fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

رسالة من سجينة إيرانية: “بدأت أنسى ملامح أطفالي”

نسرين ستوده، نرجس محمدي ونازين زاغري، ثلاث نساء إيرانيات استثنائيات، تتصدر أخبارهن هذه الأيام، المشهد العام في الجمهورية الإسلامية، وتنافس أخبار الانتكاسات اليومية، التي تسببت بها عودة العقوبات الأميركية، في السياسة والاقتصاد والمال والأعمال.

لكل واحدة من هؤلاء النساء معركتها الخاصة مع النظام، لكن دوافعهن تكاد تكون واحدة، مادامت مطالب إنسانية كالحرية والكرامة والحقوق المدنية هي غايتهن.

في 28 ديسمبر 2017 انفجر اعتراض النساء الإيرانيات على الحجاب الإجباري، في الشارع، بطريقة مختلفة عن الاعتراضات الكثيرة التي سبقته، منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية وفرض الحجاب دستوريا. ذلك أنه للمرة الأولى، لم يأخذ طابع التظاهر التقليدي، بل كان منظّما، فرديا وعلنيا في الوقت ذاته.

منظّم، حيث أنه خرج إلى الشارع بعد إطلاق حملة “الأربعاء الأبيض”، وإعلان تحوّلها إلى حملة “فتيات شارع الثورة”. فردي، حيث اشترط على المشاركة أن تعبّر عن اعتراضها بالخروج إلى الشارع وحيدة وليس عبر الاحتجاج الجماعي. علني، حيث أنه أتى بعد حملة “حريتي الخفية”، التي ملأت تطبيق “إنستاغرام” بصور نساء إيرانيات سافرات، يدرن ظهرهن للكاميرا، كي لا تُفضح هوياتهن.

الاعتراض الأخير أي “فتيات شارع الثورة”، كان جامعا لكل ما سبقه من اعتراضات، وكانت أولى بطلاته ويدا موحد، ثم كرت سبحة الأسماء: نرجس حسيني، مريم شريعتمدار، شابرك شجري زادة وأعظم جنكرو وغيرهن.

شرطة الآداب التي أصيبت بهستيريا “فتيات شارع الثورة”، اعتقلت كل المشاركات اللواتي شاركن في حملة الاعتراض، وكان لا بد من محام شجاع يدافع عنهن ويرافع باسمهن أمام محاكم الثورة، وهنا برز مجددا، اسم المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان نسرين ستوده، التي أعلنت منذ اعتقال أولى المشاركات، أنها ستتكفل بمهمة الدفاع عن حرياتهن. لم تدم مهمة ستوده طويلا، حيث لُفقت لها تهمة التآمر على النظام، واعتقلت ورميت في السجن، وهي ماتزال قابعة منذ حزيران الماضي، في زنزانة غير مستوفية للشروط الصحية، رغم المناشدات الدولية بضرورة الإفراج عنها، ورغم إضرابها المتكرر عن الطعام.

بدأت نسرين ستوده، منذ أيام إضرابا جديدا عن الطعام، احتجاجا على الظروف السجن السيئة، وعلى عدم وجود أسباب موجبة لسجنها أساسا، وهي من وقت لآخر توجه رسائل إلى مسؤولين كبار في بلادها، تستوضحهم فيها حول جدوى اعتقالها واعتقال نساء طالبن ببعض الحقوق الإنسانية، التي لا تضر بالأمن ولا تهدد وجود النظام ولا تؤثر في سياساته العامة، لكن السلطة القضائية تواجهها بمزيد من التعنت، وقد حكمت عليها بالسجن خمس سنوات، بتهمة “نشر دعاية ضد النظام”، كما قامت باعتقال زوجها رضا خندان وحكمت عليه بالسجن ست سنوات، بتهمة “التآمر ضد الأمن القومي”.

الصحافية نرجس محمدي، أشهر ناشطة حقوقية في إيران، تأتي شهرتها من عدد المرات التي تعرضت فيها للاعتقال، ومن عدد السنوات التي أمضتها في السجن، حتى نالتها منه الأمراض المزمنة والمستعصية.

أمضت نرجس محمدي العشرين سنة الأخيرة من عمرها، لا تخرج من السجن إلا لتعود إليه، فهي منذ العام 1998، تعتبر نزيلة دائمة في سجن “إوين” السيئ الصيت.

نضال نرجس محمدي في مجال حقوق الإنسان، تطور مع الوقت، حيث أصبحت جزءا أساسيا من مجموعة مناضلين إيرانيين، يسعون بإمكانات متواضعة وفي ظروف صعبة للغاية، إلى إجبار حكومة بلادهم على الاعتراف ببعض الحقوق الإنسانية العادية، كحريات الاختلاف والمعتقد والتعبير عن الرأي والصحافة والسفر وغيرها، وأسسوا لأجل هذه الأهداف، في العام 2008 ما يعرف ب”المجلس الوطني للسلام في إيران”، وتم انتخابها رئيسة لهيئته التنفيذية، وخلال أقل من سنة على التأسيس تم اعتقالها، ثم مثولها أمام المحكمة الثورية بعد مرور سنة على الاعتقال، ثم خروجها بكفالة مالية بلغت 50 مليون تومان، لكن ما لبثت السلطة القضائية أن أمرت باعتقالها مرة جديدة، وحكمت عليها بالسجن مدة خمس سنوات بتهمة “الدعاية ضد النظام”، وأثناء وجودها في السجن ألحقتها تهما أخرى بملفها، مما رفع سنوات سجنها سنة أخرى إضافية.

