fbpx

هنا القصة الثالثة

مصطفى إبراهيم

مصطفى إبراهيم

مقالات الكاتب

غزّة: ذهول وصدمة و”نصر” مجلّلٌ بالقلق من المستقبل

الساعة الخامسة فجر الثلاثاء 13/11/2018، رن جرس هاتف الدكتور محمود. حين رد جاءه الصوت:

“الو الدكتور محمود؟

نعم من أنت؟

أنا داني ضابط من المخابرات الاسرائيلية، معك خمس دقائق تخلي شقتك، وتبلغ جميع السكان بإخلاء شققهم”

كيف وليش؟

سنقصف العمارة.

لا أستطيع أن أبلغهم بهذه السرعة، لا يوجد وقت…

سأبقى معك على الهاتف وأنت تبلغ السكان”

انطلق الدكتور محمود يسابق الزمن بطرق أبواب الشقق والطلب من السكان الإخلاء فوراً لأن إسرائيل ستقصف العمارة، والضابط داني على الطرف الآخر من الخط معه.

في أثناء ذلك، أطلقت القوات الإسرائيلية صاروخاً تحذيرياً من طائرة استطلاع بدون طيار يطلق عليها الغزيين “زنانة” على سطح البناية المكوّنة من سبع طبقات، زعمت إسرائيل أنه تحذير للسكان كي يخلو شققهم.

وبعد نحو 20 دقيقة، قصفت الطائرات الاسرائيلية المبنى بثلاث صواريخ وجعلته ركاماً وتضرّر عدد من البنايات والشقق المجاورة.

يعمل الدكتور محمود طبيباً، وعندما تلقّى الاتصال من الضابط داني لم يكن لديه وقت لتبديل ملابسه وجمع حاجياته فترك جميع وثائقه الشخصية من أوراق وشهادات علمية وشهادات ميلاد أولاده وأموال ومصاغ في المنزل الذي دمر بالكامل.

كل ما له علاقة بذكرياته وأوراقه بات تحت الدمار وهو لا يعلم السبب.

معظم السكان الذين هرعوا للنزول من المبنى خسروا الكثير من ممتلكاتهم في القصف الإسرائيلي.

المبنى المستهدف يسكنه عدد من الأطباء والموظفين وعدد الشقق المسكونة 14 شقة، وهي حديثة البناء.

ينفي السكان وجود أي موقع أو مكتب لأي من فصائل حركة حماس أو غيرها وهو الذريعة التي أعلنتها إسرائيل سبباً لتدمير المبنى الواقع في حي الرمال الراقي وسط مدينة غزة.

بيسان محامية لم تستطع منع نفسها من الصراخ والبكاء بصوت مرتفع، فقد هرعت لحماية طفلها الرضيع في الغرفة لحظة القصف فأغلقت شبابيك المنزل ظناً منها أنها ستحمي نفسها وطفلها بمنع النيران والدخان والركام المتطاير جراء قصف مقر فضائية الأقصى القريب من مكان سكناها في حي النصر بمدينة غزة.

لكن جهود بيسان لم تنجح، فقد اقتحام الغبار والركام المتطاير الغرفة، وهي لا تزال غير مصدقة كيف أنها نجت وصغيرها من الموت بأعجوبة، لكنها حزينة على أثاث منزلها الجديد الذي أصبح رماداً جراء النيران التي اشتعلت فيه.

الفلسطينيون في قطاع غزة لا يزالون يعيشون حتى الآن صدمة الهجوم الإسرائيلي ويتخوّفون من جولة مقبلة، فهم لم يلتقطوا أنفاسهم بعد من جولات التصعيد خلال الأشهر السبعة الماضية منذ إنطلاق مسيرات العودة السلمية على الحدود الشرقية للقطاع وسقوط أكثر من 200 فلسطيني وسقوط عشرات الجرحى.

هذه الجولة على غير عادة الهجمات الإسرائيلية السابقة، لم توقع خسائر كبيرة في الأرواح وسقط 7 ضحايا مقارنة بمحطات سابقة، لكنها تسبّبت بدمار كبير طاول 880 شقة سكنية كما ذكر وزير الاشغال العامة والإسكان في حكومة الوفاق الوطني.

جولة الاعتداء الإسرائيلي القصيرة نسبياً انتهت وهي تضاف إلى سلسلة هجمات سابقة أشرسها حرب ال51 يوماً عام 2014، وقد عبر الغزيون عن سعادتهم بانتهائها وهتفوا للنصر…

لكن، يبدو أن هذا “الانتصار” ليس سوى تعبير عن حالة اليأس والإحباط التي يعيشها الغزيون جراء الحصار الخانق المفروض من قبل اسرائيل، وجراء غياب الحريات العامة وصعوبة التنقل والسفر واغلاق المعابر وارتفاع نسب البطالة والفقر، والأهم غياب أي أفق بحل ومستقبل أفضل.

بدت الاحتفالات بالنصر” أشبه برغبة جامحة في تحقيق أي إنجاز وسط الهزائم والخيبات واستمرار الحصار الإسرائيلي، والإنقسام الفلسطيني الذي يسهل على إسرائيل مهمة ضرب الفلسطينيين.

إقرأ أيضاً:
التصعيد ضد غزة: عملية محدودة أم مقدمة لهجوم واسع؟
جناية قيادتي رام الله وغزة بحق فلسطين إعلامياً
عن فرن غزة ومخيمات الضفّة وخيبات الفلسطينيين

إقرأ أيضاً