في مشهد أخرجه بنفسه: مجرم الحرب والمسرحي برالياك قررّ الموت أمام الكاميرا

محمد م. الأرناؤوط – صحافي كوسوفي
ديسمبر 1, 2017
بعد حوالي ٢٥ سنة من تأسيس محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة بلاهاي كان الأسبوع الأخير لها مدوياً مع آخر جلستين وآخر حكمين . ففي يوم الأربعاء ٢٢ تشرين الثاني/ نوفمبر أصدرت حكماً بالسجن المؤبد ضد الجنرال راتكو ملاديتش قائد جيش صرب البوسنة

بعد حوالي ٢٥ سنة من تأسيس محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة بلاهاي كان الأسبوع الأخير لها مدوياً مع آخر جلستين وآخر حكمين . ففي يوم الأربعاء ٢٢ تشرين الثاني/ نوفمبر أصدرت حكماً بالسجن المؤبد ضد الجنرال راتكو ملاديتش قائد جيش صرب البوسنة وذلك عن مسؤوليته عن مجزرة سربرنيتسا ١٩٩٥التي راح ضحيتها حوالي ثمانية آلاف مسلم وعن حصار وقصف سراييفو خلال ١٩٩٢-١٩٩٥ الذي راح ضحيته حوالي عشرة آلاف شخص بالإضافة إلى ثمانية تهم ٍأخرى . وقد جاء هذا الحكم النهائي بعد اعتقال دام ست سنوات في لاهاي، وهو لم يمرّ دون احتجاج الجنرال ملاديتش الذي تسبب في إخراجه من قاعة المحكمة .
ومع النطق بالحكم على الجنرال ملاديتش بعد كل سنوات الاعتقال كانت صورته المزدوجة تتكرس كمجرم حرب في المناطق التي عانت من جيشه وكبطلٍ في المناطق التي كسبت من قيادته للجيش (جمهورية صرب البوسنة التي تحتل الان ٤٩% من المساحة الإجمالية للدولة) . كان الصرب يحتاجون فقط إلى هذا الحكم حتى يكرسوا الصورة النمطية لمحكمة لاهاي باعتبارها متحيزة أو “متخصصة” بالحكم ضد الصرب فقط عن جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة.
ولكن المحكمة شاءت أن تترك لآخر جلسة لها في يوم الأربعاء ٢٩ تشرين الثاني/ نوفمبر محاكمة ستة من الكروات المتهمين عن جرائم حرب في البوسنة لكي تكسر هذه الصورة النمطية . ولكن هذا اليوم سيدخل التاريخ بعد أن قام المتهم الرئيس الجنرال الكرواتي سلوبودان برالياك بتجرّع السم، عندما نطق القاضي بالحكم عليه بالسجن لمدة عشرين سنة، فأقدم على حركة درامية بشرب السم من قدح صغير وهو يعترض بشدة على هذا الحكم رافضاً أن يتهم بأنه “مجرم حرب”.
وربما هنا يكمن الفرق بين ملاديتش العسكري المحترف وبين برالياك المخرج المسرحي السابق الذي وصل إلى رتبة جنرال بعد أن ترك العمل في الإخراج وإدارة المسرح والتحق بـ”حرب الاستقلال” الكرواتية عن يوغسلافيا السابقة في ١٩٩١ قبل أن ينتقل إلى البوسنة في ١٩٩٢ ويشارك في خلق “جمهورية كروات الهرسك/ البوسنة” . من الواضح أن برلياك كمخرج قد أعد العدة لمثل هذا اليوم وهو سيدخل التاريخ بهذه الجلسة الختامية لمحكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة .
بغض النظر عن سيرته المهنية المتميزة، كونه حاز على ثلاث شهادات جامعية في الهندسة الالكترونية والفلسفة وعلم الاجتماع والفنون الدرامية واشتغل في سنواته الأخيرة في الإخراج وإدارة عدد من المسارح، فإن النهاية الدرامية له أثارت عدداً من الأسئلة التي لا يزال من الصعب الإجابة عليها اليوم على الأقل .
أما السؤال الأول، فهو كيفية وصول السمّ إليه حتى يكون مستعداً لتلك اللحظة الدرامية. وهنا ربما يفيد ما قاله المحامي الصربي توما فيلا المتخصّص في الدفاع عن المتهمين بجرائم الحرب في لاهاي . ففي لقاء معه مع وكالة الاسوشيتد برس، أوضح المحامي فيلا وبحسب خبرته الطويلة في الدخول إلى مبنى المحكمة ولقائه مع كبار المتهمين أن النظام الأمني يشبه ذلك الموجود في المطارات ، أي أنه يمكن اختراقه . فأجهزة الكشف الالكتروني تكشف بسهولة الأجهزة الالكترونية والأجسام المعدنية والقوارير التي تحمل السوائل ، وبالتالي يمنع إدخال قارورة ماء أو علبة كوكا كولا ولكن الأجهزة لا تكشف عبوات بلاستيكية صغيرة يمكن أن تحمل قطرات أو جرعة صغيرة من السم .
