قنديل البحر في الأهوار: التنوع الأحيائي العراقي في خطر

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كشف باحثون عن وجود قناديل البحر في مياه الأهوار الحلوة بسبب حركة مياه البحر، وهي ظاهرة غريبة ومضرة. هذا مثال على المتغيرات البيئية التي تحصل في العراق، إذ وصلت ملوحة البحر إلى الأهوار وهي باشرت في الفتك بكائنات أخرى.
قنديل بحر وجد في الأهوار

لاحظ أحد صيادي الأسماك عام 2016، نوعاً من أنواع قناديل البحر في هور الحمار جنوب العراق. ودفع وجود هذا الكائن الهُلامي في مياه الأهوار الحلوة، الباحثين في منظمة طبيعة العراق إلى البحث عن أسباب لجوئه إلى حاضنة ليست له ولا تلائم نمط حياته في التكاثر والحصول على الغذاء. بعد أشهر من التعاون البحثي بين الباحث ليث العبيدي في طبيعة العراق وباحث برازيلي، هو أندريه كارارا أورانديني، مختص بحياة قناديل البحر وأنماط حياتها، تم تحديد أصل قنديل البحر (كاتوستيليوز بيريزي)، إذ لم يلحظ وجوده في العراق قط. ووصل قنديل البحر مع صعود اللسان الملحي من الخليج العربي إلى هذا الهور العراقي بحسب ليث العبيدي، وذلك بسبب التغيرات الحاصلة في مياه البحر والأهوار معاً.

يذكر أن هورَي الحمار الغربي والشرفي متصلان بمجرى التصريف الرئيسي جنوباً ومن ثم بميناء خور الزبير وصولاً إلى الخليج العربي. وتتأثر أجزاء من هذين الهورين بالمد والجزر في البحر بسبب اتصالهما المباشر به وبتقلبات حركته التصاعدية الناتجة عن ضعف التدفق المائي في نهري دجلة والفرات.

يرى العبيدي أن سبب وجود قنديل البحر في مياه الأهوار الحلوة، “هو حركة مياه البحر، وهي ظاهرة غريبة في الحقيقة ومضرة، ذاك أن الأحياء الأخرى في مياه الأهوار تتأثر بسلوكه ونمط حياته وتكاثره، ناهيك بأنه يحمل معه نوعاً من السموم، تحديداً في طبقته الجلدية الخارجية، لم تعتد عليه الأحياء في هذه المسطحات المائية، وهي سموم تؤذي البشر أيضاً”. هذا مثال واضح على المتغيرات البيئية التي تحصل اليوم، إذ وصلت ملوحة البحر إلى الأهوار.

في الوقت الذي تجلب ملوحة مياه الأهوار نوعاً من قناديل البحر، ها هي تفتك بكائناتها الأخرى المقيمة فيها. ويقول العبيدي في هذا السياق، “هناك أنواع من الأسماك مهددة بالانقراض، أسماك البنّي على سبيل المثال إذ قلّت أعدادها بشكل واضح، بينما تأخذ أسماك أخرى أكثر من مساحتها الحقيقية في هذه البيئات. وقد دمّر الجفاف الأسماك في هور الحمّار والأهوار الوسطى، ذاك أنها تحولت إلى ساقيات مياه ضحلة تعاني من تلوث مميت”.

إلى جانب ذلك، تُغير أنواع من الطيور، كانت تشكل الأهوار موئلها الموسمي أو الدائم للغذاء والتكاثر، وجهة هجراتها الموسمية والبحث عن حاضنات بديلة، ذاك أن المنطقة لن توفر لها ما كانت تقدمه من الغذاء والمياه في السابق. وهناك أنواع أخرى، قليلة العدد، مهددة بالانقراض بسبب الصيد الجائر مثل طائر الحباري والدرّاج العراقي، ناهيك بالطيور التي تُغير مسارات هجراتها نحو الأهوار بسبب المجازر التي تتعرض لها على يد السكان المحليين، مثل طيور الفلامينكو. ويؤكد باحثون عراقيون التقيت بهم في جنوب العراق، أن وضع طائر الدرّاج العراقي حرج للغاية، لأنه يعيش في المناطق الزراعية والبساتين وبالقرب من الشواطئ أيضاً، تالياً وبسبب سهولة تحديد مكانه واصطياده بأعداد كبيرة من قبل الجميع، تقل أعداده يوماً بعد يوم. يذكر أن الدراج العراقي مهدد بالانقراض عالمياً.

