fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة- The Independent

ترجمة- The Independent

مقالات الكاتب

“فلاديمير العظيم”: كيف شكّل روسيا والعالم في سنوات حكمه العشرين؟

يمكننا القول إن فلاديمير بوتين هو الزعيم العالمي الأكثر أهمية منذ بزوغ نجم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل.

ولو فكرنا قليلاً، لوجدنا أن هذا أمر لافت للغاية بالنسبة إلى رجلٍ لم يكن لديه في بداياته أيّ طموحات سياسية. فلولا تقديم الرئيس بوريس يلتسن المريض واليائِس له للحفاظ على سلطته ولتأمين الحصانة لعائلته -أو لو كان ببساطة قدم أحداً غيره- لكان تاريخ روسيا قد تغير تماماً.

عندما أصبح بوتين رئيساً للوزراء في 19 آب/ أغسطس من عام 1999، كان سياسياً مغموراً بتصنيف انتخابي ضعيف لا يتعدى 1 في المئة. وافترض الجميع أنه سيسير سريعاً وفقاً للطريق الذي رسمته آمال الرئيس السابق يلتسن، إذ كان يتوقع أن يحل أحد محله في خضم الأزمات. وبالفعل كانت احتمالات نشوب الأزمات واقعية للغاية، فقد كانت الحرب الأهلية تعصف بشمال القوقاز، إضافة إلى تهديدات من مناطق أخرى بالانفصال.

لكن وعلى عكس جميع التوقعات، ما زال بوتين يحكم روسيا منذ 20 عاماً. وعلى مدار هذين العقدين، ترك ضابط الاستخبارات الروسية (KGB) الغامض، والشاب البيروقراطي الآتي من سان بطرسبرغ، بصمته على جميع مجالات الحياة في روسيا تقريباً.

“أنا الرب إلهك”

هناك أشياء أعمق بكثير من مجرد الموضة والأزياء تفصل الوقت الحاضر عن زمن صورة يلتسن القديمة التي يدعو فيها بوتين البالغ من العمر 46 سنة إلى مكتبه للمرة الأولى. فمع تولي بوتين دفة القيادة، جُدّد النظام السياسي الروسي بالكامل. لكن ظلت النزعة السلطوية المتنامية هي المسار الثابت الذي لا يمكن إنكاره.

أمضى بوتين معظم سنوات حكمه الأولى في إعادة بناء “سلطة عمودية”، تسعى إلى إخضاع السلطات التنفيذية والأقاليم إلى نظام قيادة ورقابة واحد. وحدث هذا بالتزامن مع حركة مؤسسية سوفييتية انتقامية، ومضاعفة الرقابة الحكومية على الاقتصاد، وإعادة الأجهزة الاستخباراتية إلى مركز الصدارة في الحياة الروسية. وفي النهاية، برزت مرحلتان أيديولوجيتان طوال فترة حكمه.

فلاديمير بوتين في شبابه

تمثلت المرحلة الأولى في شعبوية موالية للغرب، حيث اتخذت روسيا موقفاً حيادياً من حلف الناتو، وكانت مؤيدة للولايات المتحدة الأميركية، مع تبني سياسات إصلاحية في السوق الحرة في الداخل. واستمر نمط البوتينية هذا حتى عام 2006 أو 2007 تقريباً.

ثم لاحقاً، استحوذت أفكار “سيادية” على السياسة الروسية. في البداية جاء مبدأ “الديموقراطية السيادية”، الذي استحدثه المساعد المؤثر فلاديسلاف سوركوف، وكان إيذاناً ببدء تحول روسيا عن الغرب. ثم كان خطاب عام 2007 المتشدد في ميونخ الذي اصطدم مع المؤسسة الأمنية العالمية. وبعد ذلك، عام 2014، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم في خطوة مثيرة للجدل، وشنت حرباً على أوكرانيا، الأمر الذي استحدث مفاهيم جديدة مثل: الانعزالية والاقتصاد السيادي.

