fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

“الجاسوس”: قصة حبّ بين “نيتفليكس” و”الـ”موساد”

لإسرائيل رأفت هجانـ”ها” أيضاً، إنه إيلي كوهين، العميل الإسرائيلي الذي أُعدِم في دمشق عام 1965، ومثلما كان رأفت الهجان، المسلسل المُنتج مصرياً، غير رأفت الهجان الحقيقي، قدمت لنا “نتفليكس” قصة عن إيلي كوهين غير القصة التي ترويها زوجته عن حياته وعن علاقته بجهاز “موساد”. وأثناء مشاهدتك حلقات المسلسل الستّ، يحضر رأفت الهجان على نحو متواصل. فالسعي إلى أنسنة العمل الاستخباري من الهموم الرئيسة لكلا الإنتاجين، وهذا ما يولد مواقف درامية في غاية الافتعال والركاكة، ويُضعف أي ادعاء توثيقي في العمل الدرامي الذي يدعي اعتماده على جهد توثيقي، هذا على الأقل في the spy، الذي أنتجته “نتفليكس”.

استندت سلسلة “الجاسوس” عن كوهين إلى الكتاب الفرنسي L’espion qui venait d’israel، (الجاسوس الذي جاء من إسرائيل) للكاتبين أوري دان ويشياهو بن بورات. مخرج العمل هو الإسرائيلي المعروف جدعون راف،

والبطولة هي للممثل الساخر ساشا بارون كوهين وهو بريطاني يهودي اشتهر بسلسلة “بورات”، وأخيراً بـ”من هي أميركا”، ويلعب فيها دور ضابط “موساد” إسرائيلي يسخر بشكل كبير من خيارات اليمين الأميركي لجهة السلاح واللاجئين والتعذيب. وتمكّن من إقناع قيادات جمهورية أميركية باداء أفعال تظهر مدى يمينيتها. هذه السلسلة سببت انتقادات حادة لكوهين في إسرائيل بصفته قدم نموذجاً لضابط “موساد” يخاطب اليمين الأميركي.

لكن بارون كوهين، اليهودي الليبرالي وغير الإسرائيلي، عاد وسقط في فخ “موساد”، ذاك أنه تحول في سلسلة “نتفليكس” إلى مؤدي سيناريو موظف في خدمة رواية رومانسية، وهي ليست رومانسية “قيام الدولة” ولا الكيبوتز ولا ما قبلهما من حكايات عن الناجين وعن المحرقة، بل رومانسية “موساد”، الجهاز المتورط حتى عنقه بأعمالٍ لا تمت إلى رومانسية المخرج بصلة. وهذا في كل حال ما يسهل إثباته في قصة كوهين نفسه، وفي الفارق بين روايتي زوجته (وهي حية ترزق) وبين سيناريو سلسلة the spy. ففي السلسلة يظهر كوهين متقدماً مدربيه في الحماسة للمهمة التي أرسلوه إليها، وهذا ما أقلقهم، وما دفع برئيسه المباشر إلى التردد في إرساله، ذاك أن مواصفات الجاسوس الناجح بعض الخوف والكثير من العقل. أما نادية، زوجة كوهين اليهودية العراقية، وفي أكثر من مقابلة تلفزيونية، فقالت إن زوجها كان خائفاً ومتردداً، وإنه في زيارته الأخيرة إسرائيل كان يائساً ولا يرغب بمواصلة مهمته، إلا أن رؤساءه في “موساد” أجبروه على العودة، وهددوه إذا ما تراجع.

من دون أن يسقط المرء في فخ “المؤامرة”، يمكن أن يقول إن ثمة قصة حب بين “نتفليكس” وبين “موساد”.

