fbpx

هنا القصة الثالثة

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

مقالات الكاتب

فرض تراخيص على تظاهرات الجامعات المغربية… تضييق أم احتواءٌ للعنف؟

لا شيء يَشِي بموافقة الطلبة أو رفضهم، على الأقل في الوقت الراهن. لا احتجاجات ولا تظاهرات طالبية، ولا سيارات للتدخل البوليسي على بوابات الكليات. الكل منهمك، والصمت يخيم على الجامعة. إنها أجواء الامتحانات.

في الرواق الفسيح، وعلى الجدارن، صور وشعارات ثورية غاضبة، وكالعادة مُلْصَقَة على سبورات كل فصيل طالبي على حدة.

تشي غيفارا وكارل ماركس وشخصيات حاضرة بملصقات على الجدران، واللون الأحمر يبدو طاغياً. بيانات احتجاجية وشعارات يسارية تزين رواق الفصائل اليسارية والتقدمية عموماً. في الجانب الأيمن رواق فصيل طلبة “العدل والاحسان”، المختلف جذرياً عن ايديولوجيا جيرانهم . يُستقبل الزوار بصورة عبد السلام ياسين (الأب الروحي لجماعة العدل والاحسان)، سبورة الأنشطة الطالبية تتوسط المكان، وحرف الزاي المكتوب بتيفيناغ (الأبجدية التي يستخدمها الطوارق والأمازيغ)، يزين سبورة فصيل طلبة الأمازيغ، الطلبة الصحراويون لهم أيضاً حضور ورقعة في الرواق ذاته، والمسجد الأقصى يفتتح رواق منظمة التجديد الطلابي (التابع لحزب العدالة والتنمية الإسلامي).

يعبر الطلاب الرواق الفسيح جيئة وذهاباً، بعضهم تستوقفه بعض الكتابات، وآخرون لا يأبهون، يمرّون وحسب.

هكذا كان المشهد في كلية الآداب والعلوم الانسانية التابعة لجامعة ابن زهر في أكادير، بعد أيام قليلة من إصدار مذكرة وزارية تنص على “عدم الترخيص لأي جهة خارجية باستعمال مرافق الجامعة أو المؤسسات التابعة لها من أجل تنظيم تظاهرات كيفما كان نوعها”، مانحة سلطة الترخيص للأنشطة العلمية والأكاديمية لرؤساء الجامعات الذين يشرفون على تسيير شؤونها.

المذكرة الوزارية، أثارت نقاشاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن على الأرض، لا حديث بين الطلاب سوى عن ساعات الصيام الطويلة وضغط الامتحانات وقربها.

مريم (طالبة في كلية الآداب)، تؤكد أن الموضوع لا يثير اهتمامها. وتقول لـ”درج”: “أنا حالياً غارقة في مراجعة المحاضرات. شخصياً، لا أتابع الأنشطة الثقافية ولا الأكاديمية المنظمة من طرف الجامعة أو حتى من الفصائل الطالبية. لست مهتمة بذلك، لكن هذا لا يمنع أن أستنكر كل أشكال المنع الممارس ضد الطلبة أو الأساتذة”.

بالنسبة إلى محمد (طالب في كلية الآداب)، الأنشطة الثقافية والأكاديمية تهمه ويراها إضافة نوعية لتثقيف الوعي الفكري والمعرفي لدى الطالب. ويؤكد لـ”درج” أن مذكرة منع التظاهرات تعتبر بمثابة “وصاية ورقابة على حرية الفكر وعودة لسنوات المنع والتضييق”، سائلاً: “لماذا تم إصدار هذه المذكرة وفي هذا التوقيت بالذات؟”.

“تفادياً لتكرار الأحداث المؤسفة”

بررت وزارة التربية والتعليم قرارها بسبب ما شهدته الجامعة المغربية من “أحداث مؤسفة شهدتها بعض المؤسسات الجامعية خلال التظاهرات المنظمة، وما ينجم عنها من اصطدامات ومواجهات عنيفة يقع ضحيتها طلبة ومتدخلون”.

وأضافت الوزارة في سطور بلاغها التوضيحي أن القرار جاء “تفادياً لتكرار الأحداث التي تهدد سلامة جميع العاملين بالمؤسسات الجامعية، من أساتذة وأطر إدارية وطلبة، وانعكاساتها السلبية على السير العادي بها”، وهو قرار يهدف (وفق تعبير بلاغ الوزارة ) إلى “الحفاظ على حرمة الحرم الجامعي باعتباره فضاء للعلم والمعرفة والابتكار”، و”رد الاعتبار لمبادرة الأساتذة والباحثين”.