وقال غليب بافلوفسكي، وهو مستشار سياسي عمل في الكرملين خلال السنوات الـ12 الأولى من حكم بوتين، “خلال 20 عاماً، حكم أميركا كلينتون وجورج دبليو بوش وأوباما وترامب، وامتلك كل واحد فيهم رؤية سياسية مختلفة”. وأردف: “يعتقد الناس أنه إذا كان لدينا رئيس واحد، فإنه لن يكون لدينا سوى سياسية واحدة، لكن الواقع ليس كذلك على الإطلاق. لا يوجد أيّ تشابه بين ولاية بوتين الأولى وولايته الحالية”.

“لا تصنع لك تمثالاً”

غيّرت روسيا بوتين، مثلما غيرها هو.

في بداية حكمه لم يتمتع بوتين باللباقة الكافية ولم يكن مستعداً للظهور في المناسبات العامة، وكان فريقه قلقاً من الصورة التي قد يكوّنها الناس عنه. فهو لم يسبق أن مارس الألاعيب السياسية من الخطوط الأمامية، ولم يكن معتاداً على أن يكون مركز الاهتمام. حتى أنه ظل لفترة يواجه صعوبة في إيجاد بدلة تلائمه.

يتذكر بافلوفسكي ذلك قائلاً، “كان كلما يجلس يرتفع الجزء الخلفي من سترته”. وتطلّب الأمر سنوات عدة قبل أن يتمكن العميل الروسي من التخلص من خلفيته.

أصبح بوتين اليوم موضع إعجاب. فهناك قمصان وأكواب وسكاكين وساعات وروزنامات بل وحتى سراويل داخلية تحمل جميعها صورة الزعيم الوجيه. مع كتابة عبارات من قبيل: مدير الأزمات الذي أصلح كل شيء، أو بطل جميع المواقف، أو حامي الأمة.

غيّرت روسيا بوتين، مثلما غيرها هو.

وظلت صورة بوتين “الرجل القوي” راسخة، حتى على رغم انهيار شعبية كل شخص عمل تحت إمرته.

ولا يوجد سوى ثلاث نقاط سود في سجله عند الشعب الروسي وهي: عام 2005، بعد إصلاحات في الفوائد الاجتماعية التي لم تحظَ بشعبية. وعام 2011، بعد تزوير الانتخابات البرلمانية. وفي العام الماضي، بسبب إصلاحات في المعاشات التقاعدية والتي عارضها 9 من بين كل 10 أشخاص.

وعلى رغم التراجع الأخير في شعبيته، ظل بوتين أكثر السياسيين شعبيةً في روسيا بأغلبية ساحقة. ولا يعارض نظامه بشدة سوى 20 في المئة فقط من الشعب.

وينبه خبير استطلاعات الرأي المخضرم ليف غودكوف، إلى أن هذا الرقم ليس دليلاً على الحب ولا يدعو إلى الابتهاج. ويقول إن الروس رصينون في تقيِيمهم لبوتين. فهم يَتفهمون أن بوتين يُمثل مصالح الأوليغاركية (القلة الحاكمة) والجيش والأجهزة الأمنية. ويدركون أنه على استعداد لسحق أي معارض.

ويضيف، “وهذا لا يولد أيّ حبٍ أو تعاطف خاص”.

“لا تنطِق باسمِ الربِّ إلهِك باطلاً”

في الوقت الذي وصل فيه بوتين إلى السلطة، كانت فرصُ إرساء ديموقراطية ليبرالية محدودةً بالفعل. شكَّل العقدُ الأول من حياة روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي فرصةً مذهلة لبعض الروس؛ ولكن معظمهم دخل في صراع بغيض من أجل البقاء.

وضع يلتسن الأسسَ الأولى لتقويض الحريات، وتسليم السلطة التنفيذية لأجهزة الأمن، وتسليم رئاسة الوزارة إلى مدير جهاز الأمن، بوتين.

التقطَ الجاسوسُ السابق (بوتين) طرفَ الخيط وسحبه لآخره، مُحقّقاً سيطرةً كاملة، لا هوادةَ فيها، على المجتمع المدني وحقوق الإنسان. في منتصف العقد الأول من الألفيّة الثالثة، ألغى حقَّ التجمّع العام والتظاهر، وأصبح لزاماً على مُنظّمي التظاهرات أن يحصلوا على إذنٍ من السلطات أولاً.

