fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

فنون الشرّ الذكوريّ: كيف نعذّب النساء؟

قهر المرأة لم ينتهِ ولن ينتهي، فهو مستمر في هذا العالم وبأشكال مختلفة، على رغم أن العالم دخل مرحلة الذكاء الاصطناعي.

العنف ضد المرأة كانت بدايته ربما بتفاحة آدم، بكل ما تحمله هذه الروايات من خطيئة ومعصية بشرية، تحفزه الأديان والعقائد والتقاليد، والفتاوى التي يطلقها رجال الدين وكهنته الذين يكنون في دواخلهم كراهية مزدوجة للنساء، قصة قابيل وهابيل وجريمة القتل الأولى في التاريخ البشري عقب نفي الإنسان إلى الأرض وحتى الآن، تسود فكرة أن حواء أغوت آدم بتناول التفاحة وأن امرأة دفعت قابيل إلى قتل أخيه هابيل!

تحمل الأخبار الآتية من مناطق مختلفة من العالم تسونامي من الحكايات الكابوسية المفزعة تنتمي لما يعرف باسم أفلام الرعب، المدججة بالعذابات والأنين النفسي والجسدي. بالتأكيد قليلون هم الذين يعرفون عن عادة كي أثداء الفتيات في أفريقيا، التي صنفها صندوق الأمم المتحدة للسكان، كواحدة من الجرائم الخمس التي لا يتم الإبلاغ عنها في ما يتعلق بالعنف ضد المرأة. ويشير تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى أن عمليات كي الثدي أو تسطيحه تسقط ضحيتها أكثر من 3.8 مليون امرأة حول العالم.

كي الأثداء في الكاميرون

طمس علامات الانوثة

كي الثدي ( Breast Ironing) أو تسطيح الثدي (Breast Flattening) هي عملية كي حلمتي ثديي الفتاة، وذلك باستخدام أسياخ النار أو الصخرة الساخنة أو أدوات أخرى ساخنة في محاولة لجعلها تتوقف عن النمو او حتى تختفي كلياً. وتنتشر هذه الظاهرة في غرب أفريقيا ووسطها، كما تنتشر بشكل أقل في بنين وتشاد، ساحل العاج، غينيا بيساو، غينيا كوناكري، كينيا الزمبابموي، وكانت تنتشر في جنوب أفريقيا وتم حظرها بموجب قانون سنته الحكومة. وقارنت موسوعة “ويكيبيديا” بينها وبين عادة ختان البنات في الإسلام، وقارن آخرون بينها وبين وأد البنات في الجاهلية. وخلصت دراسة أجرتها وكالة التنمية الألمانية (GIZ) عام 2004 إلى أن أكثر من 5 آلاف فتاة كاميرونية قد تم كي أثدائهن. إلا أن هذه الدراسة شملت عدداً محدوداً من النساء، ذكرت أن حوالى فتاة بين كل 4 قد تم كي حلماتهن، وبالتالي فإن إجمالي النساء اللاتي تعرضن لهذه الجريمة ربما يتجاوز ملايين النساء.

تنتشر هذه الظاهرة بشكل كبير بين النساء المسيحيات أو (الاحيائيات) ويتركزن في (الجنوب) مقارنة بالنساء المسلمات اللواتي يتركزن في (الشمال) ولا يعرفن شيئاً عن هذه العادة، بخاصة أن أقل من 10 في المئة منهن تعرضن لكي الأثداء. أما سبب عدم انتشار هذه العادة في صفوف المسلمات إلى الزواج المبكر، ففي شمال الكاميرون يتم تزويج الفتاة المسلمة حال بلوغها وهو ما يجنبها بشكل أو آخر الوقوع ضحية هذه الجريمة الرامية إلى منع نضوجها الانثوي.

 

الكاميرون هي إحدى الدول التي تمارس فيها هذه العادة البشعة، وبحسب تقارير نشرتها الميديا المحلية “حوالى 50 في المئة من الفتيات يخضعن يومياً لتلك الممارسة غير الإنسانية لإخفاء علامات الانوثة وطمسها، وغالباً ما تقوم أمهات الفتيات بهذه الجريمة لاقتناعهن بأنها ضرورية لحماية بناتهن من الاختطاف والاغتصاب، وذكر تقرير أصدرته منظمة غير حكومية مقرها (بامندا) في الكاميرون باسم Gender Empowerment and Development، أن 58 في المئة من هذه العمليات تقوم بها الأمهات. وكان تقرير للخارجية الأميركية صدر عام 2004 ربط كي الثدي بعادة ختان الاناث، منبهاً إلى أن لهما آثاراً جسدية ونفسية ضارة منها الألم والدمامل والجروح البدنية والنفسية”.

