fbpx

هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

فلسطين تحت الأرض: الموسيقى كاعتراض سياسي

يضطر المنتج ومهندس الصوت الفلسطيني “أودز” إلى تسلّق جدار الفصل الإسرائيلي يومياً، ليتوجه من مدينته رام الله المحاصرة في الضفة الغربية، إلى حانة “آنا لولو” الفلسطينية في يافا حيث منازل أهله وأجداده.

كثيراً ما أوقف الأمن الإسرائيلي أودز وحجزه ساعات طويلة للتحقيق معه، لكن الشاب يصر على مقاومة منعه من لعب الموسيقى في حانات يافا وسهراتها.

يعلّق صاحب حانة “آنا لولو” على مغامرة أودز اليومية، بالقول “أن يلعب الموسيقى في حانتنا، شاب من رام الله، هذا يدق لدى الساهرين جرساً، يفيد بأن الحدود يمكن تجاوزها”.

معاناة أودز ومغامرته اليومية وما يلحقها من أضرار جسدية يتلقاها نتيجة قفزه مسافة أربعة أمتار من فوق الجدار الفاصل، قصة ألقى الضوء عليها وثائقي “فلسطين تحت الأرض”، الممتزجة أحداثه بين الفن وتاريخ سياسي طويل ليصوّب إلى تجربة فنانّين ومهندسي موسيقى وأصحاب حانات فلسطينيين يقاومون يومياً لصنع اللهو والمرح في أرضٍ سحقها النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي.

“أجواء الوثائقي تسير على وقع عشق جنوني للموسيقى والحياة كمحرّك أساسي للاشتباك مع المخاطر والعقبات التي يواجهها محبو موسيقى “الراب، والهيب هوب”

موسيقى الأرض

الوثائقي من إنتاج قناة “بويلر روم” البريطانية و”4:3″ بالتعاون مع موقع “مقاطعة” الفلسطيني. وكانت قناة “بويلر روم” قد أنجزت  في تموز/ يوليو الماضي وللمرّة الأولى مجموعة من الحفلات المفتوحة في رام الله ونقلتها مباشرة على موقعها وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تابعها ملايين المشاهدين.

يتناول الفيلم الذي لا تتجاوز مدّته النصف ساعة، الموسيقى الشبابية البديلة في مدينة رام الله في الضفة الغربية، ومقاومة فناني الضفة جدار العزل الإسرائيلي للقاء نظرائهم الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي، فيتنقل الوثائقي بخفة بين مغني “الراب” و”الهيب هوب” في الضفة والفرق الموسيقية في حيفا والمنازل السرية التي تتحول ليلاً مراقصَ تستقبل عشرات الشبان والشابات يحتسون الكحول ويرقصون لساعات طويلة ويدخلون في علاقة ذوبانية مع إيقاع الإنغام.

من الصعب حتى على المشاهد العربي تصديق ما تراه عيناه في الوثائقي، ألوان وأضواء وفتيات يرفعن أنخابهن وشباب تتمايل أجسادهم. للوهلة الأولى يبدو الوثائقي ناقلاً حياة الليل الصاخبة في بيروت أو القاهرة أو أبو ظبي لنكتشف أنها تجري في الضفة الغربية وأراضي الـ ٤٨ وأبطال الأحداث فلسطينيون وصفوا دائماً بأنهم مهووسو حرب.

تأتي الحركة التي يبثها الوثائقي كفعل سياسي معارض. بداية من معارضة الاحتلال عبر الهم اليومي الذي يعيشه أبناء الضفة للاجتماع مع فلسطينيي إسرائيل، وتصل المعارضة إلى الاصطدام بجدار المحرّمات والمحظورات.

هذا النوع من أساليب الحياة غريبة جداً على المشاهد، فلطالما ربط المشهد الفلسطيني بالحرب، ولكن الوثائقي يقلب هذه المعادلة، إذ إن أجواء الوثائقي تسير على وقع عشق جنوني للموسيقى والحياة كمحرّك أساسي للاشتباك مع المخاطر والعقبات التي يواجهها محبو موسيقى “الراب، والهيب هوب”.

“أن يلعب الموسيقى في حانتنا، شاب من رام الله، هذا يدق لدى الساهرين جرساً، يفيد بأن الحدود يمكن تجاوزها”

وجوه فنية عدة يسرد قصتها، فتأتي القصص تباعاً لتكشف تجارب شخصية يعيشها الفلسطينيون مع الفن من خلال ابتكار أماكن خاصة للرقص ولعب الموسيقى بعيداً من ضوضاء الحرب.

