fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

“فيسبوك” يسرق بهجتك العائلية

حظي أولادي ببعض الأخبار السارة في الآونة الأخيرة. فقد تفوقوا دراسياً وحققوا فوزاً في بطولة الهوكي، وشعروا بالقليل من الإثارة جراء القبول بالجامعة. لكنهم مروا أيضاً بأوقات صعبة ولحظات من المتعة المشوبة بالألم، بانتظار آخر مباراة سوف يلعبونها، وخيبات الأمل والكثير من الصعاب التي قد يواجهونها. لو كنت صديقاً لي أو حتى مجرد شخص على معرفة بأمي، ودارت بيننا محادثة ودية خلال وقوفنا في طابور الدفع في محل البقالة، فسوف أحدثك عن أيٍ من هذه الأمور، ربما حتى سأريك بعض الصور.

لكنني لن أنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنني جربت ذلك لفترة طويلة وتوصلت إلى استنتاج بسيط حول تلقي ردود الفعل من الأصدقاء والعائلة والمعارف، من خلال الوجوه التعبيرية وعبارات المواساة أو التهنئة مع علامات التعجب، بدلاً من العناق والمساندة الفعلية. والنتيجة هي أن هذه ليست طريقة ممتعة ولا أريد القيام بذلك مرة أخرى.

لم أبتعد وحدي من مواقع التواصل الاجتماعي. ففي حين أن ثلثي الأميركيين البالغين تقريباً يمتلكون حسابات على موقع “فيسبوك”، فقد تغيرت طريقة استخدام كثر منا الموقع خلال السنوات الأخيرة. في دراسة استقصائية لمركز “بيو للأبحاث”، أفاد 40 في المئة من المستخدمين البالغين بأنهم لا يتابعون “فيسبوك” في فترات راحة تصل إلى أسابيع وربما أكثر، وقال 26 في المئة منهم للباحثين إنهم حذفوا التطبيق من هواتفهم في فترة ما من العام الماضي.

وبسبب سجل “فيسبوك” الحافل بالتهاون في حماية بيانات المستخدم، تغيرت طريقة استخدام بعض الأشخاص المنصة، فقد عدّل أكثر من نصف المستخدمين البالغين إعدادات الخصوصية لديهم. في حين يشعر آخرون بقلقٍ متزايد بخصوص تأثير المنصة على طريقة تصرفهم وإبداء مشاعرهم. في كل الأحوال، الابتعاد من منصات التواصل الاجتماعي هو وسيلة لحماية خصوصيتك العائلية.

قالت جوليانا ماينر، أستاذة مساعدة في قسم الصحة المجتمعية والعالمية في جامعة جورج ميسن، ومؤلفة الكتاب المرتقب “تربية طفل من جيل الشاشات الذكية: تقبل المنافع وتجنب المساوئ في العصر الرقمي”، إنه، “بكل تأكيد ألحظ ميلاً إلى تقليل النشر على فيسبوك، من الصعب معرفة ما إذا كانت تلك التحولات بسبب الانتهاكات الأمنية، أو لأن الناس قد ملوا من فيسبوك فحسب”.

يبدو أن حتى مارك زوكربيرغ نفسه -الرئيس التنفيذي لـ”فيسبوك”- يعتقد أنه على الأقل خلال الفترة الأخيرة وبعد تجربة عيش حياتنا على الإنترنت في محيط أكثر اتساعاً خلال أكثر من عقد، بات كثيرون منا على أتم الاستعداد للعودة إلى المجموعات الأكثر حميمية التي لطالما سعى البشر إلى إنشائها. وأعلن في مقال عن خطط لضمان حماية المحادثات الخاصة والمجتمعات الصغيرة على المنصة. وكتب أن التفاعل على “فيسبوك”، “سيصبح تجربة أكثر خصوصية كلياً تتواصل فيها أكثر مع دائرتك الصغيرة المقرّبة، وبصورة أقل مع الدائرة الأكبر”.

“التفاعل لا ينتهي في لحظة ضغطك على زر المشاركة. إذ يترقب جزء من دماغك ردود الفعل على منشورك، وهو بمثابة إلهاء صغير يشغلنا عن أي شيء آخر كنا سنقوم به”

أقدمت على هذا التحوّل شخصياً، ومنذ قيامي بذلك، وأنا أتساءل عن سبب اتخاذ ساحة الإنترنت تلك منبراً لي من الأساس؟ فكلما ادخرت الأخبار السارة والصعوبات الشخصية لمشاركتها مباشرة مع الأصدقاء، كلما تأكدت من أن العالم الرقمي لم يمنحني يوماً القدر ذاته من الرضا أو الدعم. في المقابل، فاتتني رؤية تلك اللحظات التي ترتسم فيها الفرحة على وجوه أصدقائي عند سماعهم أخباري السعيدة، وكثيراً ما تمنيت لو لم يطلع كل شخص يتابعني على أيّ خيبة أمل أو كلمات غاضبة كتبتها.

أضافت ماينر، “تشير الكثير من الأدلة إلى أن التفاعلات الشخصية وجهاً لوجه تحقّق رد فعل عصبياً أقوى من أيّ شيء تستطيع فعله من خلال الإنترنت. بالتأكيد يؤثر فينا التعاطف الافتراضي بشكلٍ ما، لكن ليس بالقدر الكافي. إذ ربما تعادل ستة أحضان افتراضية حضناً واحداً حقيقياً”.

يمكن أن يستحوذ الوقت الذي نستغرقه في التماس هذه الأحضان الافتراضية على عالمنا الفعلي الذي نعيش فيه، وقد يجذبنا ذلك إلى هواتفنا مرة أخرى (وهو بالتأكيد السبب الذي يجعل الكثير من الشبكات تقدم هذا السيل من ردود الفعل في المقام الأول).