ويتضح من تقرير نشره موقع “أصوات بوست” أن عادة كي الثديين كانت تمارس في الماضي بهدف تحسين در الحليب لدى الأم المرضعة، ولكن ذلك تغير بمرور الوقت مع تزايد حالات الاغتصاب في البلاد، ويشير التقرير إلى أن الفتيات من العائلات الثرية يرتدين أحزمة عريضة على الثدي لمنع نموه.

إيميلي ضحية القهر الاجتماعي

ايميلي ندومبي التي كانت ضحية هذه الجريمة أبلغت موقع “دي في” الألماني والدموع أغرقت عينيها، “حين اقوم بإرضاع اطفالي أشعر بآلام فظيعة لا أقوى في احيان كثيرة على تحملها، ولكنني لست الوحيدة التي تعاني من هذه المشكلة في القرية، فهي حالة عامة تعاني منها جميع الأمهات”.

ايميلي البالغة من العمر 35 سنة، تسكن في قرية تابعة لمدينة دوالا في الكاميرون، تتحاشى مغادرة كوخها الخشبي لأنها تخجل من الندوب الكثيرة في صدرها، ومن حجم ثدييها الكبيرين مقارنة بهزال جسمها ونحالته، وتضيف: “منذ صغري كانت امي تدلك صدري بحجارة صخرية ملساء ساخنة وتكرر هذه العملية مراراً متجاهلة الآلام الجسدية والنفسية التي تسببها لي”.

أم ايميلي لا تنكر فعلتها وما ارتكبته بحق ابنتها الوحيدة، لكنها تصر على أنها لم ترد إيذائها بل قصدت حمايتها من الاغتصاب، وقالت: “نبدأ بتدليك الصدر حينما تكون الفتاة قد بلغت الثامنة من عمرها لإخفاء معالم انوثتها فلا يبرز نهداها حتى لا تجذب إليها أنظار الرجال الراغبين في اشباع جوعهم الجنسي”. وتتحدث الأم عن طبيعة العملية قائلة: “نأخذ حجر طاحونة ونضعه في النار أو سيخاً حديدياً نضعه على نار حامية، ثم نقوم بتدليك صدر البنت وهي عملية تحصل يومياً”. الأم تتحسر الآن وتشعر بندم، لأنها تسببت بكل هذا العذاب لابنتها، لان ما فعلته لم يجد نفعاً، فعلى غير العادة نما ثدياها بسرعة عجيبة، وما أن بلغت الخامسة عشرة حتى وضعت طفلها الأول ثم تبعه خمسة اخرون، “ومع ولادة وإرضاع كل طفل كنت أشاهد آلام ابنتي التي كانت تتنامى باستمرار”. غير أن أمهات اخريات لا يشعرن بالندم على فعلتهن وقالت إحداهن “إنني سعيدة بأنني وفرت الحماية لابنتي لأنني لم احتمل فكرة أن تحمل قبل أن تكمل دراستها الجامعية”. ويشير تقرير إلى أن أكثر من 30 في المئة من الفتيات يحملن حملاً غير مرغوب فيه وفي وقت مبكر للغاية. وتستخدم أدوات كثيرة لإتمام هذه العملية وهي لا تقتصر على الأسياخ أو الحجارة الساخنة، إنما أيضاً يد الهاون الخشبية والموز أو قشر جوز الهند أو المغرفة (الكبشة) أو المنشفة المغموسة في الماء الساخن.

الحجر المستخدم في عملية الكي

ختان البنات وكي الثدي وجهان لجريمة واحدة

في البداية اعتقد الأفريقيون بأن كي الثدي ليس سوى عملية تساعد الأمهات على زيادة كمية الحليب، ولهذا فإن كثيرين توقفوا عن القيام بها بعد أن تيقنوا بأنها لم تحقق الهدف المطلوب، وكانت اختفت الظاهرة خلال فترة زمنية ليست قصيرة، ولكنها عادت مجدداً، ولكن هذه المرة كانت بهدف تأخير نضوج الفتيات. يقول أخصائي الأمراض النسائية دينيس كافوندا في تعليقه على هذه العادة “لا يوجد سبب طبي عقلاني لتدليك هذه الجزء الحساس من الجسم بحجارة ساخنة، إنه عمل بشع ولا يقل وحشية عن ختان الإناث كما أنه لا يمكن كي هرمونات النمو لوقفها. ويضيف: “النساء يدفعن ثمن عدوانية الرجال”.

الأمومة المتوحشة والمجتمع المريض

إميلا فتاة بلغت للتو سن الرابعة عشرة، ولكن علامات النضوج الانثوي كانت بدأت عندها وهي في التاسعة من عمرها. تروي إميلا تجربتها المؤلمة مع ” كي ثدييها” الذي بدأ مع تسارع نموهما، ما دفع شقيقتها الكبرى إلى تدليكهما كل يوم بمنشفة مغموسة في ماء حار. تقول “كان هذا مؤلماً للغاية”. وتضيف “ليس هذا فقط، إذ كانت شقيقتي في كل ليلة تربط قطعة بلاستيكية حول صدري وتشدها بإحكام لتسطيح الثديين، ما أدى إلى ارتخائهما بعد ستة أشهر من الشد والكي بحيث أصبح نسيجهما ضعيفاً للغاية”.