يلقي “فلسطين تحت الأرض” الضوء على القيود السياسية المعيقة لحركة الفنانّين والموسيقيين الفلسطينيين من قبل الأمن الإسرائيلي والسلطات الفلسطينية التي تحاول دائماً خنقهم، لما تتناوله موسيقاهم من أفكار تحريرية تعارض قمع السلطات المحلية التي تفرض حظر تجول ليلي يقيّد الحراك الفني داخل المراقص والحفلات المفتوحة ليلاً في رام الله.

لقد نجحت منتجة الوثائقي آنيس بروماند في تركيب صورة واقعية غائبة عن الإعلام العالمي والعربي عن حياة السهر الفلسطينية، وعن عشق فئة من الفلسطينيين عالم الليل والعزف والتلحين، وهو ما بات مساحة متفلتة من القيود، يستطيعون عبرها الهروب من الضغوطات الاجتماعية والدينية لتدخين الحشيش وشرب الخمر والقفز واللهو وخوض تجاربهم الفردية بعيداً من الرقابة التي يتعرضون لها، أكان من الأمن الإسرائيلي أم الفلسطيني، كما فككت الفنانين في كسر الموانع الجغرافية بين فلسطينيي الضفة وفلسطينيي 48.

رحلة محفوفة بالمخاطر

ليس سهلاً تصوير الأفلام والوثائقيات داخل الضفة الغربية أو في الأحياء الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي.

منتجة الوثائقي آنيس برموند، وصفت لـ”درج” تجربة التصوير بين الضفة وأراضي الـ48 بأنها “كانت محفوفة بالمخاطر الحقيقية”.

ففي الأيام الأولى من التصوير اكتشف فريق العمل أنهم يمكثون في منزل يقع في نقطة اشتباك، ما دفع أحد أفراد الطاقم إلى الخروج من الضفة الغربية والتوقف عن العمل في المشروع.

تخبر آنيس “درج” عن المرات الأربع التي مرّوا بها في نقاط تفتيش إسرائيلية، ففي كل مرة كان الفريق يتخوّف من أن يمنعه الجيش الإسرائيلي من دخول إسرائيل أو يعتقد أنه يسعى إلى صنع عمل ينتقد الإسرائيليين.

وتعرّض فريق العمل لاستجواب من قبل أمن مطار “بن غوريون”، وفقد واحدة من حقائبه، ثم استرجعها بعد أسبوعين من دون أن يوضح أمن المطار سبب التأخير في وصول الحقيبة إلى لندن.

آلية تصوير الوثائقي ومحتواه يعكسان عمق الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، فعدد من الفلسطينيين الذين عملوا مع برموند رفضوا تلقي رواتبهم عبر المصارف لأنهم ينتمون إلى “مجموعة تقاطع إسرائيل ولا يُسمَح لهم بتلقي مبالغ مالية مروراً بالحسابات المالية الإسرائيلية”.

الوضع في الضفة الغربية ليس أفضل، إذ تقول برموند: “تم توقيفنا مرات عدة في الضفة الغربية من قبل السلطة الفلسطينية. وطلب منا الكشف عما صورناه”.

وعن سبب اختيارها فلسطين توضح بريموند: “على المستوى الشخصي تعمّقت في النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. أنا مهتمة بإخبار قصص مرونة الأفراد مع الحياة، أي كيف يجد الناس الذين يعيشون في أوضاع صعبة أو مؤلمة طرائق لجعل الأشياء تعمل لمصلحتهم”.

تعتقد بريموند أن الوثائقي يدور حول الموسيقى والترفيه والكثير من السياسة وهو طريقة رائعة لاستحضار النزاعات والموسيقى والتاريخ إلى شريحة واسعة من الجماهير حول العالم. فهؤلاء الفنانون هم الجيل الثالث من الفلسطينيين منذ نشأت إسرائيل. إن الكثير من المظالم التي تؤثر في مجتمعهم عالقة في أذهانهم، وما زالوا يريدون أن يعيشوا حياة طبيعية، يخلقون الفن، ويرقصون، ويستمتعون بالحياة، على رغم سياقها التعسفي المعقد، ويحاربون ظروفهم القاسية.

إقرأ أيضاً:
جدران ضاحية بيروت بالألوان… حين تحاول المدن طمس وجوه فقرائها
“تجريف التاريخ”: منظمة “مواطنة” توثق لأهم الآثار التي هدمتها الحرب في اليمن

إقرأ أيضاً