fbpx

هنا القصة الثالثة

عطالله سليم - صحافي فلسطيني

عطالله سليم - صحافي فلسطيني

مقالات الكاتب

فلسطينيتي “اللبنانية”

لم تكن يوماً فلسطينيتي طقوساً وكوفيةً وحمّالة مفاتيح مع رسم “حنظلة”. مارست فلسطينيتي على شكل أوسع وأعمق. بدأت أدرك أنني فلسطيني مذ بدأت تقصّ عليّ جدتي حكايات عن جمال قرية البصّة التي أنا منها. أبي كان شيوعياً وفلسطينياً في آن. لربما اخترت طريقاً أصعب للوصول إلى فلسطين فقررت بدل أن أكتشف فلسطينيتي، الغوص في شيوعيتي أكثر فوجدت فلسطين هناك. لم يكن أبي يتكلم اللهجة الفلسطينية ذلك أنه ولد وترعرع في صور، تلك المدينة الجنوبية الساحلية التي احتضنت فلسطينييها على نحوٍ لذيذ. هناك تعرّف أبي إلى فتاة صورية ومن ثم انتقلا للسكن في إحدى مناطق رأس بيروت. 

ولدت عام 1987 في منطقة يقطنها لبنانيون. دخلت مدرسة مسيحية لبنانية، ومن ثم ذهبت إلى جامعة ” لبنانية – أميركية”. تكوّن محيطي من لبنانيين وكانت صور بالنسبة إليّ، هي فلسطين وذلك لسببين: السبب الأوّل قربها الجغرافي منها، والثاني أنها شكلت مسكن أجدادي وعمّاتي، اللواتي لم تولد أي منهن في فلسطين، إلاّ واحدة، عمتي فادية. أمّي بالمناسبة لبنانية. 

بطبيعة الحال، لم يكن بمقدور أصدقائي في المدرسة أن يعرفوا أنني فلسطيني. فعلى رغم أنّ بشرتي تميل إلى السمرة، إلا أنّني لا أتكلم اللهجة الفلسطينية. عندما طُلب منا تقديم بعض الأوراق الثبوتية للتقدّم إلى امتحانات الشهادة المتوسطة (البريفيه)، لاحظ أحد أصدقائي أنني أحمل هويةً زرقاء، تختلف عن الهوية اللبنانية. فكان سؤاله: “بماذا تختلف عنّا؟ ولماذا لون بطاقتك أزرق؟”. وكنت أجهد نفسي في أن أروي لماذا أنا مختلف ولماذا أتت عائلتي إلى لبنان. كانت المرّة الأولى التي يكتشف فيها أصدقائي فلسطينيتي، وربما أنا أيضاً. 

عندما كبرت، انغمست في كل شيء يعني لبنان. طبعاً لم أنسَ فلسطين. زاوجت بينهما صانعاً جمهورية حقيقية في بيروت وأخرى متخيلة في القدس. يلومني بعض الأصدقاء على “لبننة” وجودي في بيروت، إلى حدّ لا يمكن للبناني أن يتخيله إذ انخرطت وبقدرٍ واسع في حياة المدينة السياسية والثقافية والإعلامية. كنت دوماً أقول لأصدقائي إنني أعرف كيف ومتى أظهر فلسطينيتي وأعزّزها وسط كل هذا الحراك المتنامي في بيروت. سيبتسم بشار أبو سعيفان عندما سيقرأ هذا المقطع بالتحديد. 

أشعر بفلسطينيتي كل يوم وكل لحظة ولكن بالشكل الذي اخترته بنفسي للانغماس في هويتي الفلسطينية في لبنان. كثرٌ يستغربون عندما يعلمون أنني فلسطيني، هذا مع العلم أنني تقصدت أن أكتب عبارة “فلسطيني الجنسية”، إلى جانب اسمي في كتابيّ الاثنين الصادرين في لبنان. وأتقصد دوماً في مناسبات عدة أن أظهر هذا الانتماء، كي لا يحسب عدم التصريح عنه خوفاً أو تردداً أو استحياءً. أنا بكلّ فخر فلسطيني. 