لم تسلم الجامعة المغربية من أحداث عنف بين الطلاب، راح ضحيتها طلبة أو نشطاء، ولعل قضية “آيت الجيد”، كانت أبرز ما سُجل في تاريخ الجامعة في تسعينات القرن الماضي، إذ ما زالت ترخي بظلالها على المشهد السياسي بالبلد، مثيرة خلافات وتراشقاً للاتهامات والتخوين بين بعض المنتسبين لتياري اليسار التقدمي والإسلامي الحاكم (حزب العدالة والتنمية) على إثر وفاة الطالب اليساري “محمد آيت الجيد”.

“نحن نأسف ونشجب بشدة أي عنف أو ما يشوش صفو الجامعة، ونرفض العنف أياً كانت جهته وهدفه، سواء كان عنف الدولة أم عنف الطلاب، وأيدينا ممدودة للجميع من أجل الحوار وحل جميع المشكلات بالتي هي أحسن”، يقول عبد الغني مموح، عضو فصيل طلبة العدل والاحسان.

ويضيف مموح لـ”دَرَج”: “موضوع العنف في يد الدولة يشبه الفزاعة التي تشرعن بها قراراتها ضد مكتسبات الحركة الطالبية. إذا أرادت القضاء على العنف فعليها أن تقصده مباشرة من دون استغلاله لأغراض أخرى، من يمارس العنف في الجامعة معروف فكراً وممارسة، وهذا لا يحتاج إلى مذكرات توجيهية بقدر ما يحتاج إلى إرادة فعلية وإجراءات للقضاء عليه”.

بالنسبة إلى سهيل بادي، المنسق الوطني لفصيل طلبة اليسار التقدمي، فهو يصف مبرر الوزارة بـ”الواهن”، ويعتبر أن “الممارس الأول للعنف –بشكل مباشر أو غير مباشر- هو الدولة”.

ويضيف بادي: “الدليل على كلامي، مظاهر العسكرة التي تعيشها الجامعات المغربية وكذلك الاعتقالات السياسية المتكررة في صفوف الطلبة، لا لشيء سوى لمطالبتهم بأبسط شروط التحصيل العلمي، من قبيل: “المنحة الجامعية” و”تأجيل الامتحانات” و”النضال من أجل تحقيق الملفات المطلبية”.

ويؤكد بادي أن هذه المظاهر برزت في ظل “غياب أدوار النقابة الطالبية ومُحَاصَرَة الفعل الطلابي التقدمي الرامي إلى إعادة بناء النقابة لتلعب أدوارها الطليعية في كبح العنف بين الطلاب، ووقف ما سماه سياسة “بولسة الجامعة باعتبارها فضاءً للفكر والإبداع”.

“ينبغي على الوزارة أن تكف عن أسلوب المنع، لأنه لم يجدِ نفعاً تاريخياً، ولن ينفع لا الآن، ولا في المستقبل، وإنما يجب التعامل مع من يخالفون اللوائح النظامية للجامعات بالقانون”، يقول عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري.

ويرى العلام أن من حق أي مؤسسة أن تنظم شؤونها الداخلية وفقاً للطريقة التي ترتضيها، ومن حق الطلاب أن ينتموا لأي نادٍ أو أي إطار طالبي وينظموا لقاءات ثقافية، لكن الإشكال – بحسبه- يكمن في منع الغرباء من دخول الجامعات، “هنا السؤال المطروح، ماذا نعني بالغرباء؟ إذا كانت الفصائل الطالبية تقيم الأنشطة، فهؤلاء ليسوا غرباء هم ينتمون إلى الجسم الجامعي”.

ويضيف العلام لـ”درج” أنه من “الصعب تحديد الغرباء، والمذكرة لم تبين من هي الجهة التي تمنع. هنا يطرح السؤال: هل في الجامعة شرطة إدارية؟ هل على الشرطة ووزارة الداخلية أن تنشرا عناصر أمن أمام المؤسسات الجامعية لمنع التظاهرات؟ هل سنضع رجال بوليس أمام الكلية لمنع الغرباء؟ هذا أمر غير ممكن. هل سيُمْنَعُ الأساتذة الذين يتم استدعاؤهم من الخارج لإلقاء محاضرات أو ندوات فكرية؟ وهذا غير مقبول”.

لماذا الآن؟

يأتي إصدار المذكرة الوزارية على خلفية أحداث شهدتها المؤسسات الجامعية من قبيل رفض الطلبة واحتجاجهم على محاضرات وندوات فكرية أو “نسفها”، مثل محاضرة الناشط أحمد ويحمان، التي منعها طلبة أمازيغ في كلية بني ملال، ومَنًع طلبة يساريون أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، من إلقاء محاضرة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في تطوان.

يرى مراقبون أن القرار خطوة لاحتواء العنف داخل الجامعات في ظل ما تسجله من عنف وصدامات بين الفصائل الطالبية، لكن أصوات معارضة تراه “تضييقاً” على حرية الفكر والتعبير.

الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، رأى أن المذكرة الوزارية جاءت لـ”تستهدف كل الأنشطة، وينضوي تحت هذا التعسف الطلبة والأساتذة الباحثون والأكاديميون، وغيرهم ممن يشملهم الحرم الجامعي المنتج للعلم والفكر والنخب”.