من دون أن يسقط المرء في فخ “المؤامرة”، يمكن أن يقول إن ثمة قصة حب بين “نتفليكس” وبين “موساد”. The spy، هو المسلسل الثالث الذي تنتجه الشبكة الأميركية عن جهاز المخابرات الإسرائيلي، الأول كان سلسلة “الملاك”، وقصة علاقة صهر جمال عبد الناصر أشرف مروان بـ”موساد” والعمل كان شديد الانحياز والإعجاب برجال “موساد”، والثاني كان “من داخل موساد”، وهو أكثر الأعمال جودة لجهة الإنتاج ودقة التوثيق، إلا أنه شديد الافتتان بفعالية هذا الجهاز. هذه الفعالية التي تم توظيفها في أعمالٍ قذرة مثل مساعدة جهاز المخابرات المغربي على اغتيال المعارض مهدي بن بركة في باريس، يعرضها العمل بصفتها واقعة تكشف قدرات “موساد” من دون تعريض الفعلة إلى أحكامٍ أخلاقية. فبن بركة كان معارضاً مسالماً، والتعامل مع قتله بصفته إنجازاً، يضع العمل وشبكة “نتفلكس” التي أنتجته أمام أسئلة أخلاقية حول سر هذا الإعجاب وسر هذا الحب الكبير الذي تكنه ليس لإسرائيل، إنما لجهاز مخابراتها الخارجي.

الأرجح أن هذا الحب هو ما أضعف the spy، ذاك أنه أفضى إلى التغاضي عن ركاكة لم تخلُ منها معظم مشاهد العمل. فلا دمشق هي دمشق، ولا طبقتها السياسية التي اخترقها كوهين هي الطبقة السياسية التي نعرفها في ذلك الزمن. أما ذروة الافتعال فهي مشاهد الجبهة مع إسرائيل والتي زارها كوهين برفقة ضابط سوري تمكن من كسب ثقته في سهرة، وفي اليوم الثاني اصطحبه إلى الجبهة بسيارته “السبور” الحديثة. وهناك وقف كوهين يراقب عائلات إسرائيلية تعمل في الزراعة على ضفاف بحيرة طبريا. عائلات وأطفال من الجهة الإسرائيلية، وجنود وضباط فاسدون من الجهة السورية. المهمة ارتسمت على هذا النحو. المهمة هي حماية هؤلاء النساء والأطفال من هؤلاء الجنود القتلة!

في هذا الإنتاج أيضاً ما يساعدنا على فهم شيء في إسرائيل، ذاك أننا كنا نعتقد أن وعي مهزومين مثلنا هو ما أفضى إلى اختراع رأفت الهجان، فإذ بنا نكتشف أن لدى الإسرائيليين حاجة موازية. الأرجح أن هذه ليست حال الأدب في إسرائيل أو حال التاريخ، ذاك أن أعمالاً على هذين الصعيدين طرحت تساؤلات كبرى حول “أخلاق” الدولة وحول انتهاكاتها، لا بل حول وجودها نفسه. وهنا تبدو “نتفلكس” جزءاً من التحول الهائل الذي أصاب هذا الكيان، وصورة عنه، إذ لا يبدو أن هناك مكاناً في إسرائيل الجديدة، إسرائيل نتانياهو، لسينمائية مثل سيمون بيتون أو لمؤرخ مثل بيني موريس أو لأديب مثل آموس عوز، فهؤلاء على تفاوت مواقعهم طرحوا أسئلة صعبة على إسرائيل ما قبل نتانياهو.

The spy، هي أسهل عمل عن “موساد”، فقادة الجهاز منشغلون بالبعد التراجيدي لشخصياتهم وعملائهم، وهم إذ يصنعون المأساة خارج الحدود، إنما يفعلون ذلك لمنع تعريض اليهود لجينوسايد ثانٍ. هذه ليست فكرة عابرة في المسلسل، إنما جُسدت بمشهد يدخل فيه ضابط في “موساد” إلى مكتب رئيسه فيجده يستمع إلى أسماء ناجين من المحرقة النازية تم العثور عليهم، عساه يسمع اسمَي شقيقتيه اللتين فقد أثرهما في الحرب العالمية الثانية. “موساد” في the spy، جهاز عمل إنساني، وليس جهاز مخابرات وصلت ارتكاباته إلى المغرب العربي.

رقيب عربي في عقل “نتفلكس”

إقرأ أيضاً