fbpx

هنا القصة الثالثة

المُشاهد- موقع يمني

المُشاهد- موقع يمني

مقالات الكاتب

في تعز: آثارٌ بلا أثر وكنوزٌ تبحث عن منقذ!

محمد علي محروس- تعز

“تدمير متعمد مصحوب بالجهل”، هكذا يصف فهد الظرافي ( 43 عاماً)، ما يحدث لكثير من المواقع والمقتنيات الأثرية في محافظة تعز. وطالت الحرب المستعرة منذ مارس 2015، وأدواتها العبثية، كافة المواقع الأثرية لمدينة تعز (جنوب غربي البلاد) التي كانت ذات يوم حاضرة الدولة الرسولية.

يرى فهد، وهو مهتم بجمع وأرشفة الصور القديمة والنادرة والتاريخية لمدينة تعز، أن معالم مدينته تتعرض للطمس مقارنة بسبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، إضافة إلى ما تعرضت له متاحف مساجدها التاريخية من نهب ودمار.

فهد ليس وحده من يتألم لما حل بهوية تعز، وما جرى ويجري لآثارها المتنوعة والمتعددة، ففاتورة الحرب لم تستثنِ شيئاً في الحالمة إلا وأخذت نصيبها، لكن الآثار كان لها الحظُّ الأوفرُ.

تدمير المتحف ونهب المخطوطات

بعد تحرير منطقة العرضي التي يقع فيها المتحف الوطني، في يوليو 2015، من قبضة الحوثيين، تعرض المتحف للقصف من قبل جماعة الحوثي، في فبراير من العام التالي.

وبحسب مدير المتاحف بتعز رمزي الدميني، فإن القصف تسبب في تدمير أجزاء واسعة من المتحف الوطني، وإحراق مخزن يحوي الكثير من المخطوطات والقطع الأثرية المتعلقة بحقب تاريخية مختلفة لتعز واليمن عامة.

ومن حسن الحظ أن مخطوطات أخرى ذات أهمية كبيرة، كانت مخزنة في مكان محكم، ولم يصله الحريق الناجم عن القصف، وفي ظل غياب الدولة ومؤسساتها بات المتحف مفتوحاً على مصراعيه للجميع.

ويرى الدميني أن عدداً ممن وصفهم بضعاف النفوس من الأحياء المجاورة للمتحف، قاموا بنهب مخطوطات مهمة وقطع أثرية لها أهميتها بالنظر إلى المكنوز الأثري الكبير الذي تحويه متاحف تعز، وذلك بعد العودة إلى السجلات الخاصة.

ويقول الدميني لـ”المشاهد”: “تعرضت خزنة تحوي مخطوطات للحبر اليهودي سالم الشبزي، وملفوفات عبرية وأجزاء من التوراة، للنهب”.

وبحسب معلوماته، فإنها مازالت في تعز، ولكنها معروضة للبيع، ولم تفعل السلطة المحلية شيئاً حيال ذلك، على الرغم من المذكرات والمطالبات المستمرة بضرورة استعادتها، لما تمثله من أهمية تاريخية لتعز، حسب قوله.

وبألمٍ كبير عبّر الدميني، عن حزنه لتعرض متحف قلعة القاهرة الذي يحوي قطعاً أثرية من العصور الحجرية والإسلامية، للتلف جراء إقحام القلعة في الصراع العسكري من الطرفين، والحال نفسه لمتحف صالة الذي تعرض للنهب، ووضعه كارثي، في ظل توقعات تشير إلى أنه بات آيلاً للسقوط والاندثار، ما لم يكن هناك تدخل عاجل لترميمه.

ولم يخفِ مدير عام هيئة الآثار بتعز، عبدالقدوس الأسحم، استياءه مما تعرضت له العديد من المواقع الأثرية من الاستهداف المتعمد، سواء بالتفجير أو القصف، مصنفاً ذلك في إطار الطمس المتعمد للهوية الأثرية والتاريخية لتعز.

