fbpx

هنا القصة الثالثة

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

قطر تريد العدالة لخاشقجي لا  للسودانيين…

“لولا تراجع الالتزام بالمواثيق الدولية وقيم الحوار والتعايش وحقوق الإنسان والاحترام المتبادل لما تفاقمت أزمات منطقتنا وتكاثرت ولما تعمقت تحديات الهجرة واللجوء والفقر والتنمية والإرهاب ..”هذه الجملة وردت في خطاب أمير قطر الشيخ تميم في منتدى الدوحة الأخير الذي عقد في 15 كانون الأول/ديسمبر، ووضعت كتغريدة على صفحته الرسمية على تويتر.

كان لافتاً حرص المشرفين على صفحة أمير قطر على إبراز هذه الجملة بالذات بصفتها التزام قطري رسمي بقيم العدالة. لكن، لم تكد تمض أيّام على قول الشيخ تميم أن منطقتنا تعاني من تراجع في حقوق الإنسان وفي تطبيق المواثيق الدولية، حتى كان أول زعيم عربي يبادر للاتصال بالرئيس السوداني عمر البشير، ليؤكد دعمه له في ظل التظاهرات التي اجتاحت السودان احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية والحياتية.

وهذه التظاهرات قوبلت برصاص حيّ وسقط فيها ضحايا تزداد أعدادهم يومياً، فيما تم توقيف العشرات وتسريب الكثير من أشرطة الفيديو التي توثق للعنف الذي يجري فيه التعامل مع المتظاهرين سواء في الشوارع أو في مراكز الاعتقال. وبالتأكيد لم يفت أمير قطر أن البشير يواجه المحتجين بشراسة وبأنه متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في بلده والتسبب بمقتل مئات آلاف الضحايا. لكن الشيخ تميم لم يجد غضاضة في ابتلاع كلامه الذي أعلنه في منتدى الدوحة وزين به صفحته على تويتر..

تجاهل إعلامي

لقد اشتعلت شوارع السودان فيما بقي البرود مسيطراً على التغطيات الاعلامية العربية بشكل عام وحتى الدولية. بدا الارتباك في الإعلام القطري أوضح من أن تخطئه عين، فالدولة التي استثمرت بشكل هائل في الإعلام، فباتت تحرك منابر تلفزيونية والكترونية ضخمة وتدعم تظاهرات وثورات بعينها وتغيب عن أخرى، تجاهلت مطالب السودانيين إلا من تغطيات خجولة بل وأعلنت انحيازها لمجرم حرب هارب من العدالة من خلال موقف صريح لرئيس الدولة..

السودان يشتعل وأمير قطر يدعم البشير فيما لا يزال الإعلام القطري يكرس كل طاقاته للتجييش باتجاه قضية واحدة هي اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي, الذي قضى بوحشية في جريمة تبدو مسؤولية النظام السعودي فيها واضحة. لكن قطر لا تسعى لعدالة يستحقها خاشقجي بقدر بحثها عن تسجيل نقاط في مرمى خصومها في السعودية.

 

علينا أن لا ننسى، أنه لولا الخلاف السعودي القطري لكانت مغرقة في صمتها لا بل مستمرة في مشاركتها في حرب اليمن ولكان خاشقجي لوحده في مواجهة قتلته.

 

حتماً ليست قطر وحدها من يدعم البشير، فالرئيس المطلوب للعدالة وجد احتضاناً من النظام السعودي، علماً بأنه حليف المملكة وجيشه يناصر الرياض في حرب اليمن. من هنا، لم يكن مستغرباً أن يكون البشير قد زار قبل أيام من الاحتجاجات دمشق والتقى بمستبد سوريا بشار الأسد.

المشاهد كثيفة وسريعة من حولنا، وهي في جوهرها إعادة تموضع لمستبدي المنطقة وتغيير مسارات إقليمية يأتي في سياقها فتح خط عربي باتجاه دمشق وتوسيع هذا الخط ليشمل اوتوقراطيي العرب.

توحي كل المؤشرات أن هناك رسالة مهمة استدعت تلك الزيارة المفاجئة التي قام بها البشير الى سوريا، فلا يمكن للرئيس السوداني أن يجري الزيارة ويقوم بهذه الخطوة اللافتة من دون علم الرياض أو التنسيق بشأنها. لقد أعاد البشير تعبيد خطوط دمشق مع دول عربية ولعلنا سنشهد مزيداً من الزيارات والاتفاقات.  هذا ما تقوله خريطة الاتصالات التي حصلت بعد زيارة البشير الى دمشق..

الثورات المضادة

يعتقد المعسكر المضاد للثورات، الذي تمثله السعودية والإمارات والبحرين وقطر ومصر وسوريا وحلفاء هذه الدول في اليمن وليبيا وتركيا وإيران وروسيا وأماكن أخرى، أنه لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، أي ليعودوا إلى الماضي، على المستقبل أن يشهد قمعاً مضاعفاً أكثر من أي وقت مضى. فالأوتوقراطيون يُرجعون سبب فقدهم السيطرة على الجموع في 2011، إلى أنهم لم يقمعوا شعوبهم بما يكفي.

لذلك، تبدو الأنظمة الجائرة اليوم أكثر رغبة من أي وقت مضى بتجاهل رغبات الناس. بالتأكيد هناك مؤيدون لهذا الاستبداد محليون ودوليون، في حين أن معظم المعارضين إما قتلوا أو يقبعون في السجون أو يعيشون في المنفى. والأنظمة أحكمت قبضتها أكثر من أي وقت مضى على المؤسسات الإعلامية.

بالنسبة إلى الأنظمة المضادة للثورات، فإن الأولوية هي منع تكرار ثورات عام 2011، والطريقة المثلى لذلك هي المزيد من القمع. من هنا يبدو ما راج في الإعلام بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سينتهي سياسياً في أعقاب مقتل خاشقجي، جهل بحقيقة المنطقة.

بن سلمان شخصية محورية في زمن القادة الجدد الذين يعيدون تشكيل الشرق الأوسط، وزمرة من الزعماء الاستبداديين تقف إلى جانبه، وما خصومة قطر وأميرها إلا صراع عائلي وشخصي في حين تبدو مصالح أهل البلدين آخر هموم أميري هذه الحرب.

من هنا، فأن يموت متظاهرون في السودان وأن يبقى البشير وبشار فهذه آخر هموم حكام هذه المنطقة من العالم. وهنا علينا أن لا ننسى، أنه لولا الخلاف السعودي القطري لكانت الدوحة مغرقة في صمتها  تجاه ما يحصل في اليمن لا بل مستمرة في مشاركتها في الحرب، ولكان خاشقجي لوحده في مواجهة قتلته.

إقرأ أيضاً:

أنا متأهّبة للمعركة… دائماً

Gavin Ford الذي مات بين أيدينا فصوّرْنا جثّته وصوّرْنا نفوسنا البشعة أيضاً

 

إقرأ أيضاً