تبعَت ذلك قيودٌ أخرى على الحريات وصلت حدّاً عبثيّاً، حتّى أن بعض المواطنين الروس سُجِنوا لمجرد النشر على “فيسبوك”. عام 2018 أدانت السلطات نجّاراً عاطلاً من العمل، لوصفه بوتين بـ”المتعصب المجنون”، وذلك في أول تفعيل لقانون جديد يحظُر الإساءةَ للمسؤولين على الإنترنت.

إلّا أنّ قمع بوتين للمعارضة كان يسيراً ولم يُجابَه بكثيرٍ من المقاومة. فبعد اضطرابات عقد التسعينات، تاقت الأمة الروسية للنظامِ ولليدِ القوية والاستقرار. كانت الأغلبية مستعدّة لغَضّ الطرف عن أي انتهاكات، في مقابل تحقيق أوضاع اقتصادية أفضل.

وبفضل ارتفاع أسعار النفط تمكّن بوتين من الوفاء بالتزامه، مُنهياً فترته الرئاسية الثانية وفي جعبته ما يؤهّله ليُنافِس على عرش أنجح الزعماء الروس في التاريخ.

“اذكُر يومَ السبت”

مع اصطفاف غالبية البلاد خلف بوتين، فإنّه لو أراد تغيير الدستور للبقاء رئيساً لما واجَه مقاومةً تُذكَر. إلّا أنّ بوتين قرَّر إجراء تجربة واختيار خليفة له. في 2008 أصبح رئيساً للوزراء، فيما شغَل ديمتري ميدفيديف منصبَ الرئيس.

صورة تجمع بوتين مع رئيس وزراء روسيا دميتري ميدفيديف

يتذكّر كونستانتين غازي، الذي كان مستشاراً في وزارة الزراعة في هذه الفترة الانتقالية، كيف شعرت الحكومة بالنشوة لتنفيذها مشروعاً هائلاً يُنجَز لأول مرة، وهو نقل السلطة الرئاسية من دون موت أو حالة طارئة.

يقول: “حين حدث ذلك، شعرتُ بأننا حققنا نصراً ديموقراطيّاً قويّاً وجميلاً. اعتقدنا جميعاً أننا كنا رائعين، وأننا دخلنا عصراً جديداً، وأنّ كل شيء من تلك اللحظة فصاعداً سيكون روتينيّاً”.

في النهاية، تبيَّن أنّ عهد ميدفيديف لم يكن سوى انتكاسةٍ ديموقراطيّة، ففور تولّيه الرئاسة نشبَت الأزمات. أدّت الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية وخروج تظاهرات حاشدة. وفزِع بوتين حين رأى انتقالَ جزء من النخبة إلى معسكر ميدفيديف، وساوَرَه شعورٌ بالندم على تسليم عرشه.

يقول غازي: “لمدة عام ونصف العام، تحلّى بوتين بروح الفريق؛ ولكن بحلول عام 2010، أصبح واضحاً أنه عاد إلى حلبة الصراع على السلطة مجدَّداً”.

أصبحت عودةُ بوتين إلى سُدّة الحكم عام 2012 نصراً شخصيّاً للغاية، ولقّنَه الوقتُ الذي أمضاه بعيداً من العرش درساً قاسياً حول مخاطر تسليم مقاليد الحكم.

وأمضى السنواتِ اللاحقةَ في محاولة إلغاء كلّ سياسة وكلّ مشروع طبَّقه ميدفيديف.

“أكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ”

سعى الرئيس ميدفيديف إلى التواصل مع المبدعين والنخب الليبرالية في روسيا، كما شرع في استخدام “تويتر” وظهر على محطة “دوزهد” الروسية المستقلة، وهي قناة تلفزيونية مناهضة للنظام. لكن عندما عاد بوتين، مالت السياسة الداخلية مباشرةً إلى الاتجاه الآخر.

