غزة: حين زارنا الصاروخ في مكتبنا

مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
نوفمبر 13, 2019
لا أحد يعلم ماذا يعني أن يمرّ الموت بجوارك محمّلاً على ظهر القصف الذي لا يرحم. لا أحد سوى من عاش ذلك، يفهم كيف يمكن أن تختلط مشاعرك كلها وأنت ترى أصدقاءك أمامك مشوشين يغطيهم الغبار وتهددهم النهاية. إنها يوميات غزة وأهلها.

لا أحد يعلم ماذا يعني أن يمرّ الموت بجوارك محمّلاً على ظهر القصف الذي لا يرحم. لا أحد سوى من عاش ذلك، يفهم كيف يمكن أن تختلط مشاعرك كلها وأنت ترى أصدقاءك أمامك مشوشين يغطيهم الغبار وتهددهم النهاية. إنها يوميات غزة وأهلها، يوميات الموت والحياة.

استهدف مكتبنا بصاروخ دمّر الطبقة الخامسة، فيما كنا أنا وأصدقائي لحسن حظنا في الطبقة السادسة التابعة لمكتبنا المكون من ثلاث طبقات. قبل هذه اللحظات الطويلة المرعبة جداً، كنت أنهيت مكالمتي الهاتفية مع الصديقة عميرة، التي كعادتها اتصلت للاطمئنان. ضحكنا على من الأقوى نحن أم دولة إسرائيل، وقلنا إن الفلسطينيين أدخلوا نصف الإسرائيليين إلى الملاجئ خوفاً من صواريخهم البدائية.

في آخر ذاك اليوم المؤلم، أخبرتني كيف توقف قلبها عن الخفقان وهي تقود سيارتها في رام الله وتستمع لحديث إذاعي لمدير الهيئة المستقلة لحقوق الانسان وهو يتحدث عن استهداف مكتبنا في غزة، وكيف عاد قلبها إلى الحياة عندما قال “زملاؤنا في غزة بخير”.

صباح اليوم أثناء كتابتي هذا النص وصل خبر عاجل عن استشهاد مواطن واثنين من أولاده وهما دون العاشرة من حي الزيتون شرق غزة، ليبلغ عدد الشهداء 20 شهيداً. وسُمع صوت قصف وانفجارات متتالية لصواريخ القبة الحديدية التي تتصدى للصواريخ المحلية المنطلقة من غزة. أكتب وزوجتي كوثر وأولادي يحصون عدد الصواريخ المنطلقة من غزة أو تلك الانفجارات الآتية من القبة الحديدية الإسرائيلية. وتنتقل كوثر للحديث بحزن وتقول “تغريد أمس أجلت عرس ابنها، وإيمان قد تؤجل عرس ابنتها غداً”.

ويأتي صوت المذيع من تلفزيون الأقصى التابع لحماس، “في النهاية غزة ستفرض كلمتها الأخيرة بوحدة فصائل المقاومة”، في رد على الجدل القائم في غزة عن أن كتائب القسام الجناح العسكري، ستنضم للمعركة ولن تترك سرايا القدس في مواجهة العدوان الإسرائيلي واستفراد إسرائيل بسرايا القدس.

ويأتي صوت يارا “عاجل الآن، عدد من الإصابات من مدفعية الاحتلال الإسرائيلي”.

مليونا بني آدم في غزة أوضاعهم مأساوية، محاصرون من البعيد والقريب، وفي لحظات تتغير حياتهم نحو الأسوأ، حياتهم انتظار دائم للموت والحياة والقصف الإسرائيلي.

في هذه الأوضاع عادة ما تكون الكهرباء مقطوعة. الغريب أنها حتى الآن تنقطع وهذا يشجع الناس على السهر الذي يجبرون عليه

الليلة الأولى انتهت بعشرة شهداء، وفي هذه الأوقات ليل غزة يكون طويلاً. وكما كتبت صديقتي “كأن عُمر هذه الجولة من التصعيد عام كامل، نخرج من بين دخان الحرب بقلوب هرمة”.

في هذه الأوضاع عادة ما تكون الكهرباء مقطوعة. الغريب أنها حتى الآن تنقطع وهذا يشجع الناس على السهر الذي يجبرون عليه، بسبب القلق والخوف.

حياة أهل غزة سوريالية وعلى رغم القتل والتدمير، إلا أن كثيرين من الفلسطينيين في القطاع يطالبون المقاومة بالرد والثأر على استشهاد بهاء أبو العطا، إنما شرط ألا تستمر الحرب أكثر من أيّام وألا تقصف إسرائيل المنازل.

ويبدو كما في كل حرب أو حتى في الأيام العادية أن الفلسطينيين يخاطبون أنفسهم في ظل ما يحصل حولهم وانشغال الشعوب العربية في مقاومة الأنظمة العربية الدكتاتورية الفاسدة التي تحاول إغراق الشعوب الثائرة بالفوضى.

في غزة، الشوارع فارغة والمدارس والجامعات مغلقة والامتحانات مؤجلة والناس ينتظرون على أبواب المخابز وينظرون إلى السماء، ولا أحد يعرف بعد لحظات ماذا سيحصل، وفي ظل الانتظار لا تغيب عنهم الابتسامة والضحك من أي شيء. يقولون بفخر إن غزة أطلقت 255 صاروخاً منذ أمس تجاه إسرائيل، وهناك 92 مليون شيكل خسائر اقتصادية في إسرائيل.

فلسطين: ملاحقة الحريات وتقييد عمل المنظمات المدنية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email