fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

في كراهية “الفسيخ” وحب شم النسيم!

تخيّل خليطاً من لحمٍ تحلّل ثم خُلط بسمك فاسد ثم، أجارك الله، فاحت رائحته في غرفة أنت محبوسٌ فيها. هذا هو “الفسيخ” الذي يراه غالبية أبناء جلدتي من المصريين طعاماً شهياً، أقول الأغلبية لأنني أعرف يقيناً أنني من الأقلية. يرتبط “الفسيخ” أول ما يرتبط بـ”شم النسيم”، عيد الربيع في مصر، فهو طبق هذا اليوم بامتياز. “شم النسيم” يأتي بحسب التقويم القبطي (القائم على التقويم الشمسي المصري القديم) يوم الإثنين التالي لعيد الفصح، والذي صادف هذا العام التاسع والعشرين من نيسان/ أبريل الماضي.

المعتقد السائد أن الكنائس الأولى اختارت الأعياد الوثنية القديمة تواريخ لأعيادٍ مسيحية، عن عمد لتمحو ذكرى ما سبق. كلمة Easter ، مثلاً اسم عيد الفصح بالإنكليزية، يقال، إنها أتت من أسماء آلهة وأعيادٍ سبقت المسيحية. أحد الفصح يتزامن مع أعياد الخصوبة والتجدد المرتبطة بالربيع، من ثم الأرانب والبيض والسمك هنا وهناك، التي ليس بين أيٍ منها وقيامة السيد المسيح، رابطٌ واضح (بغض نظر عن اختلاف التقويمات بين الكنائس الشرقية والغربية).

في مصر حيث الغالبية الكاسحة من المصريين المسيحيين من الأقباط (التي تعني أصلاً المصريين) الأرثوذكس، يأتي أحد الفصح في النصف الثاني من نيسان عادةً، يتلوه اثنين شم النسيم، وهذا أيضاً جذوره تعود إلى عيد مصري قديم، “شمو” وكان يؤشر إلى وصول الربيع، وهو يومٌ اعتاد فيه قدماء المصريين تقديم الخس والسمك المملح والبصل إلى آلهتهم (التي يبدو أنها لم تتضرر، لا هي ولا كهنتها من الروائح النفاذة).إن صحت هذه المعلومات فربما تفسرُ لمَ استمر شم النسيم (هكذا فيما يبدوا عُرب الاسم من “شمو”) عيداً لكل المصريين إلى يومنا هذا. فاليوم كما يعرف كل مصري يعني أن الشتاء قد انتهى بلا رجعة حسب التقويم القبطي، وهذا، لمن يجهل، مرشد كل فلاح في مصر، المسلم أو المسيحي، وأسماء شهوره (أي التقويم القبطي) المستخدمة إلى اليوم، أصلها من أسماء آلهة مصر القديمة وأعيادها وأسماء ملوكها، فما من زرعٍ أو حصادٍ أو عنايةٍ بنبتة إلا طبقاً لهذا التقويم ذي الثلاثة عشر شهراً (اثنا عشر كل منها ثلاثون يوماً، ثم شهر ثالث عشر من خمسة أيام، تصبح ستة أيام مرة كل أربعة أعوام). فالعيد هنا عيدان، عيدُ القيامة المجيد (قبطياً)، تذكاراً لقيامة المسيح، وعيد الربيع والحصاد والنمو وفق تاريخ مصر وواقع مزارعيها إلى اليوم. لذلك شم النسيم هو عيد مصر القومي الأوحد، هو اليوم الذي يلوّن فيه كل أطفالها البيض ويخرجون إلى الحدائق إن استطاعواً، ويلتهم أبناؤها وبناتها ذاك الشيء الذي أكرهه بشدة: الفسيخ، إلى جانب أصنافٍ مختلفة من السمك المملح والمدخن وأطعمةٍ أخرى في صيغةٍ تقارب تلك التي قدمها أسلافهم لآلهتهم.

ظني أن من لن تردعه رائحة الفسيخ لن يخيفه الموت!

طعام يوم شم النسيم الرئيس، الفسيخ، أجاركم الله، يصنع من السمك البوري (mullet) وهو صنف يوجد عادةً قريباً من الشاطئ أو في مساحات المياه التي يختلط فيها الماء العذب بالمالح. سمكٌ لذيذ كيفما شويته، أما لمَ يجني عليه المصريون قالبين إياه إلى فسيخ، فأمرُ لا أفهمه. الفسيخ لغةً مشتقٌ من الفسخ. فعل “فسخ” يعني النقض أو الفصل، يقال فسخ الرجل أي ضعف جسداً وعقلاً، ويعني أيضاً فصل أجزاء الجسد عن بعضها بعضاً من دون كسر، من ثم التعبير القانوني الشائع “فسخ العقود” أي إبطالها. الاسم يقارب “الفسيخ” معنى، كما يوصّفه لفظاً. يتميز الفسيخ برائحته البشعة النفاذة، التي تجمع السمك المتحلل إلى الجثة المهترئة كما ينم اسمه.