وفي هذا الشأن تقول تاتيانا ستانوفايا، وهي زميلة غير مقيمة في مركز “كارنيغي” في موسكو، “لقد أدرك بوتين ضرورة حشد الجماهير من حوله، لذلك سعى إلى إنشاء روابط جديدة مع من اعتبرهم الأغلبية الديموقراطية. كانت هذه المرة الأولى التي بدأنا نستمع فيها إلى نقاشات دائرة حول الأسس الروحية للأمة، والقيم الأسرية، والموجة الوطنية التي أدت إلى الاستيلاء على شبه جزيرة القرم”.

منذ أواخر عام 2011، اختار بوتين سياسةً أكثر التزاماً ومحافظة أخلاقياً. فقد كان هناك ميل جديد للحياة الصحية وتضييق لمنع الإباحية على شبكات الإنترنت. أما عام 2013، فأدخل النظام “مادة 28” على البلاد، وهي تحمل تشريعاً جديداً مثيراً للجدل ضد ما يسمى “دعاية لعلاقات غير تقليدية” بين القُصَّر. كانت نتائج ذلك غير مفاجئة، فقد ازدادت جرائم الكراهية ونادراً ما تم التحقيق فيها. أما في الشيشان، فعُذِّبَ مئات الرجال المثليين وقُتِل منهم 3 على الأقل في موجتين من المذابح الموجهة ضدهم.

في حين أيّدت الكنيسة الأرثوذكسية هذا النهج المحافظ الجديد، ودعمه البطريرك كيريل، وسط بهجة وحفاوة من قبل بوتين واعتباره “معجزة الإله”.

منذ أواخر عام 2011، اختار بوتين سياسةً أكثر التزاماً ومحافظة أخلاقياً. فقد كان هناك ميل جديد للحياة الصحية وتضييق لمنع الإباحية على شبكات الإنترنت.

بيد أن الجميع لم يقتنع بما حدث. ففي آذار/ مارس 2012، تحرّكت مجموعة مكونة من 4 من أنصار الحركة النسائيّة إلى كاتدرائية المسيح المنقذ في موسكو، للقيام بعرض، مُعبرين فيه عن آرائهم المناهضة لبوتين وسياسات الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، ما دفع مجلس شيوخ الكرملين إلى إرسالهم إلى مستعمرة عقابية، وهي مستوطنة نائية تُستَخدَم في نفي السجناء وعزلهم عن بقية المواطنين في مجتمع من المساجين يشرف عليه آمر أو حاكم ذو سلطة مطلقة.

وفي هذا الصدد، قالت ماريا أليوخينا، وهي ناشطة سياسية روسية وعضو في فرقة بوسي ريوت، والمحكوم عليها بالسجن، “لقد كان بوتين عميلاً لجهاز الاستخبارات السوفيتيّ KGB، الذي دمر الكنيسة وقتل الكهنة وأرسل المؤمنين إلى معسكرات الإعدام. والآن تخبرنا الكنيسة أن استيلاء الـ KGB، على سدة الحكم في روسيا أمر عظيم. هذا تماماً مثلما تستمع للحاخام الأكبر وهو يُثني على هتلر.

“لا تقتل”

مثلما اعتاد إيفان الكبير استخدام رؤوس الكلاب المقطوعة لكشف الخيانة والخونة، فقد اعتاد بوتين استخدام وسائل أكثر تطوراً لتتبع أعدائه، لكن بالنسبة إلى أساليب القتل والتعذيب، فعلى ما يبدو لم تتطور كلها.

مثلت جريمة قتل ألكسندر ليتفينينكو البشعة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 نقطة تحول جوهرية في فترة رئاسة بوتين. فقد لقي الجاسوس الروسي السابق مصرعه وأذيع خبر وفاته على الشاشات في جميع أرجاء العالم، وهو على فراش الموت في أحد مستشفيات لندن، إثر تسميمه بمادة البولونيوم-210، وهي واحدة من أكثر النظائر المُشعة المعروفة للإنسان.

وبعد مرور 10 سنوات على الحادثة، أكد تحقيق بريطاني عام أن “من المرجح” أن يكون مقتل ليتفينينكو حدث على يد عميلين روسيين، وأنه كان على مرأى بوتين ومَسْمَعه”.