استبدال قطع أثرية بدلاً من الأصلية

عبر الدميني عن أسفه من قيام أحد المكلفين بحراسة المتحف، وهو ينتمي لكتائب أبي العباس، بفتح المتحف لبعض من تجار الآثار، والتورط معهم في عمليات السرقة، مؤكداً أنه تم ضبطه وبحوزته مبالغ مالية كبيرة، وأثناء التحقيق اعترف ببيع الكثير من القطع، وتمت استعادة بعضها، وحين الفحص من قبل بعض الخبراء والمختصين، استطاعوا العثور على قطع بديلة تم استبدالها بالقطع الأصلية.

ويعتقد مدير مكتب الآثار أحمد جسار، أن هناك أشخاصاً مازالوا يملكون قطعاً أثرية حصلوا عليها بطريقة أو بأخرى، خلال فترة استهداف المتحف وتعرضه للنهب، داعياً الجميع لإعادتها براً بأمهم اليمن، وحفاظاً على هوية تعز وتاريخها العريق.
وبالتنسيق مع الهيئة العامة للآثار، تمت استعادة جزء من الآثار التي كانت بحوزة كتائب أبي العباس، بعد جهود بذلت لنقلها وجردها بشكل أولي، وإيداعها في مخازن تابعة للهيئة في العام 2017، بحسب الدميني.

وتمت استعادة أقل من ألفين من العملات النقدية والمقتنيات الذهبية والمخطوطات والنحاسيات والخزفيات، التي تعد من أهم المقتنيات المستعادة.

وكشف الدميني عن رصده مقتنيات كان يتم بيعها خلال سيطرة الحوثيين على المتحف، من جنابي وأدوات مطبخية خزفيات وزجاجيات ونجف وسيوف وقطع أخرى.

ويؤكد عبدالقدوس الأسحم، مدير عام الهيئة العامة للآثار في تعز، أن استعادة الآثار التي كانت بحوزة كتائب العباس، جاءت بعد سلسلة مطالبات تكللت مؤخراً بالنجاح.

المسؤول الإعلامي لكتائب أبي العباس، رضوان الحاشدي، رد على هذا الطرح بالقول: “أبو العباس استدعى لجنةً من هيئة الآثار بتعز، وعدد من المهتمين، وهم من قاموا بجرد الآثار وتخزينها، وقد أنفق وأشرف على ذلك بنفسه، وضُبطت العديد من محاولات السرقة والبيع من قبل كتائب أبي العباس”، مؤكداً أن موضوع الآثار المستعادة لم يخلُ من المناكفات السياسية الحاصلة في تعز.

ويضيف: “ما تم العثور عليه مؤخراً، ضمن القطع السابقة، ولكن تم نسيان نقلها، وما حدث في المدينة القديمة منع من سرعة نقلها وتسليمها لمكتب الثقافة الذي تسلمها منذ يومين”.

تُعد تعز من أكبر محافظات البلاد إرثاً أثرياً وتاريخياً، وذلك يعود للحقب التاريخية التي مرت بها، إذ شكلت حاضرة مرموقة في التاريخ اليمني، كعاصمة للدولة الرسولية

معايير شابها بعض القصور

من جهته، عبر مدير مكتب الآثار أحمد جسار، لـ”المشاهد” أن وضع الآثار في تعز خطير وكارثي، وبحاجة إلى تكاتف مجتمعي، ودعم من السلطة المحلية والمنظمات المعنية، لانتشالها من الوضع الذي تعيشه، مؤكداً على تضرر كافة المواقع الأثرية، دون استثناء.

ولم يخفِ جسار أن هناك بعض القصور شاب عملية استعادة الآثار من كتائب أبي العباس، بسبب ضيق الوقت، وكأخصائي عبّر عن احتياجه لوقت كافٍ لمعاينة وتشخيص القطع الأثرية، إضافة لترميم بعضها، وإجراء المعالجات السليمة لها قبل تخزينها، “وهو ما لم يجرِ بالطريقة المطلوبة، ولكننا قمنا بما يخفف من ذلك، ويواكب تخزينها”.

ويرى جسار أن عدم الترميم المثالي والتقيد بزمن معين شكلا عائقاً أمام اللجنة الفنية، إضافة لعدم توفر المواد اللازمة والمعامل المتخصصة لمعالجة الآثار في تعز.

