فرنسا تنتصر مرّتين

كان في وسع ماكرون، وهذا ما فعله، أن يقول لضيوفه: انظروا! أتريدون أن تكرّروا ذاك الماضي الكئيب. لقد كانت الرسالة موجّهة لقادة كترامب وبوتين، ولكنْ أيضاً لآخرين حضروا الاحتفاليّة كرجب طيّب إردوغان وبنيامين نتانياهو. أمّا تتمّة هذه الرسالة فهي التلويح بالبديل كما تجسّده العلاقة الحاليّة بين عدوّي الأمس، فرنسا وألمانيا، ممثّلين به وبميركل.

في الاحتفاليّة الباهرة التي شهدتها باريس قبل أيّام، بمناسبة انقضاء قرن على نهاية الحرب العالميّة الأولى، بدت فرنسا البلد المنتصر: لا آنذاك فحسب، حين هزمت ألمانيا وفرضت عليها توقيع الهدنة، بل أيضاً في يومنا هذا.

لقد وجدت البيئة التقدّميّة في العالم ما يدغدغها في أن تبدو فرنسا على هذا النحو المبهج. أمّا ما عزّز الصورة هذه فجسّدته المستشارة الألمانيّة أنغيلا ميركل. ذاك أنّ الأخيرة التي مثّلت البلد المهزوم آنذاك، قبل قرن، تصرّفت كأنّها شريك الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في الانتصار. ماكرون، بدوره، كان يستضيفها إلى هذه الشراكة.

الانطباع الذي ينشأ يوحي أنّ الاحتفاليّة الباريسيّة نجحت في تحويل خنادق الأمس إلى خنادق اليوم، وخنادق الجنود إلى خنادق القيم. إنّها، راهناً، معركة الديمقراطيّة – الليبراليّة ممثّلةً، حتّى إشعار بآخر، بفرنسا وألمانيا، ضدّ الأنظمة الشعبويّة والقوميّة التي تتقدّمها روسيا والولايات المتّحدة. هكذا بدا الرئيسان فلاديمير بوتين ودونالد ترامب (الذي أعلن مؤخّراً أنّه “قوميّ”) ضيفين ثقيلين على الاحتفاليّة التي طغت عليها الألوان الأمميّة والتعدّديّة في الوجوه والألوان والأزياء والرقص والغناء. ماكرون مضى أبعد إذ هاجم “القوميّة” بالاسم في خطابه، واضعاً إيّاها في مقابل الوطنيّة. ترامب، وبطريقته، ردّ بعدد من التغريدات التي أخذت فرنسا (بتاريخها ونبيذها) بجريرة ماكرون.

 

إنّها، راهناً، معركة الديمقراطيّة – الليبراليّة ممثّلةً، حتّى إشعار بآخر، بفرنسا وألمانيا، ضدّ الأنظمة الشعبويّة والقوميّة التي تتقدّمها روسيا والولايات المتّحدة.

 

الماضي الذي احتُفل به، أي الحرب العالميّة الأولى، كان عنصراً مساعداً للرئيس الفرنسيّ: فالحرب كانت حرب القوميّات وقد انفلتت من عقالها في التنافس على المستعمرات والمصالح والأسواق. هذا التنافس كلّف ملايين الضحايا ما بين مدنيّين وعسكريّين. أمّا التتمّة “المنطقيّة” للعبة القوميّات الدامية فكانت الحرب العالميّة الثانية بين الدول التي انتصرت في الحرب الأولى والدول التي هُزمت فحُرمت المستعمرات وأُذلّت في داخلها. ضحايا القوميّة في فصلها الدمويّ الثاني كانوا أربعة أضعاف ضحايا الفصل الأوّل.