لم يكن القتل العمد على أراضٍ أجنبية أمراً جديداً، فقد اغتيل الزعيم الشيشاني المتمرد سليم خان يندرباييف في قطر قبل عامين فقط. لكن ما كان مختلفاً في عملية قتل ليتفينينكو هو الأسلوب والمكان الذي تم فيه التنفيذ، والذي حدث وقتها في أحد شوارع العاصمة البريطانية لندن. وقد كان هذا بمثابة بزوغ فجر نشاط جديد للقوات السريّة الروسية.

عام 2018، وصل التعطش للمخاطرة إلى مستويات جديدة مرة أخرى، وذلك بعد المحاولة الفاشلة لتسميم العميل المزدوج سيرغي سكريبال بغاز الأعصاب في مدينة ساليسبري. وأشارت مجموعة من الأدلة المُقنِعة إلى تورط موسكو مرة أخرى، وأدين اثنان من ضباط المخابرات العسكرية الروسية، وفضح مئات العملاء الروس الآخرين المشتبه بهم في تنفيذ هذه العملية.

وفي هذا الصدد، تقول ستانوفايا، “خلال رئاسته، أصبح بوتين يتعامل مع عمليات الاغتيال ببرود شديد. من قبل، كانت تعتبر هذه العمليات الجانب المظلم للسُلطة ومسألة تبقى خفية بل ومسكوتاً عنها، أما الآن فقد غدا الكرملين أقل تحفظاً وصار الموت أداة انتقام تُستخدَم علناً.

“لا تَزْنِ”

هكذا أظهرت العملية الفاشلة التي نُفِذَت في ساليسبري أن الكفاءة ليست دائماً ركيزة أساسية في نظام بوتين؛ غالباً ما يُعتَمَد على الولاء للحاكم بشكل أكبر.

لذا عَلاَ شأن كل من حظي بثقة بوتين. وخلال 20 عاماً، عيّن بوتين 4 من حرّاسه الشخصيين، السابقين، محافظين إقليميين. علاوةً على منحه الكتلة الأمنية دوراً متميزاً على حساب السياسة الداخلية.

يقول أندريه سولداتوف، وهو مؤلف وخبير في الاستخبارات، “سرعان ما غدا زملاء بوتين السابقين في الأجهزة الأمنية هم طبقة النبلاء الجدد في روسيا، لكن بعد مرور فترة طويلة على رئاسته، علا شأن الجيش وجناح جهاز الاستخبارات العسكرية التابع له (GRU) واستعادا مكانتهما”.

يقول سولداتوف إنّ “المؤسّسة الأمنيّة الكبرى في روسيا تقوم اليومَ مقامَ جهاز KGB السوفييتيّ، متحكّمةً في المجتمع من خلال هوس التجسس وفي النخبة من خلال عمليّاتٍ قمعيّة موجّهة. إلّا أنّ الجيش هو مَن بدأ يلعب دوراً أكثر استقلاليّة، وربّما قلتُ دوراً أشأم”.

أدرَكَ الأمرَ بسرعة أولئك الذين كسروا قوانينَ الولاء غيرَ المكتوبة.

رجل الأعمال الروسي ميخائيل خودوركوفسكي

وفي شباط/ فبراير 2003، تجرّأ المليونير ميخائيل خودوركوفيسكي، الذي كان حينها أغنى رجل في روسيا، على انتقاد سياسات الكرملين بشأن الفساد خلال لقاء تلفزي مع الرئيس. اعتُقِل خودوركوفيسكي مع نهاية العام. وبعد عام جُرِّد من أهمّ أصوله وشركاته العاملة في إنتاج النفط.

كانت العملية جزءاً من حرب ضد النخبة الحاكمة (الأوليغارك)، وهم مجموعة من الرجال الذين حقّقوا سلطة سياسيّة غير مسبوقة في عهد يلتسن. بطريقةٍ أو بأخرى، طُرِد من عالَم السياسة أولئك الذين لم يقبلوا طواعيةً أن يبقوا خارجه. كان أكثرهم عُرضةً للإثارة والانفعال بوريس بيريزوفيسكي الذي وُجِد ميّتاً في منزله في بريطانيا عام 2013.

