fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

في قضيّتَي رولا وريتا… المطرقة ذكوريّة بامتياز

في 30 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018، أصدرت محكمة الجنايات في لبنان الشمالي بالأكثريّة حكمها في قضيّة رولا يعقوب التي اتُّهم زوجها كرم البازي بالتسبّب بوفاتها، مبرّئةً الزوج من التّهمة الموجّهة إليه، والتي أمضت ليلى، والدة رولا، خمس سنوات تترقّب تثبيتها ليُعاقب الزوج على أساسها. لم يمضِ من الوقت أربع وعشرون ساعة حتّى صدر قرار آخر، يتنافس مع الأوّل على لقب القرار الأكثر إجحافاً بحقّ النساء للعام 2018.

فبتاريخ 31 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018، اغتنم النظام القضائي الفرصة قبل اختتام هذا العام الحافل بالمفاجآت المُكرَّرة، فما كان برئيس دائرة التنفيذ في جويّا في لبنان الجنوبي، القاضي ريشار السمرا، إلا أن أصدر قراراً بحبس ريتا شقير لمدّة 3 أشهر بتهمة ممارستها أمومتها على أكمل وجه، عبر امتناعها عن تسليم ابنها آدم البالغ من العمر ستّ سنوات، ما دام هو رافضاً تركها والعودة إلى منزل أهل طليقها، وخوفاً منها عليه وعلى صحّته النفسيّة التي تستدعي عناية خاصّة.

تُهمتها الجوهريّة، كما جاء في متن القرار، أنّها لم “تُقنع” طفلها كما يجب و”تُرشده” إلى الذهاب مع مأمور التنفيذ الموكل اصطحابه إلى منزل جدَّيه لجهة أبيه؛ مع العلم أنّ هذا الأخير لا يعتني به أصلاً بشكل يوميّ، ويتمسّك، رغم هذا الواقع، بحقّه بحضانة مُفترضة، هي أقرب إلى حضانة النكايات، لا الأطفال.

الحكم الذي برّأ زوج رولا يعقوب (يميناً) والحكم بحبس ريتا شقير (شمالاً)

مشهد الطفل الذي يجهش بالبكاء لدى رؤيته “عمّو” العسكري الغريب مقترباً منه تنفيذاً لمذكّرات جلب الأطفال من أحضان أمّهاتهم الخطرة، لم يعد استثناءً في لبنان. فقد تعرّضنا مراراً لهذا المشهد الذي يدمي القلب، ولا تزال صورة الطفل فارس الذي انتُزع بالقوّة من والدته ميسا منصور في شهر حزيران الماضي، نضرة في أذهاننا. ولا تزال صورة فاطمة حمزة التي رفضت المساومة على طفلها وهي تُساق من أمام منزلها في حارة حريك إلى مخفر الغبيري، دامغة في ذاكرتنا رغم مرور عامين على الحادثة.

“قساوة السجن كان أهون عليّ من قساوة الفراق عن فلذة كبدي”- من صفحة فاطمة حمزة على فايسبوك

اليوم، تضامن آدم مع فارس من حيث لا يدري، مع فارق أنّ فارس أُبعد عنوةً عن أمّه ميسا، فيما لا يزال آدم وأمّه ريتا متواريَين عن الأنظار يحاربان معاً منظومة دينيّة وقانونيّة ومجتمعيّة سبق لها أن نجحت في إبعاد ريتا عن والدتها ريما، كما تروي ريتا بنفسها في هذا المقطع من الفيلم الوثائقي “ضدّي”.


في مقابل مشهد آدم وفارس، هناك غلوريا وغلاديس، ابنتا رولا يعقوب الشاهدتان على المشهد الأخير بين والديهما في المنزل، قبل ساعات من إعلان وفاة رولا من مستشفى اليوسف في حلبا. هاتان الصبيّتان لم تتسنَّ لهما حتّى المطالبة بحضانة أمّهما لهما؛ فذاك الأمر في حالتهما كان ليُعدّ خيراً وامتيازاً، مقارنةً مع ما حدث في 7 تمّوز 2013، وما تبعه من مآسٍ وأقوال متضاربة.

في ذلك النهار، حقّق التراكم البطيء لضربات كرم البازي هدفه المضمر الذي كتم سرّه بين سطور اعتداءاته المتتالية على رولا، كمرضٍ خبيثٍ تغلغل في كيانها بهدوء وتصميم مُحكمَين وعابرَين للأعوام بينهما. قد تكون النتيجة الأخيرة تخطّت توقّعات البازي نفسه، وتقديره المتواضع لمفعول كدماته المبعثرة عبر السنين.

لفظت رولا أنفاسها الأخيرة، لأنها، جسداً وروحاً، ما عادت تحتمل، لا الكدمات التي تعود علاماتها إلى “أكثر من 48 ساعة”، ولا تلك التي كانت لتظهر بعد أسبوع أو شهر أو سنة.  لكنّ علامات التعنيف هذه، مع ما رافقها من تقارير طبّية لم تستطع جزم أنّ الوفاة كانت طبيعيّة، لم ترتقِ، بنظر المحكمة، إلى مستوى الأدلّة المطلوب لإدانة رجلٍ مُعنِّفٍ خَلُص الحكم فعليّاً إلى أنّ زوجته توفيت، قضاءً وقدراً، لأنّ شريان الدم على الأرجح انفجر بعدما أجهدت نفسها… وهي تستحمّ مثلاً، أو تنظّف المنزل ربّما.

ولكن، فَلْنكن صريحين مع أنفسنا لهُنيهة. صحيح، إنّ الدليل غير قاطع، إذا أراد القاضي أن يرأف بالمتّهم. لكنّه كان ليكون قاطعاً لو أراد القاضي أن يرأف بالضحيّة.

وصحيح أيضاً أنّ الحضانة، بحسب اجتهادات المحكمة الجعفريّة المعتمدة، تعود حاليّاً للأب عند بلوغ الصبي عمر السنتين، والفتاة عمر السبع سنوات. ولكنّها كانت لتكون للأمّ في الكثير من الحالات لو أراد القاضي فقط أن يرأف بالطفل. وفي مجمل الأحوال، تبقى الاجتهادات وجهة نظر، وتبقى الأمومة يقين.

إقرأ أيضاً:
من التالية؟ :جرائم العار والحرب المزمنة ضدّ النساء
في تلك الليلة تمّ اغتصابي

إقرأ أيضاً