أشعر بفلسطينيتي كل يوم وكل لحظة ولكن بالشكل الذي اخترته بنفسي للانغماس في هويتي الفلسطينية في لبنان.

شعرت بفلسطينيتي في الانتفاضة الثانية وإبان حصار أبي عمار في الضفة الغربية وعقب مجزرة جنين. شعرت بها أيضاً حين شُنّت على غزة أربع جولات من الحرب، في محاولة لتركعيها ولم تركع، وحين أعلن ترامب عن صفقة القرن محاولاً شطب حقّ العودة. ولكن لا شيء يضاهي شعوري بـ”فلسطينيتي” إلاّ عندما أقوم بإصدار مستندات ووثائق قانونية لأغراض شتّى. مناسبة هذا الكلام أنّني أقوم حالياً بإصدار جواز سفر جديد، ولأنني “لاجئ فلسطيني في لبنان”، إليكم “دويخة” هذه العملية: 

ذهبت إلى مختار المحلّة لأطلب منه نموذجاً خاص لهذا الغرض. يحتاج الأمر إلى “شاهدين” لبنانيين لينجزا هكذا معاملة! أنا الذي ولدت في بيروت من أمّ لبنانية، واللبناني أكثر من “كتير لبنانييّ” على حدّ قول صديقي، أحتاج الى هذا الأمر! بعد 3 أيام من محاولة “تجميع” صديقين لكي يشهدا لي بكل شيء كفرا به، تأخر إصدار المعاملة، بسبب خانة “تاريخ الولادة”، لأن بطاقة تعريفي كُتب عليها فقط سنة الولادة، لا التاريخ المفصّل. لذلك لم يستطع المختار تعبئة هذه الخانة من دون الاستعانة بمستند قانوني آخر. فذهبت إلى المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين لأطلب وثيقة ولادة! 

أتيت إلى مكاتب المديرية لأستلم وثيقة الولادة في التاريخ المحدّد، إلا أنّ “الكومبيوتر خربان وراحت لبعد العيد”. هكذا قالوا لي هناك. استغرقني الأمر بضع دقائق لأعرف ما إذا كانت هذه الجملة مزاحاً أم حقيقة! وسط هذه المعمعة، قال لي إداريون هناك إنّ البطاقة التعريفية التي أحملها قديمة، وبإمكان الأمن العام اللبناني ألاّ يقبلها، لأنها صدرت عام 2004، أي حين كنت في السابعة عشرة، وبالتالي تغيرت ملامحي. فعدت الى مكتب المختار مرةً ثانيةً لأصدر بطاقة تعريفية جديدة، ما احتاج إلى 12 يوماً! 

هكذا تحولت القصّة من إصدار جواز سفر جديد إلى إصدار بطاقة تعريفية جديدة. لقد بدأت هذا المسار في 22 تموز/ يوليو الماضي ولم أستطع بعد أن أتقدم بطلب جواز سفر جديد، بسبب البيروقراطية الإدارية والكمّ الهائل من المستندات التي على اللاجئ أن ينجزها. 

هنا تنتهي حدود “لبنانيتي”. هنا يزول الوهم بين بيروت التي رسمناها في خيالنا وبيروت الحقيقة. بيروت الحقيقة ترزح تحت عباءة نظام سياسي فاسد ومتخلف منع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية عن اللبنانيين وكلّ من يعيش في لبنان، ومن ضمنهم طبعاً نحن، فلسطينيو لبنان. نحن الذين نُواجَه اليوم بحملة عنصرية، تثار حولها علامات استفهام كثيرة تمنعنا عن العمل في لبنان. 

بالمناسبة، ريثما سأنتهي من هذه “الدويخة”، ربما أقيم حفلاً لشرب نخب مناسبة حصولي على جواز سفر جديد، وسيكون ذلك في واحدة من حانات بيروت، بيروت التي في قلبي.

أن تكون فلسطينياً… في لبنان

إقرأ أيضاً