تجرّأ المليونير ميخائيل خودوركوفيسكي، الذي كان حينها أغنى رجل في روسيا، على انتقاد سياسات الكرملين بشأن الفساد خلال لقاء تلفزي مع الرئيس. اعتُقِل خودوركوفيسكي مع نهاية العام.

غير أنّه بسرعة سقوط النخبة الحاكمة نفسها، صعَدت نخبة جديدة. تصادَف أنّ معظم تلك النخبة متوافقة مع مزاج الرجل الكبير.

“لا تسرِق”

أحد الإنجازات التي لا تُنكَر لسنوات حكم بوتين هو تقليص نسبة الفقر المُدقِع. أُنجِز هذا اعتماداً على الارتفاعِ التاريخيّ في أسعار النفط، وأجندةٍ إصلاحيّة مبكّرة، وسنواتٍ عدّة من معدّلات النموّ المرتفعة. على مدى السنوات العشر بين عامَي 1999 و2008، ارتفع الناتج المحلّيّ الإجماليّ الروسيّ بنسبة 94 في المئة. مِن ثَمَّ لم يكن كوب كابوتشينو بسعر 10 دولارات شيئاً غيرَ معتاد.

منذ ذلك الحين، صار الأداء الاقتصاديّ خليطاً متفاوِتاً، مع معدّل نموّ بنسبة 1 في المئة، وتوقّعاتٍ أكثر تواضعاً. في العام الماضي، ارتفع مستوى الفقر من 13.9 في المئة إلى 14.3 في المئة.

أحد الإنجازات التي لا تُنكَر لسنوات حكم بوتين هو تقليص نسبة الفقر المُدقِع.

على رغم الحديث عن مكافحة الفساد، إلّا أنّ هذا الفساد لا يزال يمثّل نقطة ضعف النظام. من المفارَقات أنّ الإصلاحات في سبيل تحقيق الشفافية، في عهد ميدفيديف وفّرت للصحافيّين والمُحقّقين الأدوات التي تساعد على كشف مدى كبير ذلك الفساد.

خلقَ السياسيّ المعارِض أليكسي نافالني مشاكلات كثيرة بتحقيقاته في التعاملات المشبوهة لأقرب مُساعِدي بوتين، بدءاً بميدفيديف نفسِه إلى شريكه لزمن طويل إيغور سيتشن. إلّا أنّ تقاريرَه كانت عديمة الأثر على الشخصيّات المعنيّة، بل على النقيض، وجد نافالني نفسَه يخضع لتحقيقات جنائيّة واعتقالات على فترات منتظمة.

يقول المستشار السياسيّ غليب بافلوفسكي، “بمجرّد إدراك الناس أنّهم في دائرة بوتين، أصبَحوا فاسدين. لا يهمّ إن كان بوتين نفسُه فاسداً. معظم القرارات تتّخذها بِطانتُه، وهي فاسدة من رأسها حتّى أخمص قدمَيها”.

“لا تشهَد شهادةَ زُوراً”

لقد كان مسارُ الإعلام الروسيّ على مدى العقدَين الماضيَين (1999-2019) مساراً تراجيديّاً تتخلّله انتصاراتٌ متقطّعة.

لقد كان بوتين عدوّاً شرساً لوسائل الإعلام.

بدايةً، لاحَقَ النظام وسائل الإعلام الجماهيريّة، مستولياً على ORT وNTV، وهما قناتان مؤثرتان، وكانتا تقدّمان إعلاماً نقديّاً بدرجاتٍ متفاوِتة. ثم التفَت النظام إلى الصحافة المطبوعة، فاستهلّ بالصحف الجماهيريّة ذات القطع الصغير، مثنياً على الصحف النخبويّة ذات القطع الكبير. هنالك كان المخطّط عادةً هو نفسه: إجبار النخبة الحاكمة على شراء تلك الصحف وتوظيف أصولها الماليّة الأخرى كأدواتِ ضغطٍ ونفوذ على قطاع الإعلام.

