fbpx

هنا القصة الثالثة

مينا إبراهيم - باحث وأكاديمي مصري

مينا إبراهيم - باحث وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

فيما تفكّر بالأشياء كلّها تتساءل عن الكنيسة القبطية… بل عن مصر

مثل مرّات كثيرة ماضية، كنت أستعد للذهاب مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي تقع في أحد الميادين الشهيرة في حي مصر الجديدة الراقي في القاهرة، إلى صعيد مصر، من أجل خدمة روحية ومادية يطلق عليها اسم، “خدمة البركة”. كان ذلك قبل أن أتلقى خبراً بإلغاء الخدمة، ضمن إجراءات أمنية تمنع قيام رحلات كنسية إلى صعيد مصر، بسبب الهجوم الذي وقع على مجموعة من أقباط المنيا، وهم في طريقهم إلى دير الأنبا صموئيل، الذي لا يبتعد كثيراً من بيوتهم.

خدمة ومصرف

كنتُ أمضيت ليال خريفية كثيرة أشتري وأجهّز الأدوية والطعام والبطاطين والمراتب، ليتم توزيعها على أقباط إحدى القرى في محافظة سوهاج. تلك الخدمة يستفيد منها كثيرون بمن فيهم أنا شخصياً، فهي “بركة” كما نقول هنا. قلتُ في نفسي لعلها تبارك عملي الجديد، الذي حصلت عليه بشق الأنفس، في أحد المصارف الأجنبية..

“هاتوا جميع العشور إلى الخزنة ليكون في بيتي طعام، وجربوني بهذا، قال رب الجنود، إن كنت لا أفتح لكم كوى السماوات، وأفيض عليكم بركة حتى لا تتسع”. كانت هذه ضمن أهم الآيات التي دفعتني للالتحاق “بخدمة البركة”. تعلمتها وحفظتها عن ظهر قلب. أخبروني أن هذه هي المرة الوحيدة، التي يطلب الله فيها من شعبه المؤمن أن يجربه. جرب الله بخدمتك، وسيعطيك ما لا تتوقعه. تماماً مثل فوائد شهادات الاستثمار في المصارف، لن يسألك العملاء كيف تولد أموالاً فوق تلك التي يعطونها لك. لن يهتموا إلا بالزيادة التي تمنح لهم مع نهاية كل شهر أو عام.

ثم حدث ما عرقل صفو “البركة” ودوائر “استثماراتها”. لقد علمت ما حدث في طريق دير الأنبا صموئيل، على رغم وعود شديدة قد أبرمت بحماية الصعيد وأهل الصعيد، ولكن لا أحد يحمي أحداً سوى الله، أو هكذا نقول في كل مرة تحصل كارثة يسقط فيها شهداء جدد، عرفت لاحقاً أن عددهم سبعة.

تعجبت عندما رأيت 6 صناديق في صلاة العزاء بالمطرانية القبطية الأرثوذكسية بالمنيا. أين السابع؟ شاهدت الصلاة بتوتر وكآبة. كان الأسقف متعجباً، ولو أنها ليست المرة الأولى، وهو يردد أسماء المسؤولين، الذين لا نسمع عنهم، ولا نعرف أشكالهم، إلا من خلال هذه المآسي.

وعلى جانب آخر متصل، برز “برود” الإعلام الذي يستعد هو الآخر للمرة الثانية خلال عامين، لإذاعة فعاليات “مؤتمر الشباب الدولي” على ساحل البحر الأحمر في شرم الشيخ. تعجبتُ من أصدقائي خريجي الجامعات الأميركية والألمانية والبريطانية، الذين ذهبوا ليصبحوا “influencers” و”entrepreneurs”. خفتُ أن أسألهم عن معنى هذه الكلمات بالطبع، فهي مستوردة مثل المصطلحات التي نستخدمها في المصرف الأجنبي إياه. هي مصطلحات من الجيد أن تبقى من دون ترجمة، حتى تبقى جاذبيتها ومفعولها. هي مصطلحات تقال كما هي، “ببركتها كده”.

أقباط وأجانب

تركت الإعلام ومؤتمر “البطاطس” ونصائح التخسيس التي يعطيها الرئيس لـ”influencers” المستقبل، واستغليت ساعة الراحة من عملي في المصرف، المعروف بالـ”lunch break”، ولكن من دون تناول الـ”lunch” هذه المرة. ركزت مشاعري الداخلية ومحركات بحثي الإلكترونية إلى صعيد مصر، لمتابعة الحادث الذي صدمني في شهر أيار/ مايو من عام 2017. استمعت إلى الأخبار وشاهدت الفيديو المرعب، الذي يصوّر الشهداء وهم غارقون في دمائهم في “الميكروباص” الذي كان يتقلهم إلى الدير.

