fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

في أنّ اللبنانيّين (والعرب) يحبّون أن ينقرضوا

يبدي كثيرون من اللبنانيّين، ومعهم كثيرون من العرب، ما يشبه حبّ الانقراض. الطريق إلى ذلك معبّد بالهويّات.

ذاك أنّ الفارق كبير بين الإقرار بالهويّات، ورصد حركتها ونموّها وتحوّلاتها في الواقع، وبالتالي اعتبارها محنة ألمّت بنا لكنّنا لا نستطيع تجاهلها، وبين النظر إلى الهويّات كمثالات نفتخر بها ونسعى إلى معانقتها وتعزيزها.

عدم الاعتراف بها تآكل في الأفكار وفي إمكان العضّ الفكريّ على الواقع. جعلها مثالاتٍ تآكلٌ في الواقع نفسه وعضّ فعليّ للنفس.

في لبنان، لا يردع حبَّنا للانقراض إلاّ تناسُلنا البيولوجيّ التلقائيّ. لكنّ هذا ليس ضمانة كافية على المدى الأبعد، خصوصاً أنّ ذاك التناسل المغلق إنّما يجعلنا نلد أنفسنا ذاتها، ومع أنفسنا نلد أحقادنا أيضاً.

لكنّنا – وهذا هو المهمّ – لا نردّ إلاّ ردّاً لفظيّاً على وجهة الانقراض. هكذا، مثلاً، نستبدل تعبير “مهاجرين” بتعبير “منتشرين” الذي يوحي التوسّع والتكثير. غير أنّنا نعلم علم اليقين أنّ آخر هموم المهاجرين، الذين هاجروا هرباً من الفاقة أو العنف أو كليهما، هو أن “ينتشروا”. أمّا التعويل على مهاجرين سبق أن “انتشروا” في مراحل زمنيّة سابقة فأشبهُ بصبّ الماء في غربال. فهؤلاء أقاموا حياتهم هناك كما فقد أبناؤهم كلّ صلة ببلد المنشأ، سيّما وقد صار الارتحال عن هذا الأخير طموحاً للمقيمين فيه. إذاً لن يأتينا من البرازيل والأرجنتين مَن نكافح بهم وجهة الانقراض.

عربيّاً، تعزّز موجاتُ النزوح المليونيّ إلى الغرب والشمال هذا الميلَ إلى الطرد والإفقار والتقليل. فتحالف الاستبداد والحروب الأهليّة والفقر يُنقص البشر كما يُنقص شروط الحياة القابلة لأن تُعاش: من الأمن وفرص العمل والماء والكهرباء والصحّة إلى التعليم والتمديُن.

في لبنان وفي سائر العالم العربيّ، نأبى الإقرار بأنّنا عنصريّون. نأبى وضع المسألة تحت الشمس وفوق الطاولة. نأبى تحويلها إلى نقاش عامّ. أي أنّنا نأبى معالجة سعينا إلى الانقراض.

لكنّ الردّ اللفظيّ على المشكلة الفعليّة يشرب من ينابيع عدّة. أحد أعظم هذه الينابيع نظام القرابة، أكثر أنظمتنا تحكّماً بنا. فنحن، عملاً بالنظام هذا، نقاتل الانقراض بالنسب والمحتد: نحن أبناء فلان وأحفاد فلان (ولا يزال “بِن” يتوسّط أسماء ملايين العرب)، كما لو أنّنا نكثّر الأحياء عبر تكثير المقابر مفترضين أنّ تلك المقابر لا تزال بيوتاً تتناسل فيها المعاني السامية، فضلاً عن كونها منازل لروح الأجداد الطاهرين.

في هذه المحارة المغلقة على نفسها، نأبى، في لبنان، أن يقترب منّا الفلسطينيّون والسوريّون، ولا نسمح للأمّ اللبنانيّة (لأنّها قد تكون متزوّجة بواحد منهم) أن تمنح جنسيّتها لطفلها. أمّا الذين قد يستهوينا اقترابهم منّا، أي “المتحضّرون” الأوروبيّون والأميركيّون، فلا يقتربون بطبيعة الحال لأسباب لا حاجة بنا إلى شرحها. وفي كلّ بلد عربيّ آخر تأبى كثرة كاثرة من السكّان اقتراب غريب منها، علماً أنّ هذا الغريب ليس إلاّ “الأخ العربيّ والمسلم”.

وهذا امتداد لمنطق العلاقة بين الجماعات نفسها في داخل البلد الواحد وبين ذوي الجلدة الواحدة، حيث يسود قانون العدد بوصفه أكثر ما يعبّر عن قانون الخوف المتبادل. أسوأ من ذلك أنّنا، في لبنان وفي سائر العالم العربيّ، نأبى الإقرار بأنّنا عنصريّون. نأبى وضع المسألة تحت الشمس وفوق الطاولة. نأبى تحويلها إلى نقاش عامّ. أي أنّنا نأبى معالجة سعينا إلى الانقراض.

ولأنّنا نعيش راهناً زمن احتدام الهويّات المغلقة، يتولّى الواقعُ إخفاء ميلنا هذا: الآخرون، كلّ الآخرين، مثلنا فلماذا نخاف؟

لكنْ مَن قال إنّ الهويّات المغلقة ستلازمنا إلى ما لا نهاية؟ مَن قال إنّ أشكال التطوّر الكثيرة – وهي تعمل دائماً في اتّجاهات متضاربة – لن تعمل ذات يوم ضدّ الهويّات؟ وفي الحيوان كما في البشر انقرض كثيرون ممّن لم يتكيّفوا…

إقرأ أيضاً:

التنوير ليس أفكاراً فحسب

بعض أسئلة إعلامنا أمس واليوم

 

إقرأ أيضاً