ومع حلول عامي 2011 و2012، واجه الجمهور الروسيّ مستوى جديداً من الأكاذيب والتضليل. يصف صحافيُّ الاستقصاءات أليكسي كوفاليف تلك اللحظات بأنّها نقطة “اللاعودة”، وهي المرحلة التي جعلته قلِقاً للغاية لدرجة أنه قرر إنشاء موقعه الخاص لتقصّي الحقائق، وهو موقعThe Noodle Remover. كانت الأخبار الكاذبة غالباً غير عقلانيّة، لكنّها تتخفّى وسط الأخبار الحقيقيّة، فكثير منها كان محض تحوير لسرديّات اليمين المتطرّف المنتشرة، من خلال الادّعاء، على سبيل المثال، بأنّ دوريّات الشريعة كانت تنشط في شوارع لندن.

يقول كوفاليف إنّه مع اندلاع العمليّات العسكريّة في أوكرانيا عامَي 2014و 2015، كانت عمليّة الكرملين تجاوزَت الحدّ الأقصى، مضيفاً “بدأ الإعلام الحكوميّ تأطير معارضة نظام بوتين على أنّها من أعمال التجسّس. لقد غذّت نظريّةَ المؤامرة والأكاذيب بلا توقّف، وبكلّ اللغات الحيّة في العالم تقريباً”.

حتّى في ظلّ هذه الأوضاع، استطاعَت بقايا الصحافة المستقلّة الاستمرار، وبخاصّة على الإنترنت. حين وصل بوتين إلى الرئاسة، لم يكن هناك سوى 2 في المئة من الروس يستخدمون الإنترنت بشكلٍ فعّال. يصل هذا الرقم الآن إلى أكثر من 80 في المئة. وبشكلٍ يدعو إلى التفاؤل، لا يبدو أن لدى الكرملين، حتى اللحظة، استراتيجيّةً متماسكة عن كيفية التعامُل مع التحدّي الرقميّ.

يُعد مقدم البرامج التلفزيونية ليونيد بارفيونوف، الذي يُعتبر أحد الوجوه الأكثر نزاهة في الصحافة الروسية، واحداً من أوائل ضحايا حملة القمع التي واجهتها وسائل الإعلام. فقد ساهمت المقابلة التي أجراها عام 2004 مع أرملة أحد القادة الشيشانيين المغتالين، على اعتبار أنه يحيد دوره بصفته مجرد مذيع نشرة أخبار. بيد أن بارفيونوف تمكن من استئناف عمله الآن، وعاد برنامجه إلى الحياة من جديد على “يوتيوب”.

قال بارفيونوف، “لم أعمل في التلفزيون الحكومي التابع للدولة منذ 15 عاماً، ولكن بالنسبة إلي فإن الأمور أفضل مما كانت عليه من قبل. للمرة الأولى، استطعت أن أكون المنتج والمذيع في الوقت نفسه. إضافة إلى أنني أمثل قناتي التلفزيونية الخاصة. إنه شيء رائع”.

“لا تشتهِ مقتنى قريبك”

على رغم أن الدعاية حول نجاح بوتين في الداخل تبدو وكأنها تُحقق قدراً أقل من المكاسب مُقارنةً بأي وقت مضى، فإن الروس ما زالوا متقبلين على نطاق واسع السرديات المتعلقة بإعادة تأسيس الأمة كقوة عظمى.

لدرجة أن أجزاء من المعارضة الروسية أيدت النزعة التوسعية التي يتبناها بوتين، وفقاً لما قاله الخبير الأمني الروسي، أندريه سولداتوف. وأضاف أن هذه التناقض ليس جديداً كلياً، مع تأصل الإمبريالية في الروح الروسية، “ففي سبعينات القرن العشرين وثمانيناته، أيد كثر من المنشقين، سياسة الكرملين في أوروبا الشرقية، حتى في الوقت الذي نصبوا فيه أنفسهم باعتبارهم معارضين للأيدولوجية الستالينية في النواحي الأخرى تقريباً”.

بيد أن مبادئ التوعية الوطنية تُشير إلى أن هذا التوجه يُرجى تحقيقه على الأمد البعيد. ففي حين أن، “الناس سئموا بالفعل مما يحدث في أوكرانيا، وفي سوريا، ولكن ذلك لا يُغير الأشياء الأساسية. إذ ما زلنا نعيش بعقليات القرن التاسع عشر”.