 

يكمن جزء كبير من الأخطار التي تواجه واقع التنوع الأحيائي في العراق في رؤية الدولة ومؤسساتها إذ لا ترى في الأهوار سوى مكان للقصب والمياه لا أكثر، إنما يكمن الجزء الأكبر منها في سياسات مائية تمارسها كل من تركيا وإيران حيال العراق كمقايضات أمنية وسياسية، حتى إن مات جميع الأحياء في بلاد “ما بين العطشين”.

 

إضافة إلى كل ذلك، يهدد القتل غير المشروع في جنوب العراق أنواعاً كثيرة من الحيوانات والطيور والزواحف في العراق. ولا يدخل القتل بحسب رئيس “جمعية نهرين العراقية للصيد المستدام” ليث الصالحي، “ضمن نطاق البحث عن الغذاء، بل يشمل كل حيوان أو طير يتحرك، حتى تلك الأنواع التي لا يؤكل لحمها، مثل قتل غرير العسل”. ويؤكد الصالحي أن البط أبيض الرأس واللقلق الأسود، وهما طيران مهاجران يأتيان إلى أهوار العراق سنوياً، يتعرضان للانقراض أيضاً، وذلك بسبب عدم تطبيق القوانين المتعلقة بحماية البيئة والتنوع الأحيائي، ناهيك بوجود وسائل مختلفة للصيد والقتل من قبل المتنفذين في السلطة أو أصحاب المناصب، الأمر الذي يشجع البسطاء على تجاوز مصادر الطبيعة والصيد الجائر. ويؤكّد ليث العبيدي كلام زميله، الصالحي، في ما خص القتل المتعمد أو غير الشرعي للطيور والحيوانات البرّية، مستشهداً بقتل قط الأحراش والقط البرّي من دون سبب يذكر، وهما من الحيوانات القاطنة في جنوب العراق.

وعلى رغم انضمام العراق إلى اتفاقية التنوع البيولوجي عام 2009 وقبوله عضواً عام 2012، إلا أن البلد يفتقد إلى أي محمية طبيعية لحماية تنوعه الأحيائي. وقد صدر تقرير علمي عن وزارة البيئة العراقية بعنوان “الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي والخطة التنفيذية في العراق 2015-2020″، إنما للتنوع الأحيائي والنظام البيئي واقع تراجيدي يتعارض كلياً مع البنود الواردة في التقرير، أي أنه حبر على ورق فقط.

كما أن الحروب التي مرّ بها العراق وفرضت سياسات عسكرية على كل شيء في البلاد، أهملت بالدرجة الأولى الجانب البيئي. وانعكس هذا الإهمال الذي استمر حتى بعد 2003 بشكل ملحوظ على الحياة البيئية التي لم تأخذها الحكومات الجديدة في الاعتبار. تالياً، أصبح هناك تراكمات ولم توضع لها خطط للاستنهاض بالبيئة والتنوع البيولوجي. وكان تجفيف الأهوار من قبل نظام صدام حسين بداية العقد الأخير من القرن المنصرم بغية السيطرة على المعارضين ومواقع اختبائهم، جزءاً من تلك الحروب التي شُنت على طبيعة العراق، وتمخضت عنها هجرة طيور كثيرة موئلها القديم والاستيطان في واحات اصطناعية في البلدان المجاورة.