ولكن الصحافة الكرواتية التي هالها الأمر، ركزت على أمر آخر ، ألا وهو التباطؤ في نقل الجنرال برالياك إلى المستشفى ما أدى إلى موته . ففي لقاء مع المتخصص في علم السموم د. فرانيو بلافشيتش مع وكالة اندكس الكرواتية صرّح بأنه في مثل هذه الحالات تبرز أهمية سرعة وصول المساعدة الطبية سواء في الموقع نفسه أو في أقرب مستشفى . فقد تجرع الجنرال برالياك السم في الساعة ١١:٣٠،ووصل إلى المستشفى حوالي الساعة ١٢:٣٠. وحسب بلافشيتش، فقد كان من الممكن أن يصل الجنرال برالياك إلى أقرب مستشفى في غضون نصف ساعة على الأكثر، وهو ما كان كافياً لإنقاذ حياته .
وإلى أن تتضح المزيد من المعطيات خلال الأيام القادمة فقد كرّس الجنرال برالياك أمرين اثنين بوقفته الدرامية وهو يشرب السم اعتراضاً على اتهامه بأنه “مجرم حرب” . الأول فهو هذه الخاتمة الدرامية للمحكمة التي نالت الكثير من الانتقادات على آلية عملها وعلى الأموال الهائلة التي أنفقت عليها خلال ربع قرن تقريباً، دون أن نخوض في تحقيق الهدف الرئيس لها ألا وهو تحقيق “المصالحة بين الشعوب” من خلال الأحكام التي أصدرتها على “مجرمي الحرب”. أما الأمر الثاني فهو أن الجنرال برالياك مثله مثل الجنرال ملاديتش يمثل “الرواية الأخرى” التي تجد من يصدقها بين المواطنين، وبالتالي فهو يحتج بقوة على وصفه كـ”مجرم حرب”  ويعتبر أن ما قام به كان جزءاً من واجبه في الدفاع عن مواطنيه ، ولذلك سيبقى “بطلا” في نظر  بعض مواطنيه على الأقل .
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ريد مطر – صحافية مصرية
هل هذه مناظرة “جادة” بين تيارين أحدهما علماني والآخر ديني، يتنازعان على مساحات الوسطية التي يعد بها دوماً مشروع “تجديد الخطاب الديني”، أم أنها مجرد مبارزة خارج الحلبة بين طرفين لن يجتمعا في حوار حقيقي حول مسألة “تجديد التراث” المزعومة الذي تشبه الـ”كليشيه”؟
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
سأل صحافي، بيار موداي عن رحلةٍ إلى أبوظبي، وكان يعلم أن موداي سافر في تلك الرحلة مع أسرته ومع مسؤول رفيع المستوى من إدارته. كما اتضح أيضاً أن الرحلة كانت على درجة رجال الأعمال، وأن الزوار أقاموا في فندق قصر الإمارات الفاخر، وحضروا رالي أبوظبي. والتقى السياسي ولي العهد محمد بن زايد آل نهيان أثناء الزيارة.
ليلى يمّين – صحافية لبنانية
تضع قبعّتها، تتغلغل في السهل مع الأخريات، تمضي نهارها وهي تطرب الجميع بأغانيها، وتعود عند المغرب، يراقبها عصام ويستمع لأغانيها، ينظر إليّ ويقول: “عمري 40 سنة، وصرلي 40 سنة بسمعها عم بتغنّي عنّا بالسهل”.
كريم شفيق – صحفي مصري
تبدو أغاني المهرجانات في عشوائيتها وعدم انضباطها، وما تحمله من صخب ورعونة، ترفض الانصياع وتقاوم تشويه السلطة التي تعمد إلى وصمها ونبذها.
هديل مهدي – صحافية لبنانية
المشهد يطرح مجموعة أسئلة حول موازنة وتمويل “حزب الله” نفسه من مناصرين ومقاتلين ومؤسسات، والرواتب التي يتقاضاها آلاف منهم بالدولار الأميركي، والـM16 الأميركي الذي كان من أسلحة المعارك التي خاضها الحزب، وغيرها…
محمد خلف – صحافي عراقي
السؤال الأهم الآن هو، هل بلغ التصعيد العسكري بين الجيشين التركي والسوري، والمواجهة بين موسكو وأنقرة الحد الذي يمكن القول معه إن الجسور التي أقامها بوتين وأردوغان تهدمت كلها دفعة واحدة؟
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني