظهيرة، حين يدفعهم الملل في الفاتيكان إلى الخروج (إلى روما). يمكنه التعرّف إليهم من خلال الصلبان حول أعناقهم حين يتعرّون، ولكن أيضاً بدونها يستطيع تمييزهم بسبب الضغط الواقع عليهم. أحياناً يأخذه بعض القساوسة إلى داخل الفاتيكان. بحسب ما أخبروني، إن كان القسّ شخصيّة مهمّة فإنّهم سيتقاضَون أجراً كبيراً، يتراوح أحياناً بين 100 و200 يورو، فيما الأجر المعتاد لا يتعدى 50 أو60 يورو. أراني بعضُهم بفخرٍ أرقام هواتف القساوسة الذين يزورونهم بانتظام.

“أعرف أربعة كرادلة يصطحبون أقرانهم في العهر إلى بعض القصور أو الشقق الفاخرة خارج الفاتيكان، وأحياناً حتّى إلى مقرّ الإقامة البابويّة الصيفيّ في مدينة كاستل غاندلفو. ظاهرياً، الكرادلة الأربعة لديهم رُهاب المثليّة، وهم أيضاً يرتّبون بطريقة أو بأخرى ألّا يدفعوا من جيبهم نظيرَ تلك الخدمات الجنسيّة الباهظة: نحو 2000 يورو في الليلة”.

لديّ ستّ مقترحات من منتجين أميركيّين لإنتاج فيلم يرتكز على الكتاب، إلّا أنّ المشكلة تكمن في عدم استعداد أيّ أحد ليروي أمام الكاميرا ما قد ذكروه لي أثناء إجراء الاستقصاء

يبدو مشروعاً مربِحاً للغاية

”لنفترض أنّ الجدول اليوميّ لأحد أولئك الذين يمارسون مهنة البغاء من المثليين، متلائم بشكل مدهش مع الجدول اليوميّ للقساوسة. في الصباح الباكر، وأثناء اليوم، التقيتُ الكهنة والقساوسة والكرادلة لإجراء مقابلات. لم يكونوا على استعداد لإجراء أيّ نقاشات مهنيّة بعد السادسة مساءً. على العكس من هذا، في المساء التقيتُ بالعاهرين الذين لم يبدأوا أعمالهم حتّى السابعة مساءً. أي أنّ القساوسة كانوا متاحين للحديث معي حين كان شركاؤهم يغطّون في النوم، وكانت مقابلاتي مع شركائهم حين كان القساوسة منهكين إثر أعمالهم اليوميّة. كنتُ بحاجةٍ إلى استيعاب أنّ هذَين العالَمَين من البؤس الجنسيّ يعملان وفقَ تنسيق متبادَل”

دعنا نتحدّث قليلًا عن “الحرس السويسري البابوي”. في كتابك تشير إلى حارس يُدعَى “ناثانائيل” فتَح لك قلبه أثناء الحديث.

“التقيته سراً -واسمه هذا بالطبع اسم مستعار- نحو 10 مرّات. أخبرني بما يزعجه حقاً بشأن تقديمه خدماته في الفاتيكان: المغازلات اللحوحة والعنيفة أحياناً من قِبَل عدد من الكرادلة. ناثانائيل ليس مثلياً، وهو أيضاً ليس من أولئك الموصوفين بالتصالح مع المثليّين. أخبرني أنّه استفزّه الغضب إثر تلك المغازلات، بل حتّى أخبرني بأسماء بعض الكرادلة. لقد شعر بالاشمئزاز ممّا رأى، مع أنّه نذر أن يكون على استعداد بالتضحية بحياته من أجل البابا”.

هل اشتكى من ذلك أعضاء آخرون من “الحرس السويسري”؟

“نعم. بعدما غادرتُ الفاتيكان، التقيتُ عضواً سابقاً في “الحرس السويسري”. قال، مثل زميله، إنّه تعرّض للتحرش الجنسيّ عشرات المرّات من قِبَل شخصيّات بارزة في الفاتيكان. إحدى الأساليب، كما قال، هي استدعاء الحارس إلى غرفة النوم بذريعةٍ ما. وهناك طريقة أخرى هي ترك هدية على سرير الحارس مع بطاقة تحوي بيانات التواصل. أخبرني هذا الحارس أنّه أدرك أن لا مجال للشكوى من هذا التحرّش الجنسيّ، لأنّهم يتلقّون تهديداتٍ أنّهم إن تحدّثوا عن هذا فلن يجدوا عملاً؛ ولكن العكس أيضاً صحيح: لو لم يتحدّثوا، فستساعدهم الكنيسة في العثور على عمل حين يعودون إلى حياتهم المدنيّة في سويسرا”.

تكتب عن حرب “الكنيسة” على العادة السرّيّة. هل يمكن أن تشرح لي أسباب هذا الهوس بالتطفّل الصارخ على خصوصيّات الآخرين؟

“لقد أجريت مقابَلات مع بعض خرّيجي معاهد اللاهوت. في تقديري، 75 في المئة من هؤلاء الذين يدرسون في تلك المعاهد، هم مثليّون جنسياً؛ وجميعهم أخبروني أنّ العادة السرّيّة -التي كانت في الماضي أمراً لا يُذكَر في العَلَن- أصبحَت، بتعليماتٍ من الفاتيكان، قضيّة محوريّة في برامج تدريب القساوسة. لم يعد السبب هو وَصايا الكتاب المقدّس بشأن ألا يحرث المرء في البحر، ولكن السبب هو الرغبة في ممارسة الوِصاية الشاملة على الشباب المنتزعين من أهاليهم ومن أجسادِهم: إنّ الأمر هو نفيٌ للشخصيّة الفرديّة من أجل خدمة المجموعة. لقد صارت معارَضة الكنيسة للعادة السرّيّة فكرةً راسخة، وجنونيّة تماماً. يا لَه من عارٍ على الكنيسة التي تحارب الاستمناء أكثر من حربها ضد الاعتداءات الجنسيّة على الأطفال. هذا يلخّص الأمر تماماً”.

ألا تخشَى دعاوَى التشهير؟

”لديّ توثيق كامل ودليل لا يُدحَض لكل ما أوردته في كتابي. علاوةً على هذا، فإنّ كل تفصيلة تم تدقيقها من قِبَل مُحامِيَّ ويليام بوردون. في بعض الحالات طلَبَ منّي تخفيف نبرتي في بعض التفاصيل اللاذعة بشكلٍ مفرِط”.

التقيتُ المحاميَ النشيط على عشاءٍ طهوتُه في شقّة مارتل مساء السبت. قال بوردون، وهو يتنهّد بارتياح، إنّه حتى الآن لم تُرفَع أيّ دعاوَى تشهير من طَرَف القساوسة.

العلاقات الإسرائيليّة

في كتاب مارتل هناك زاوية إسرائيليّة يمكننا القول -في الواقع- إنّها زاوية مهمّة جداً، من دونها لما كان للكتاب أن يُكتَب. كان مارتل في إسرائيل منذ بضع سنوات لكتابة سلسلة مقالات عن كيفية توظيف التقنيات الفائقة في الزراعة. خلال رحلته أبدى اهتماماً مفاجئاً بالسؤال عن بقايا حفريّة لقرية سدوم الواردة في الكتاب المقدّس وعن موقعها: في إسرائيل أم الأردن. أوضَح له جميع الخبراء أنّ محاولات إثبات القصص الواردة في الكتاب المقدّس من خلال الوسائل الأركيولوجيّة لن تقود أبداً إلى جوابٍ شافٍ.

مثّل تنقيبه الشخصيّ عن قرية سدوم الواردة في الكتاب المقدّس فصلاً جميلاً في الحكاية؛ ولكن في نهاية المطاف لم يظهر هذا البحث في كتابه عن الفاتيكان لأسبابٍ تطول. يقول مارتل إنه التقى علماءَ آثارٍ، على الجانب الأردنيّ من البحر الميت، ربطوا بين قرية سدوم وتل الحمّام، شمال شرقي البحر الميّت، حيث كانوا ينقّبون. بعد فترة من الزمن، زار الجانبَ الإسرائيليّ؛ وهناك كانت سدوم مفهوماً بارداً، لا صلة بينه وبين التطوّر المتسارع في المنطقة. يقول إنّه دُهش لرؤية القرى التعاونيّة والمَزارع والفنادق الفخمة. زار مارتل -بصبحة أفياد، وهو مُزارِع محلّيّ- كهفَ لوط، وصعَدَ جبلَ بدوم. وعلم أنّ سدوم لم تُدمَّر لأنّ أهلها كانوا ذات ميول جنسية مختلفة؛ فهذه تعاليم الكنيسة، لا ما يذكره الكتاب المقدَّس.

على رغم هذا، قرّرَ أن يُعنوِن النسخة الفرنسيّة (الأصل) من كتابه عن الفاتيكان بعنوان “سدوم”. يرجع هذا إلى أنّ الذنب الأصيل لم يكن المثلية أو الاختلاف الجنسيّ، وإنّما فساد عام في المعايير الأخلاقيّة، لم يكن بالإمكان علاجه سوى من خلال تدميرِ المكان. وربّما هكذا أيضاً هي نظرته للفاتيكان: مكان موبوء بأفعال المثلية الجنسيّة، غير أنّ المثلية ليست لبّ المشكلة؛ بل المشكلة هي التدمير العام للفضائل الأخلاقيّة، ولا تمثّل الممارسات المثلية سوى انعكاس واحد لهذا، وإن كنّا لا ندري على وجه اليقين إن كان هذا سبباً أو نتيجة لهذه الأوضاع. على عكس مصير قرية سدوم التاريخيّة، يتنبّأ مارتل -مع بعض الحذر- بإمكان إصلاح الوضع في ظلّ قيادة البابا الحالي فرانسيس، الذي رفض -للمرّة الأولى- الاستسلام لنهج الكنيسة التقليديّ المتحفّظ تجاه المثليّة الجنسيّة؛ فعِوضَ توجيه اللوم إلى المثليّين، طرَح هذا السؤال البلاغي: “مَن أنا لأحكم عليكم؟”.

فريدريك؛ أظنّ أن كتابك ينبغي أن يكون نواةَ فيلم عظيم يتيح للناس فرصة أن يرَوا بأنفسهم جميع تلك الأمور غير المعقولة التي جرّبتها أثناء الأعوام الأربعة التي أمضيتها في الاستقصاء والبحث.

“فكّرتُ في هذا؛ وبالفعل لديّ ستّ مقترحات من منتجين أميركيّين لإنتاج فيلم يرتكز على الكتاب، إلّا أنّ المشكلة تكمن في عدم استعداد أيّ أحد ليروي أمام الكاميرا ما قد ذكروه لي أثناء إجراء الاستقصاء. وقطعاً لن تُفتَح أبواب الفاتيكان الخفيّة أمامي كما فُتِحَت من قبل”.

هذا المقال مترجم عن haaretz.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

 

“ليست خزانة بل زنزانة”: القساوسة الكاثوليك مثليّو الجنس يتحدّثون جهراً

 

إقرأ أيضاً