خلال وجودها في السجن، ونتيجة لانعدام الشروط الصحية الجيدة في زنازين سجن “إوين”، ظهرت على نرجس محمدي أعراض أمراض عصبية ونفسية، وتبين أنها أصيبت بنوع من الشلل في الأطراف، مما اضطر السلطات الأمنية الإفراج عنها.

بعد مرور سنتين على آخر محكومياتها، عادت نرجس محمدي إلى السجن، هذه المرة بتهمة “التعاون مع داعش”، التي وجهها إليها جهاز الاستخبارات المركزية. في هذه الفترة، كانت قد نشطت في قضية إلغاء عقوبة الإعدام، وتبنت الدفاع عن عدد من المعتقلين السنة، الذين حكم عليهم بالإعدام بتهمة الانتماء إلى “داعش”، فعاقبتها المحكمة الثورية بتلبيسها تهمة من تدافع عنهم، وحكمت عليها بالسجن 10 سنوات مع الشغل والنفاذ.

في إحدى رسائلها إلى المسؤولين في إيران كتبت نرجس محمدي: “بدأت أنسى ملامح أطفالي”، فهي ممنوعة من الزيارات والاتصال بعائلتها، وبسبب وضعها الصحي المتردي، خضعت لأكثر من عملية جراحية، لكن ذلك لم يمنعها من إعلان الإضراب عن الطعام.

حياة نرجس محمدي في خطر، هذا ما تقوله عائلتها، وأطفالها يطمعون برؤيتها مرة واحدة، على الأقل، قبل أن يقع ما يخشون وقوعه.

نازين زاغري، ناشطة في جمعية “تومسون رويترز” الخيرية، ذنبها أنها تحمل جنسية بريطانية! حين أتت في ربيع العام 2016 ترافقها طفلتها غابريللا، لزيارة أهلها في عيد النوروز، لم يخطر في بالها أنها ستقع في شباك الحرس الثوري، الذي سوف يستخدمها لاحقا، كأداة الضغط على الحكومة البريطانية، مقابل الإفراج عن 400 مليون باوند، محتجزة لديها، ثمنا لصفقة تجهيزات عسكرية، كان قد أبرمها شاه إيران محمد رضا بهلوي، وامتنعت المملكة المتحدة عن تسليمها للنظام الجديد.

حكمت المحكمة الثورية على نازين زاغري بالسجن مدة خمس سنوات، بتهمة التجسس، وقد أمضت حتى الآن نصف عقوبتها. يقول زوجها ريتشارد راتكليف إن ابنتهما صار عمرها أربع سنوات، أي أن نصف عمرها مر من دون رؤية أمها، وهي لا تعرفها إلا من خلال الصور.

السلطات الإيرانية، سمحت لنازين زاغري برؤية أهلها مرة واحدة، خلال سنتي اعتقالها، وهي ترفض الإفراج عنها كليا، مقابل كفالة مالية، بعد انقضاء أكثر من نصف مدة محكوميتها، الأمر الذي وتّر العلاقة بين لندن وطهران، وضاعف من احتمال تحوّلها إلى أزمة سياسية، خصوصا أن الحكومة البريطانية تدرس حاليا مسألة منح نازين زاغري الحصانة الدبلوماسية.

يشترط الحرس الثوري لتحرير نازين زاغري، عودة “أموال إيران المنهوبة” من لندن، واللافت أن كل الإيرانيين أصحاب الجنسيات المزدوجة، الذين تم اعتقالهم حتى الآن، ويبلغ عددهم حوالي 30 شخصا، يطالب الحرس الثوري بمقايضتهم بالعملة الصعبة، في ما يبدو أنها سياسة “ذكية” لرفد خزائنه بالعملات الأجنبية، بعد الجفاف الذي ضربها نتيجة عودة العقوبات الأميركية.

منذ أكثر من شهرين بدأت تظهر على نازين زاغري، أعراض مرض عصبي إضافة إلى صعوبة في التنفس، لكن إدارة السجن لم توافق حتى الآن على نقلها إلى المستشفى، ورغم ذلك، أعلنت بالتزامن مع إعلان نسرين ستوده، الإضراب عن الطعام، علّ ذلك يشكل ضغطا إنسانيا على حكومة طهران.

هذه أخبار ثلاث نساء توفرت لهن الحظوظ في الشهرة والمتابعة والاهتمام، ووجدن من يدافع عنهن أو على الأقل من سمع بمعاناتهن، لكن هناك كثيرات غيرهن، مغمورات، لم يسمع أحد بقصصهن، ولم ترد أسماؤهن في أي خبر أو مقالة، نساء أُخرجن عنوة من بيوتهن، واختفين وعذبن واغتصبن وقتلن في ظروف غامضة، وربما خرجن بعد الاعتقال يتمنين لو أن أمهاتهن لم يلدنهن…

على أعتاب الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية، تأتي إيران في المرتبة السادسة عالميا من حيث عدد المعتقلين وأساليب التعذيب، بدون تمييز بين الجنسين ولا بين الأطفال والراشدين، أما العام الماضي فقد شهد وحده اعتقال 7 آلاف مواطن بحسب منظمة العفو الدولي.

 

إقرأ أيضاً:

 قصة أم علي… من حي اللجا إلى صف الرقص الشرقي

بيتي الذي نذرته لأبي فضل العباس

إقرأ أيضاً