سببتُ في سري تارة، وفي العلن تارة أخرى، مرة أخرى، شتمت أصدقاءي الـ”entrepreneurs”، وبالطبع سببت مرة ثالثة ورابعة، من لم يقم بحماية المكان ذاته الذي أذكر أني قمت بزيارته مع عائلتي عندما كنت طفلاً. ولم أنس أن أسب عجزي، الذي حال دون وجودي في مكان الحادث. لعنت المصارف التي لن توافق على منحي إجازة إضافية للذهاب إلى صعيد مصر بمفردي لمساعدة أهالي الضحايا، بعد أن “باظت الإجازة”، التي حصلت عليها “بطلوع الروح” من أجل خدمة البركة التي ألغيت لأسباب أمنية، والتي كنت أطلب من الله ان يبارك حياتي من خلالها. أي حياة تلك التي تتم مباركتها بدماء أطفال، نخاف أن نأتي بمثلهم إلى الدنيا، فقط من أجل والديك؟

تأكدت أخيراً أن هناك قبطياً سابعاً قتل في الحادث، ولكنه لا ينتمي إلى الطائفة الأرثوذكسية التي تمثل أغلبية المسيحيين المصريين، والتي أنا منهم. قبطي ينتمي إلى الكنيسة الإنجيلية، لذا لم تتم الصلاة على جثمانه في مطرانية الأقباط الأرثوذكس. لم يزره أحد ولم يعرفه أحد، ولم يذكر في عزائه اسم محافظ أو مدير أمن، فهو أقلية داخل أقلية، تغيب عنه أي تغطية إعلامية.
تذكرت أن الكنيسة الإنجيلية لم تنل من قبل أي “بركة” من خدمة البركة، ومن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بشكل عام. الأقباط الإنجيليون لهم كنيستهم التي تساعدهم، وفي الغالب هم يتلقون أموالاً طائلة من الخارج. او هكذا كنت أتوهم. كنت أتوهم أنهم “أجانب”. أكان من الضروري أن تسيل الدماء، حتى أتأكد أن لا أحد يحمي أحداً في الصعيد؟

مع كل انفجار كنيسة أو حادث إرهابي، يبدأ هذا الصراع بداخلي، ولعلي لم أعد أستقبل هذه القصص بالخوف والرعب والمفاجأة ذاتها

بعد أن مات الجميع، ونالوا إكليل الشهادة، عرفت أن الطوائف الحقيقية، تفصل بين من هم في شرم الشيخ من جهة، ومن هم في صعيد مصر من جهة أخرى، بين من يجد من يحميه، ومن يموت في الصحراء من دون أي نجدة. قديماً جاءت الإرساليات الأوروبية والأميركية، تحمل وعوداً بالحياة الأبدية، والرخاء الأرضي. فقابلتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بخدمات، تضاهي بها تلك التي يقدمها “الأجانب”. من تلك الخدمات هي خدمة البركة التي انضممت لها منذ ثلاثة أعوام تقريباً، وهي التي لن أتمكن من القيام بها لشهور مقبلة، تاركاً نفسي وأهل الصعيد من دون “بركة”.

الآن آمنت، أن لا “الأجانب” يحمون الإنجيليين، ولا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، المعروفة ضمنياً بالكنيسة “الوطنية”، تحمي ذويها أيضاً. أنا أدرك تماماً ما يحدث في الكاتدرائية الجديدة، في العاصمة الإدارية الجديدة، خلال احتفالات عيد الميلاد، كما هي الحال في الأعوام الماضية. سوف يقال من جديد من قبل الرئيس والبطريرك، كل ما هو قديم ومعروف. فيصبح الشهداء، شهداء للوطن، وتصبح ذكراهم مكبلة بشعارات رتيبة تصيبنا بالغثيان، من دون إيجاد حلول جذرية لمشكلات الصعيد وأهله.

هجرة ووطن

خلال الـ”lunch break”، تأملت أيضاً الظروف التي أتت بجدّي مهاجراً من صعيد مصر ليستقر في القاهرة في حي شبرا ومنه في مصر الجديدة، في ثلاثينات القرن الماضي، لتبدأ حكايتي التي هي بالأحرى كابوس، جعلني أفكر إن كنت أستطيع أن ألبي نداء عائلتي وأنشئ أسرة مسيحية كما يطلبون مني.