يأتي إصدار المذكرة الوزارية على خلفية أحداث شهدتها المؤسسات الجامعية من قبيل رفض الطلبة واحتجاجهم على محاضرات وندوات فكرية أو “نسفها”

وتطالب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بسحب “المراسلة الموجهة إلى رؤساء الجامعات فوراً، حفاظاً على المكتسبات وصوناً للانفتاح الضروري على كل مكونات المجتمع الذي تربطه شراكات مع الجامعة من مؤسسات أممية ودولية وإقليمية ووطنية، ومع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص”، مؤكدة أن المادة الخامسة من قانون المتعلق بتنظيم التعليم العالي تنص على تمتع الجامعة في إطار مزاولة المهمات المسندة إليها بالاستقلال البيداغوجي والعلمي والثقافي”.

يرفض العلام أسلوب المنع الممارس ضد كلا الطرفين: الطلبة وأجهزة السلطة الأمنية والإدارية.

في هذا السياق، يقول العلام لـ”درج”: “على الطلاب أن يعوا أن الحرية ليست شيئاً مطلقاً، وعلى الجميع احترام القانون والإيمان بحرية الرأي والرأي الآخر، فلا يمكن أن نصمت كفاعلين ومثقفين عن الأعمال الأجرامية التي يقوم بها البعض داخل الحرم الجامعي، مستغلاً هامش الحرية الممنوح أو المكتسب، ومع ذلك لا نؤيد أسلوب المنع، بقدر ما نؤيد اسلوب الحوار”.

إقرأ أيضاً: تونس: قرض بـ70 مليون دولار لا أثر لفوائده في قطاع التعليم العالي

ولا يستبعد العلام أن يتسبب إقرار هذه المذكرة في منع الأنشطة الجامعية وقمعها والتضييق عليها، ويؤكد لـ”درج” أن “التنظيم الذي ريد الوزارة تحقيقه، لا يكون هكذا، فالأنشطة الأكاديمية والثقافية في معظمها لا تؤدي إلى العنف، فالأخير يحصل غالباً خارج أسوار الجامعة، لذلك لا يجب خلط الأمور، فإذا لجأ مثلاً فصيل معين أو شخص ما للعنف، فعلى إدارة الجامعة أن تستعين بوسائلها الخاصة (كاميرات، مخبرين…)، وأيضاً بالمساطر القضائية المعمول بها وفق القانون”.

هل هناك بوادر للتضييق؟

“في الوقت الراهن، ليست هناك بوادر للتضييق، لأننا حالياً في فترة الامتحانات، والكل منكب على الاستعداد لها، لكن من المرجح أن الوضع سيتغير مع بداية الموسم الجامعي المقبل”، يقول بادي.

لم يكن التضييق على الأنشطة الطالبية بالمعطى الجديد، بل كان تاريخياً، ويعود إلى فترة السبعينات، عندما أصدرت وزارات الداخلية والعدل والتعليم العالي مذكرة منع الأنشطة والتظاهرات داخل الجامعات المغربية أواخر عام 1976. وتم إصدار المذكرة الثلاثية خلال عامي 1996 – 1997 التي وصفت لدى الفصائل الطالبية بـ”المشؤومة”، والأمر ذاته خلال عام 2014، إذ صدرت مذكرة ثنائية مماثلة، بين وزارتي التعليم العالي والداخلية.

يقول مموح، إن فصيل طلبة العدل والاحسان (كسواه من الفصائل الطالبية) “عانى من التضييق على طول سنوات وجوده في الجامعة، منذ الدخول عام 1991، وكان أصعبها خلال مرحلة إصدار المذكرة الثلاثية بين وزارة التعليم ووزارة العدل ووزارة الداخلية عام 1997– مستخدمة خلفيات المذكرة الأحادية للوزير أمزازي حالياً- وما زال يعاني التضييق لحد اليوم”.

بيد أن العلام يرى أن المذكرة الوزارية الحالية لا تستهدف بالأساس أنشطة الفصائل الطالبية لأنها “لا تحتاج إلى ترخيص، ويمكن أن تدبر أمورها لأنها دائماً ممنوعة”.

لكن الإشكال – بحسبه – يكمن في استهداف أنشطة الباحثين والأساتذة والمختبرات والشعب، لأنهم “ملزمون دوماً بطلب ترخيص من رئيس الجامعة، بل حتى العميد نفسه مطالب بهذا الاجراء، هنا قد يوافق رئيس الجامعة أو يرفض أو يلغي ندوة أو لقاء علمياً أو نشاطاً أكاديمياً، والمحصلة كل الجهود تذهب هباء” يختم العلام لـ”درج”.

المغرب: هل يقبل بلد الأقليات القليلة بالتعايش مع الأديان؟

إقرأ أيضاً