كل طرائق تحضيره، سواء في المنزل أو في محالٍ متخصصة، وبحسب وصفات كثيرة متوافرة على الإنترنت (مع الشكر لاهتمام المصريين بهذا الشيء بشع الرائحة)، تبدأ بتركه معرضاً لبدء عملية التحلل قبل تمليحه. بتعبيرٍ آخر: هذا كائنٌ حي مات، ومع تحوله إلى جيفةٍ مهترئة، تتم عملية تحلله في ظروفٍ مختلفة مدفوناً تحت، ومحشوة خياشيمه بالملح. مع شم الرائحة يعتقد المرء أن هذا الأمر بدأ ربما كعملية تحنيطٍ مصرية قديمة فاشلة. الطريف أن من يعشقون ذاك الشيء يمدحون ذوبانه في الفم (مع إسقاط أثره على الأنف)، طبعاً يذوب في فمك كما أي جثةٍ تحللت واهترأت!

الطريف أن الفسيخ سبب عبر العقود الماضية عشرات حالات التسمم الحادة التي أزهقت عدداً من الأرواح، لكن ظني أن من لن تردعه رائحة الفسيخ لن يخيفه الموت! أسمع كثيراً عن رجالٍ ونساء أدمنوا كريه الرائحة هذا، مع علمهم بما يجلبه من متاعب صحية، هؤلاء يستعدون عادةً بأدوية كثيرة، بخاصة مرضى ضغط الدم الذين تضرهم ملوحة الفسيخ الحادة، فيكون جزء من استعداداتهم لهذا العيد، علاجات ما يسبّبه الفسيخ.

الفسيخ- مصنوع من سمك البوري

لكن أطرف ما سمعت عن إدمان “الفسيخ” كان عن والد صديقة فلسطينية درس في القاهرة في ستينات القرن الماضي. الفسيخ، الذي ما من شك في أصله المصري، يؤكل في فلسطين، لكن مقلياً عادة بخاصة صبيحة أول أيام عيد الفطر المبارك. لكن ظني أن عدوى الفسيخ التي أصابت والد زميلتي أتت من مصر لا من فلسطين. للرجل الذي انتهى أستاذاً جامعياً مرموقاً في الولايات المتحدة طقوسٌ “فسيخية” يعرفها أبناؤه. كلما عادت العائلة من المهجر في زيارة لهذا الجزء من العالم، يدخل رب العائلة مكاناً يباع فيه الفسيخ. يدور حول معشوقه متفكراً، يقاوم، يدور ويدور متردداً. بعد “الطواف” (كما يسميه أبناؤه تندراً) يستسلم الرجل للـ”السعي” إلى ما لا تحمد عقباه. يشتري الفسيخ، يلتهمه بعد طول افتراق، ثم يبدأ النظر إلى ساعته. يعرف كما يعرف أبناؤه أنه سيقيس ضغط دمه الذي لا بد سيرتفع. يفعل ذلك ثم يبدأ تناول أدويته. هذه “الطقوس الفسيخية” لا أظنها تأتي إلا من معاشرة المصريين آكلي الفسيخ الأصليين.

للدقة، الطعام بشع الرائحة ليس مقتصراً على المصريين. مثلاً لا حصراً “يحفظ” الاسكندنافيون أنواعاً من الأسماك بطرائق ورثوها من أجدادهم “الفايكينغ”، تنتج رائحة تنافس الفسيخ. “دوريان” فاكهة شهيرة مرغوبة في جنوب شرق آسيا توصف رائحتها بأنها خليط من البصل المتعفن وبراز الخنازير، وتبقى الرائحة في المكان أياماً، وترافق آكلها لفترة، لذلك تمنع هذه الفاكهة في فنادق ومطاعم كثيرة هناك. بعض الأجبان الفرنسية الشهيرة معروفةٌ برائحتها النفاذة إلى درجة منعها من المواصلات العامة. أحد أصناف الأجبان الإنكليزية الفاخرة اسمه “الأسقف النتن” (the stinking bishop)، ولا حاجة بنا لقول المزيد. لكن ظني أن الفسيخ يفوق كل هذه الأطعمة في بشاعة الرائحة، فأيٍ مما وصفنا ليس سمكةً بدأ تعفنها بالفعل.

يزورنا شم النسيم كل عام، أبقاه الله عيداً سعيداً لكل المصريين، يأتي الفسيخ إلى المائدة فأتركها لمن يأكله أو يتحمل رائحته، وأبقى متسائلاً كيف يقربه آكلوه. لكن ربما من رحمة الله (بي على الأقل) أن شم النسيم سيصادف في رمضان لبضعة أعوام مقبلة، وظني أن أحداً في عائلتنا لن ينهي صيامه  بـ”الفسيخ”، أرجو من الله وأبتهل إليه!

 

من سحرِ صوت مؤذن إلى “ما وردش بيها نص”: صورٌ عن تَدَيّن المصريين عبر قرن

 

الكرَم قاموساً ومزاجاً من الأردن الى المغرب

 

إقرأ أيضاً