“في النهاية، لا تأخذ منصات التواصل الاجتماعي منك الوقت الذي تستغرقه لكتابة منشور فحسب”. هكذا قالت ستاسي شتاينبرغ، المديرة المساعدة لمركز “الأسر والأطفال” في كلية ليفين للحقوق بجامعة فلوريدا، ومؤلفة ورقة بحثية بعنوان “الآباء المدونون: خصوصية الأطفال في عصر منصات التواصل الاجتماعي”.

وأضافت أن، “التفاعل لا ينتهي في لحظة ضغطك على زر المشاركة. إذ يترقب جزء من دماغك ردود الفعل على منشورك، وهو بمثابة إلهاء صغير يشغلنا عن أي شيء آخر كنا سنقوم به”. فبمجرد نشر صورة لصغيرك وهو يرقص (مؤدياً حركة فلُوسينغ)، تتوقف كلياً عن متابعة رقصه. إذ إن جزءاً منك ما زال في العالم الرقمي، وينتظر تحقق سعادته.

يمكن أن تكون هذه السعادة الافتراضية مرضية، لكنها مشاعر سريعة الزوال، مثل البهجة الناتجة عن استبدال وجبة إفطار حقيقية بفطائر بوبتارتس المحمصة. ومع ذلك فإن مشاهدة تفاعل والدتك على المقطع ذاته، يمنحك بهجة من نوع خاص. تقول  شتاينبرغ، “أرى أن منشورات الآباء قد اختلفت عما كانت عليه قبل 5 سنوات. أصبحنا نطمح في جمهور أقل عدداً ونبحث عن طرائق لمشاركة ما ننشره مع الأصدقاء المقربين فقط”.

كما حذّرت من أن حتى الأخبار العامة التي تبدو غير ضارة، قد تكون لها تبعات. وتابعت، “لنفترض أن لديك ابناً كان نجماً في البيسبول ثم قرر تحويل مساره، ومع ذلك ما زال بعض الغرباء عنه نسبياً، يسألونه عن معدل رمياته. أو أن تقرر ابنة أخرى الالتحاق بكلية معينة، ثم تغير رأيها في ما بعد. اتخاذ القرارات أمر معقد، والحياة معقدة. لذا عزيزتي المتقمصة شخصية ماري كوندو، صفحتك على فيسبوك ليست أمراً بهذه السهولة”.

بالطبع توجد استثناءات. فقد نجح “فيسبوك” في أن يكون ساحة للتواصل والارتقاء المهني. بالنسبة إلى من لديهم أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، يمكن أن يمنحهم “فيسبوك” مجتمعاً داعماً بصورة استثنائية. وبالنسبة إلى أسوأ الأخبار -مثل الكوارث أو الأمراض أو الوفيات- يمكن أن يساعد “فيسبوك” المستخدمين على نشر التطورات بسرعة، وطلب المساعدة، أو كتابة نعي، ومشاركة الذكريات.

يمكن أن تكون هذه السعادة الافتراضية مرضية، لكنها مشاعر سريعة الزوال، مثل البهجة الناتجة عن استبدال وجبة إفطار حقيقية بفطائر بوبتارتس المحمصة

يقول كال نيوبورت، مؤلف كتاب “الإقلال الرقمي: اختيار حياة مركزة في عالم صاخب”، إنه “إذا أردنا تقييم أساليب استعمالنا أدوات مواقع التواصل الاجتماعي المتاحة لنا، فعلينا أن نسأل أنفسنا عما إذا كانت هذه الأدوات هي أفضل وسيلة لتحقيق أهدافنا”. في تلك الحالات السابقة، الإجابة هي نعم.

لكن ماذا عن نشر اللحظات الأكثر خصوصية، أو التنفيس عن النفس، أو الحصول على نصيحة جيدة حول صعوبات التربية، مع الشعور بأن هناك من يدعمنا في أصعب لحظات حياتنا؟ وجدت أن الحياة الواقعية، وجهاً لوجه، والعناق الحقيقي يمنحني دعماً في لحظاتي العصيبة أكثر مما قد يفعله أي شيء رقمي. لماذا إذاً تفوت على نفسك مشاعر الابتهاج تلك في سبيل نشوة موقتة جراء حصول منشورك على عدد كبير من الإعجابات؟

التقيت منذ مدة بواحدة من معارفي أثناء انتظار طلبي من مطعم محلي. قالت لي بحفاوة، “هنيئاً لك”. أجهدت دماغي بحثاً عن السبب. لقد بعت كتاباً هذا الأسبوع، لكنني لم أطلع الجميع على هذا الأمر، ولم أكن حاملاً، ولم أحصل على وظيفة جديدة، وأيضاً لم أفز باليانصيب. كما أن مهاراتي في طلب الوجبات السريعة لا تبدو حقاً جديرة بالإشادة، وفي الحقيقة ربما طلبت طعاماً كثيراً، كما أفعل عادةً. أردت التحدث أكثر حول هذه الأخبار السعيدة، لكن عماذا كنا نتحدث؟ لحسن الحظ أنها تابعت، “لا بد أن ابنك في غاية السعادة”.

صحيح، قُبِل طلب التحاق ابني الكبير بالجامعة. كان في منتهى السعادة ونحن كذلك، وقد قلت ذلك. لكن كيف عرفت؟

أخبر ابني ابنتها، إحدى زميلاته في الفصل، وابنتها أخبرتها.

شيءٌ عظيم.

بقلم كيه جيه ديل أنتونيا

هذا المقال مترجم عن موقع New York Times ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

 

المراهقون اليوم أكثر وحدة

إقرأ أيضاً