الدراج العراقي.. طير مهدد أيضاً

بعد عقد من انتعاش المنطقة بتمويل المؤسسات الدولية بعد 2003، تتكرر قصة الأهوار التراجيدية بفعل فاعلين؛ “خارجي وداخلي”، ويصيب الجفاف أكثر من 85 في المئة من مساحاتها اليوم، فيما تعاني مساحاتها الباقية من سوء جودة المياه بسبب انخفاضها وصعود اللسان الملحي والملوثات التي تنقلها إليها الأنهار من المحافظات الوسطى في العراق وإليها. تالياً، لم تبق هذه المسطحات المائية العراقية كما في سابق أزمانها حيث كانت تستقبل أنواعاً كثيرة من الطيور المستوطنة أو المهاجرة وتوفر لها المأوى والغذاء والمياه، ناهيك بالأسماك المتنوعة.

قصارى الحديث، أن التنوع الأحيائي وبسبب التلوث في التربة والمسطحات المائية والمناخ، ناهيك بالحروب والصيد الجائر وغياب قوانين من شأنها تقليل المخاطر على الحياة المائية والبرّية، في وضع حرج في جنوب العراق. وفي هذا الصدد، يقول الباحث في التنوع الأحيائي حيدر عيدان: “هناك على سبيل المثال حيوان من فصيلة الوشق انتهى ولم نعد نراه في الجنوب العراقي، كما انقرض غرير العسل وبالكاد نلاحظ وجود الغزلان، وهكذا بالنسبة إلى الزواحف التي بدأ قسم منها يزحف نحو المدن التي توفر لها الغذاء وأصبحت موئلها الجديد”. ويشير حيدر عيدان إلى أن التغير المناخي يتمثل بعواصف ترابية وغبارية أيضاً تصل إلى 200 يوم من أصل 365 يوماً في السنة، وتشكل تهديداً جديداً للتربة والمياه، والتنوع البيولوجي بطبيعة الحال، في العراق.

يضاف إلى ما سبق قطع الأشجار وتحويل المساحات الخضراء إلى مبانٍ سكنية أو زراعية والتجاوزات على مصادر المياه التي ما زالت تُدار وفق سياسات قديمة، لا تعتمد التقنين والأنظمة التكنولوجية الحديثة. تالياً، يكمن جزء كبير من الأخطار التي تواجه واقع التنوع الأحيائي في العراق في رؤية الدولة ومؤسساتها إذ لا ترى في الأهوار سوى مكان للقصب والمياه لا أكثر، إنما يكمن الجزء الأكبر منها في سياسات مائية تمارسها كل من تركيا وإيران حيال العراق كمقايضات أمنية وسياسية، حتى إن مات جميع الأحياء في بلاد “ما بين العطشين”.

 

إقرأ أيضاً:

سياسيو العراق يقتلون أسماكه

العراق .. مواجهة التاريخ مواجهة الذات

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

تحسين الزركاني – صحافي عراقي
يفتك الجفاف والمياه الملوثة بنساء قرية البورويشد وقرى أخرى في جنوب العراق قبل الجميع وتتم مواجهة الأمراض بالصمت.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
ماذا يعني أن يعترف شعبٌ كاملٌ في الأردن بأنّ نساءه مُستهدفات في حرب مفتوحة بدأت منذ قرون ولم تنتهِ بعد؟ ماذا يعني أن يقرّ شعبٌ كاملٌ بأن في عتمة البيوت فنون تعذيبٍ مُعَدّة خصوصاً لقهر النساء وكسرهنّ؟
زهير جزائري – كاتب عراقي
نخطو ونحن نحسب خطواتنا بإيقاع نبضنا. لم نكن على قناعة بأن المعركة تستحق كل هذا الدم.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
المزاج السيئ الذي أعانيه في بداية كل شتاء، ليس قدري وحدي
زهير جزائري – كاتب عراقي
صيادو القنابل الغازية يتحركون وسط الساحة بحيوية، كل خبرات كرة القدم في الأزقة الضيقة تستخدم هنا لاعادة الكرة بركلة واحدة إلى مرمى الخصم
ميزر كمال- صحافي عراقي
عشرات الضحايا سقطوا في احتجاجات العراق. هذا التحقيق يوثق كيف تعمدت قوى الأمن العراقي استهداف المحتجين بقنابل الغاز المسيل للدموع …