fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

daraj admin

ana ladmin

مقالات الكاتب

في إدلب “رابير” يُشبهها… غاضبٌ “على كل الجبهات”

اسمُه أمير. عمرُه عشرون عاماً فقط. نقول “فقط” لأنّ ما اضطرّ هذا الشاب إلى فهمه ثقيلٌ جدّاً على رقم 20. هذا الرقم كان يجب أن يبقى خفيفاً، ومرحاً بعض الشيء، لولا الدبّابات وقذائفها، والطائرات وبراميلها، وسياسات اللّجوء وكيديّتها.

لقّب أمير نفسه بـ”المُعرّي”، ليعلن عن انضمامه الرسمي إلى عالم “الراب”. اختار لقبه تيمّناً بـ”معرّة النعمان” في محافظة إدلب في سوريا، مدينته التي أبى إلا أن يعود إليها، رغم القصف والتهديد اللّذين يتربّصان بأهلها.

جرت العادة أن يحاول السوريّون اللّجوء إلى البلدان المجاورة والبعيدة بحثاً عمّا يُشبه الحياة الآمنة التي تخلو صباحاتها من هدير طائرات الاستطلاع وأمسياتها من الترقّب الموجع ونهاراتها من العنصريّة المستشرية. لكنّ أمير لجأ بالعكس. لجأ من الجوار إلى سوريا. إلى سورياه التي يريدها أن تشبهه، لا إلى سوريا التي لم يعد يريد أن يشبهها وهدير طيرانها. عاد من تركيا إليها بعد مقتل أخيه ليكون إلى جانب أسرته، واختار لنفسه هدير “الراب” وتنهّدِ الكلمة سبيلاً للنجاة.

من فيديو عكل الجبهات

يقول لـ”درج”  إنّه لقّب نفسه بـ”المُعرّي”، ليُعرّي أكاذيب الدول المنافقة والمتآمرة على أرضه، ويفضح ممارسات القادة، القريبين والبعيدين، بخاصّة أولئك المُرائين الذين لا يردعهم لا ضمير ولا استغاثة. راقب الروس، والإيرانيّين، والأتراك، وتابع صور تناولهم الآيس كريم وأخبار الاجتماعات الفاخرة المنعقدة منذ العام 2017 تحت مظلّة مسار “آستانا”.

تغيّرت عاصمة كازاخستان من آستانا إلى نور سلطان، ولم يتغيّر وضع أمير، ولا وضع سوريا. ظلّ وضعهما قيد الدراسة ورهن التفاوض على اقتسام الكعكة، وتجارة الأسلحة، والاستيلاء على المعابر الدوليّة واقتصاد النفط والغاز.

وبعد عام على إبرام تركيا وروسيا لاتّفاق سوتشي في 17 أيلول/سبتمبر 2018، والذي نصّ بشكل أساسي على وقف الهجمات الحربيّة على إدلب وإبعاد الفصائل عن خطوط التماس وإنشاء مناطق منزوعة السلاح وتسيير دوريّات مراقبة، قرّر أمير أخيراً أن يتدخّل. فردّ بأسلوبه الخاصّ على مَن يعلمُ أنّه غير مهتمّ بالاستماع إليه أصلاً:

“روح شوف الشعب بعد نتائج مؤتمر سوتشي… غيرنا بينطمر بالعملة، ونحن الي منتبلا، فاندفنّا بالليالي لمّا طلبنا العلا”.

قالها في أغنيته الجديدة، “عكل الجبهات”، التي سعى بها إلى إعادة أهله إلى الواجهة، وإلى الجبهة الأهمّ. بالنسبة إليه، هم الأصل، وهم الحكاية. هم الذين شاركوا بعملٍ فنّي ممتع ونادر وجريء، تريدنا روسيا أن نصدّق أنهم “إرهابيّون”. وهم نفسهم من تريد هيئة تحرير الشام كمّ أفواههم. وهم الذين يدفعون الأثمان الغالية، قبل مؤتمر سوتشي وبعده، ويرزحون تحت وطأة التهجير، والقتل، والنهب التي ازدادت خطراً وقساوة بفعل تحوّلها إلى مجرّد ملحمة أخرى اعتادتها أعين الكاميرات، وتحقّقها ببطء مقصود يُحيل اكتراثَ الشعوب مهمّة صعبة. وللتذكير، سجّلت مرحلة ما بعد “سوتشي” وقوع أكثر من ألف قتيل و600 ألف نازح، لا سيّما بعد حملة التصعيد العسكري الأخيرة التي يقودها النظام السوري وحليفه الروسي على مناطق جنوب إدلب وريف حماة الشمالي منذ نيسان/أبريل 2019.