جيراليدن سيري (15 سنة)، عاشت هي الأخرى تجربة مؤلمة أثرت في حياتها النفسية وجعلتها تفضل الانزواء والهرب من الرجال. تقول: “كانت والدتي تتناول في يديها الهاون الخشبية وتسخنها على النار ومن ثم تبدأ بالضغط مراراً وتكراراً علي ثديي الاثنين، فيما أتمدد على ظهري، وبعد ذلك تأخذ قشرة جوز الهند وتسخنها على نار حامية وتكوي بها الثديين، في هذا الوقت كنت أصرخ من الألم وأحاول الهرب من بين يدييها، ولكنني أفشل لأن جسمي كان يرتعش بشدة وينتفض من الأوجاع”.

التقاليد وغياب القوانين الرادعة

تقر الهيئات الحكومية المعنية في الكثير من البلدان الأفريقية بعدم قيامها بدراسات وابحاث حول الجوانب السلبية لظاهرة كي الاثداء، إلا أن منظمات المجتمع الديموقراطي أجرت بحوثاً متعددة لمسح وتوثيق هذه الحالات وآثارها الجسدية والنفسية، تبين أنها تتسبب بآلام مبرحة والتهابات في الثديين مصحوبة بتقرحات وبثرات، مع إمكان الإصابة بسرطان الثدي، والحد من القدرة على إرضاع الأطفال”. يقول البروفيسور اندرسون دوه اختصاصي جراحة السرطان ومدير مستشفى الامراض النسائية بالعاصمة الكاميرونية ياوندي: “في الثدي أنسجة مكونة من انسجة ضامة، وفي حالة كي الثديين باستخدام أجسام ساخنة، قد تحدث أضرار مرضية فادحة”. كشفت دراسة تعود لعام 2013 أعدت بمساعدة جمعية التعاون الدولي (GIZ) أن هذه الممارسة تراجعت نسبتها بحدود النصف ولكنها ما زالت تمارس في عدد كثر من الدول الأفريقية، وأعلنت 12 في المئة من المشاركات في استطلاع أعدته هذه الجمعية، أنهن عايشن هذه التجربة الصعبة. وبحسب المتحدثة باسم منظمة ريناتا(Renata) كاترين أبا فودا أن هذه الظاهرة موجودة بكثرة الآن في دول منها تشاد وتوغو، وأن حكومات هذه الدول لم تقم بأي إجراءات لمعالجة هذه العادة التي يبدو أنها متجذرة في الثقافة والتقاليد”. وتضيف: “الثدي القبيح من شأنه بحسب اعتقاد هذه المجتمعات أن يحمي الفتاة من اعتداءات جنسية”.

العنف ضد المرأة أو العنف ضد النساء كما يُعرف باسم العنف القائم على نوع الجنس، هو مصطلح يستخدم عموماً للإشارة إلى أي أفعال عنيفة تمارس بشكل متعمد أو بشكل استثنائي تجاه النساء. وكجرائم الكراهية فإن هذا النوع من العنف يستند إلى جنس الضحية كدافع رئيسي وقد يكون جسدياً أو نفسياً.

فيما عرّفت الجمعية العامة للأمم المتحدة “العنف ضد النساء” على أنه “أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة”. كما نوه الإعلان العالمي لمناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة الصادر عام 1993 بأن “هذا العنف قد يرتكبه مهاجمون من كلا الجنسين أو أعضاء في الأسرة أو العائلة أو حتى الدولة ذاتها”. وتعمل حكومات ومنظمات حول العالم من أجل مكافحة العنف ضد النساء وذلك عبر مجموعة مختلفة من البرامج منها قرار أممي ينص على اتخاذ يوم – 25 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام  “يوماً عالمياً للقضاء على العنف ضد النساء“.

العنف ضد النساء والفتيات ظاهرة عالمية، إذ تشير البيانات الدولية إلى أن امرأة واحدة على الأقل من كل ثلاث نساء في جميع أنحاء العالم تعرضت للقتل او للضرب أو الإكراه على ممارسة الجنس أو إساءة معاملتها في حياتها مع المعتدي الذي تعرفه عادة. وكان المجلس الأوروبي أقر في مؤتمر عقده في تركيا عام 2011 اتفاقية دولية لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة و العنف المنزلي، وهي تهدف إلى وضع حد لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، وصادقت عليها حتى الآن أكثر من 50 دولة في العالم، وعرفت باسم اتفاقية اسطنبول.

 

إقرأ أيضاً