لقد كان في وسع ماكرون، وهذا ما فعله، أن يقول لضيوفه: انظروا! أتريدون أن تكرّروا ذاك الماضي الكئيب. لقد كانت الرسالة موجّهة لقادة كترامب وبوتين، ولكنْ أيضاً لآخرين حضروا الاحتفاليّة كرجب طيّب إردوغان وبنيامين نتانياهو. أمّا تتمّة هذه الرسالة فهي التلويح بالبديل كما تجسّده العلاقة الحاليّة بين عدوّي الأمس، فرنسا وألمانيا، ممثّلين به وبميركل.

إلى هذا، جاءت الاحتفاليّة مسبوقة بأحداث ثلاثة تعزّز نقد ماكرون للقوميّة الشعبويّة ولامتداداتها في العداء للهجرة والتمسّك بالحمائيّة التجاريّة:

فأوّلاً، أصيب دونالد ترامب وحزبه بانتكاسة جزئيّة في انتخابات منتصف الولاية في أميركا، وتحقّق بالتالي فوز جزئيّ لخصومهما في المعارضة الديمقراطيّة.

وثانياً، بدا أنّ كلّ الحملة العنصريّة على اللاجئين إلى إيطاليا عاجزة عن إنقاذ اقتصاد البلاد الماضي في الغرق، بدل أن يبلغ الخلاص الذي سبق للائتلاف الحاكم أن بشّر به الإيطاليّين.

وثالثاً، بدأت الحكومة المحافظة في بريطانيا تتراجع عن سياسة التقشّف الثاتشريّة، بحسب ما أنبأت به الموازنة السنويّة الأخيرة، فيما بات واضحاً أنّ طريق بريكزيت أعقد كثيراً ممّا تخيّله عتاة البريكزيتيّين.

هذه المكاسب، وربّما غيرها، وفّرت لاحتفاليّة باريس خلفيّة أضافت أضواء صغرى إلى ضوئها الساطع. أغلب الظنّ أن تتحوّل تلك الاحتفاليّة إلى محطّة بارزة في معركة طويلة وشاقّة تعهّدت فرنسا، بلد التنوير والثورة، أن تخوضها.

 

إقرأ أيضاً:

التدبر الصعب لإيران واسرائيل

أي دونالد ترامب بعد منتصف الولاية 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
غزوة الأمس أسفرت بحسب “رويترز” عن 19 قتيلاً وعشرات الجرحى من بين المتظاهرين. ومئات الفيديوات تفضح المهاجمين.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بدا المشهد مصارحة واضحة وتعبيراً لا لبس فيه عن فساد السلطة وتخاذل أهلها. فالسيول، بما فيها من زجاجات فارغة وقشور برتقال وجيف حيوانات، جرفت السيارات واقتلعت الأشجار على طريق الدامور- الجية.
ترجمة – Quartz
حين عاد ستيف جوبز إلى شركة “أبل” عام 1997، بعد 12 سنة من الغياب عنها، كانت الشركة التي شارك في تأسيسها تفتقر للهمة والوجهة. فعرض جوبز خطته لإعادة إحياء العلامة التجارية المتعثرة، مستعرضاً أحد العناصر الضرورية: الشغف، قائلاً “من يملكون الشغف يمكنهم تغيير العالم للأفضل”.
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
ربما لو أن جنرال الرابية الغضوب (الذي اشتهر بشتائمه)، لم يصبح الآن رئيساً للجمهورية، لكان استبدل خطاباته الهادئة الحنون بكيل من الشتائم التي كنّا معتادين عليها. أما شتائم اللبنانيين في الشوارع، فمرفوضة وغير مقبولة “بلا تهذيب”!
هديل مهدي – صحافية لبنانية
من المؤكد أن المنتحر يريد أن ينهي ألمه وليس حياته. ومن الواضح أن الأسباب الرئيسة وراء الإقدام على الانتحار في هذه الحالات هو الوضع الاقتصادي الصعب.
ترجمة – Washington Post
شهد عهد ترامب طائفة من سياسات الصحة الإنجابية المروعة، من بينها تتبع “مكتب إعادة توطين اللاجئين” فترات حمل الفتيات المراهقات ودوراتهن الشهرية لمنعهن من الإجهاض.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email