لم يتوانَ أمير في مادّته الفنّية عن شنّ حملة تصعيد خاصّة به، وجّهها إلى كلّ الأطراف المسؤولة عن معاناة إدلب ومحاصرة أهلها الذين ظهر منهم 62 مدنيّاً في فيديو “عكل الجبهات” بوجوههم العارية، ومِهَنهم اليوميّة، ورسائلهم الإنسانيّة، والطبيّة، والتعليميّة. أطلق أمير العنان لخياله وراح يهاجم من أحياء محافظة إدلب المدمّرة، لا من دول اللّجوء، كلّ من خان أحلامه البسيطة، كأن ينمو بأمان ويُكمل علمه في مجالَي الإعلام والتصميم الفنّي. صبّ غضبه على حكومة الإنقاذ ومعها “هيئة تحرير الشام” التي سيطرت مطلع عام 2019 على معظم مناطق المحافظة وأقفلت الجامعة التي احتضنته، وعلى تركيا التي تخاف فقط على نفسها من موجة لجوء جديدة، والنظام السوري وحلفائه الذين يراكمون أعداد الموتى في حسابهم الإجرامي الذي لا يبدو أنّ أحداً قادر على تجميده.

لكنّ الصورة المثيرة للاهتمام في كلمات “عكل الجبهات” لا تقتصر على نقد المشهد المحلّي وقواعد حكمه، إنّما تتخطّاه لتطال عمق المجتمع المدني الروسي بسطور الأغنية المعبّرة عن شيء من التضامن مع فنّانين ومغنّي “راب” روس تحلّق فوق رؤوسهم طائرات من نوع آخر، هي أشبه بشبح السجن والقمع، في محاولةٍ لبناء نواة لجسور إنسانيّة مع أشخاص هم مثل أمير، يضرسون بسبب حصرم الحاكم الروسي نفسه.

صار أمير يتمنّى لضحايا أعدائه الحريّة ذاتها التي يتمنّاها لنفسه. “اعتقلوا هاسكي لأنو عم يحكي عالسياسات ومنعوا حفلات غون فلود وديرتي موللي بالبلاد… بتصريح بوتين كم رابير ورا القضبان وكم فايك تسمّى فنّان”.

يعيدنا “المُعرّي” بهذه الجملة إلى كانون الأوّل/ديسمبر 2018، حين مُنع مؤدّي “الراب” الروسي ديمتري كوزنيتسوف المُلقّب  بـ”هاسكي” من إقامة حفلته في مدينة كراسنودار، ليقرّر حينها نقلها فوراً إلى الشارع ويغنّي لجمهوره من على سقف سيّارة، الأمر الذي أدّى إلى اعتقاله مدّة 12 يوماً. أمّا “المُعرّي”، فنقل حفلته الممنوعة إلى المدرسة المدمّرة، واللّوح المقصوف، والردم المُنفّض. وبين المدرسة المدمّرة وسقف السيّارة، بُشرى مقاومة واعدة، عنوانها الحريّة، وثمنها الصبر.

منذ نيسان/أبريل 2019 وحتّى الآن، ضحّى أهل محافظة إدلب على الأقلّ  بـ43 منشأة صحيّة، و87 مؤسّسة تربويّة، و29 محطّة تكرير مياه، و7 محلّات تجاريّة، استهدفتها القوّات الجويّة السوريّة والروسيّة؛ وجلّ ما فعله المجتمع الدولي مُمثّلاً بالأمين العام للأمم المتّحدة، أنّه أنشأ لجنة تقصّي وتحقيق مسؤولة عن إنجاز تقرير مفصّل عن هذه الهجمات ورفعه إلى الأمانة العامّة.

وفيما ينتظر العالم النتائج المعروفة مسبقاً ويتفرّج على مسرحيّة الفيتوهات المُتبادلة بين روسيا والصين من جهة وحاملي قلم الملفّ السوري من جهة أخرى، يتفرّج السوريّون على مأساتهم وانتصارهم في آن في فيديو جميل وصادق يتحدّى الصور النمطيّة ويتجاوز المحظور “عكل الجبهات”، ويتوسّطه شاب كان عمره اثني عشر عاماً فقط حين اندلعت الثورة.

نقول فقط لأن ما اضطرّ هذا الشاب إلى دفنه من أحلام كان قاسياً جدّاً على رقم 12. فهذا الرقم كان يجب أن يبقى خفيفاً.

 

إقرأ أيضاً