سوف تُذكر روسيا في ظل حكم بوتين بحروبها الدموية – في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا وسوريا، فضلاً عن النهج المتهور الذي اتبعته في التعامل مع حياة المدنيين الذين يعيشون هناك، وفي بعض الأحيان، الذين يحلقون فوق سماء تلك المناطق. وستُذكر أيضاً بالزيادات الهائلة في النفقات العسكرية، التي ارتفعت بنسبة تتراوح بين 4.9 و16 في المئة كل عام بين عامي 2010 و2016، قبل أن تشهد انخفاضاً طفيفاً إلى حد ما.

غير أن السياسة الخارجية لم تكن دوماً سيئة على هذا النحو. ففي عام 2004، تمكّن الديبلوماسيون الروس في واقع الأمر من إنهاء صراع دام قروناً، ووقعوا على معاهدة سلام طال انتظارها مع قبائل الشعوب الأصلية من الهنود في ألاسكا.

روسيا من دون بوتين

تشير الاحتجاجات التي نشبت هذا الصيف من أجل إجراء انتخابات حرة، والسياسة الفظة التي أثارتها، إلى مستوى معين من الأزمات التي يواجهها النظام الحاكم.

لم يتضح بعد مدى خطورة الموقف على بوتين. في حين لم يُوظف سوى جزء بسيط من الجهاز القمعي للكرملين، ويشك البعض في استعداد نظامه إلى بذل أقصى ما في وسعه لمواجهة ذلك الموقف. إضافة إلى ذلك، تقتصر حركة الاحتجاج إلى حد كبير على العاصمة، إذ يسهل حصر الاضطرابات التي تنشب في المناطق الإقليمية.

إلا أنه من الواضح أن صراعاً من نوع ما يلوح في الأفق.

فترة ولاية بوتين الثانية تنتهي عام 2024، وما لم يشرع في تغيير الدستور، لن يتمكن من البقاء رئيساً للبلاد.

لقد وضع الرئيس الروسي نفسه في موقف لا يحسد عليه، وزاد من صعوبة خروجه، بعدما أصبح في السلطة مدة أطول من بريجنيف. ولم تنجح محاولاته الهامشية بعدما أيد مد فترة الرئاسة في روسيا من 4 سنوات إلى 6 سنوات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008. وحتى لو أراد أن يرحل فمن المرجح أن يواجه معارضة من دائرة المقربين منه، الذين يحتاجون إليه أكثر مما يحتاج إليهم.

لم يتضح بعد مدى خطورة الموقف على بوتين. في حين لم يُوظف سوى جزء بسيط من الجهاز القمعي للكرملين

وقد طرحت بالفعل احتمالات عدة: من بينها إجراء تغيير دستوري من شأنه أن يضمن انتقالاً حقيقياً للسلطة إلى البرلمان وتنصيب بوتين رئيساً للوزراء، أو تبني النموذج الذي اختاره الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، باعتباره “والد الأمة”، والذي يتمثّل في تعيين بوتين رئيساً لمجلس الأمن في البلاد، أو الاحتمال الأكثر خطورة على الإطلاق، وهو تولي بوتين منصب رئيس دولة عظمى موحدة جديدة مع روسيا البيضاء، إلا أنه من غير المرجح أن يلقى هذا التحدي ترحيباً في العاصمة مينسك.

يقول غازي، “لقد اعتدنا على الاعتقاد بأن الأنظمة تشهد تغيرات أساسية في البداية. ولكن في روسيا التي يحكمها بوتين، تحدث الأمور بالعكس. فقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة أهم التغييرات الأساسية التي شهدها النظام”.

وأنهى كلامه قائلاً: “أما الآن، فيوشك أن يحدث التحول الأكبر أمام أعيننا مباشرةً”.

هذا المقال مترجَم عن independant.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

الطباخ الذي أصبح مستشاراً لبوتين ووكيله للمهمات القذرة

إقرأ أيضاً