“صحيح أن اللجنة ضبطت عملية الجرد والتقييم على مستوى الفرز والتجميع والترقيم والتوثيق، ومن ثم تأمينها وتخزينها في حقائب وصناديق مخصصة لها”، كما يقول جسار، ولكن هذه القطع لاتزال في خطر، لأن مدة تخزينها لا يمكن أن تتجاوز العامين في ظل الطريقة التي تم تحريزها بها.

وحدد وزير الثقافة مروان دماج، 25 يوماً لاستعادة القطع الأثرية، لكن لم تكن كافية، بحسب الدميني.

بينما يحتاج الدميني وهيئة الآثار لمدة 6 أشهر كاملة، لفحص المقتنيات عند استعادتها، بالنظر إلى 140 قرصاً مضغوطاً، يحوي كل قرص قرابة 500 صورة لنحو 30 ألف قطعة ومخطوطة أثرية، وهي المخزون الفعلي للمتحف الوطني في المحافظة، كما يقول الدميني.

مرحلة المطابقة

وعن الأضرار التي لحقت بالقطع الأثرية المستعادة، أكد الأسحم تعرض بعضها للتلف أثناء استهداف المتحف، كالمكتبة والملابس والعطور، معبراً عن سعادته بالعثور على هذه الكمية غير المتوقعة، والتي بلغت قرابة 79 صندوقاً خشبياً وحديدياً، مؤكداً أن الهيئة ستقوم بالإعلان في حينه عن مكافآت مالية لمن سيقوم بإعادة ما بحوزته من آثار.

وخص الأسحم “المشاهد” بأن هناك مرحلة أخرى للمطابقة وفق السجلات الخاصة بالهيئة، وسيتم الإعلان عنها في حينه، وفق توجيهات وزير الثقافة، مؤكداً أن مخازن القطع الأثرية اليوم آمنة، وتفي بالغرض، مقارنة بالمخازن التي كانت فيها.

جهود مستمرة

أكد مدير عام مكتب الثقافة بالمحافظة، عضو لجنة استلام الآثار المستعادة، عبدالخالق سيف، أن ما تمت استعادته يمثل فترات تاريخية متعاقبة، وجاء نتيجة تضافر الجهود من كافة المعنيين.

ويقول سيف لـ”المشاهد” إن الجهود مستمرة لتكون هناك صفحة أخرى معبرة عن جمال تعز من خلال ترميم المتحف واستعادته لألقه، ليكون متاحاً للزوار، معتبراً استعادة القطع الأثرية أمراً استثنائياً يضاف لسجلات هذه المدينة، لما تعنيه من أهمية، كونها تعبر عن حقب تاريخية.

وستعقد اللجنة المكلفة مؤتمراً صحفياً، للكشف عما تمت استعادته، ووضع الآثار بشكل عام، بحسب سيف، معتبراً أن عملية جرد الآثار المستلمة تمت وفق آلية حديثة على مستوى الترقيم والتسلسل لكل نوع من الأنواع، رغم ما واجهته اللجنة من صعوبات أثناء عملها، بسبب سوء التخزين، وكذلك الأضرار التي لحقت بالقطع أثناء استهدافها.

وحمل مدير عام مكتب الثقافة الحوثيين مسؤولية ما يجري للآثار في تعز، معتبراً ما قاموا به يستهدف العمق التاريخي لتعز، ويعمل على مصادرة تاريخ أجيال متعاقبة، وهذه هي البصمات التي عمدت المليشيا إلى التعبير بها عن نفسها، حسب تعبيره.

وتُعد تعز من أكبر محافظات البلاد إرثاً أثرياً وتاريخياً، وذلك يعود للحقب التاريخية التي مرت بها، إذ شكلت حاضرة مرموقة في التاريخ اليمني، كعاصمة للدولة الرسولية، ومرت بأحداث جسيمة جعلتها في صدارة المشهد اليمني حتى يومنا هذا، فمن يعيد لها إرثها المفقود وآثارها التي أوشكت أن تتلاشى في ظل ما يجري منذ اندلاع الحرب فيها قبل 4 سنوات؟

هذا التحقيق منقول عن موقع المُشاهد اليمني ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

فساد مصلحة الجوازات في اليمن: صفقات مشبوهة وابتزاز للمواطنين

 

إقرأ أيضاً