يربطني بالصعيد ليس فقط صلات عائلية، ولكن دينية أيضاً، تماماً هي التي تدفعني أو تجبرني على القيام بخدمة البركة، في كنيسة مصر الجديدة. نقوم بالخدمة ليس فقط لننعم “بفوائدها”. بل لنشعر أيضاً بأننا مدينون لمن يحصلون على الخدمة، فلست أنا من يعطيهم الأموال، ولكنها أموال من الله، منحها لنا كي نعطيها لغيرنا.

تعلمت وأنا صغير في فصل مدارس الأحد “قصة الوزنات”، أي أكياس الذهب، التى قصها السيد المسيح على أتباعه، وذكرت في العهد الجديد في إنجيل الرسول متى. تبدأ القصة عندما أعطى سيد غني أكياسا من الذهب لعبيده، وطلب منهم أن يعملوا، ليربحوا أضعاف ما نالوه. وعندما رجع الرجل، أخبروه بما فعلوا. “فجاء الذي أخذ الخمس وزنات وقدم خمس وزنات أخرى قائلاً: يا سيد، خمس وزنات سلمتني. هوذا خمس أخرى ربحتها فوقها”. وكذلك كانت الحال مع من حصل على وزنتين. أما من حصل على وزنة واحدة، فلم يربح أي شيء. دفن وزنته، خوفاً من أن تضيع، قبل أن تضيع ثقة سيده فيه، وهو الذي لا يعطي شيئاً بالمجان.

ألعن تلك الأيام التي أتت بي إلى هذا البلد، وأتسائل عن منحة دراسية هنا، أو كفيل يرعاني بمرتب مخزٍ هناك مع كل إلغاء لخدمة البركة

ماذا نفعل بعد تلك الأسباب الأمنية، التي تحول دون وجودي ووجود “خدمة البركة” في الصعيد؟ ماذا بعد فقدان أسباب الخدمة ومصادرها، بعد أن عجزت عن سداد ديوني التي منحت لي بمقابل وبشروط؟ أتكلم عن صحتي، أموالي، وظيفتي في المصرف، التي هي كلها وزنات يجب أن أستثمرها في دوائر الخدمة وأساعد غيري، حتى يتسنى لي تشكيل إيماني وانتمائي إلى الهوية والمجتمع المسيحي في مصر؟

مع كل انفجار كنيسة أو حادث إرهابي، يبدأ هذا الصراع بداخلي، ولعلي لم أعد أستقبل هذه القصص بالخوف والرعب والمفاجأة ذاتها، مقارنة بما حدث في ليلة رأس السنة في الإسكندرية عام 2010. أفكر جدياً هذه المرة بالمغادرة والرحيل من تلك “المخروبة”، فأنسى أنه “مبارك شعبي مصر”، ومثل هذه الأمور، التي يحلو للأقباط ترنيمها بأجمل الألحان. لعلي أدرك أنه في ظل تشابه الحكاية التي تحدث كل يوم، لم أعد أتذكر حكاية أمس، فأمس هو الغد ولكن تتغير معه أسماء الشهداء والمصابين.

ألعن تلك الأيام التي أتت بي إلى هذا البلد، وأتسائل عن منحة دراسية هنا، أو كفيل يرعاني بمرتب مخزٍ هناك.
مع كل إلغاء “لخدمة البركة”، أسأل عن مدى ارتباطي بالكنيسة وبالبلد بوجه عام. أفكر في مصير الأدوية والأغذية والبطاطين، التي سهرت ليال طويلة لإعدادها. حتى وهي “مدفونة” في غرف مغلقة في كنيسة مصر الجديدة، تبقى بداخلها “بركة” الصعيد، التي لم أعد متأكداً، إن كانت حقاً تساعد أقباط الصعيد، أم تساعدني أنا.

مينا إبراهيم: باحث دكتوراه في جامعة جيسين بألمانيا، وزميل بالمعهد الألماني للدراسات الشرقية في بيروت، ويهتم بيوميات الحياة الدينية في مصر، وبخاصة مفهوم وتقليد “الخدمة” لدى المسيحيين الأقباط

إقرأ أيضاً:
“أين ذهبت شادية”؟ : قصة أخرى عن المكان المسيحي الغائب في مصر

إقرأ أيضاً