“غايم اوف ثرونز” و”فايكنغز” و”لاست كنغدوم”: عودة التاريخ الظافرة عبر الانترنت

عُرضت في مدة زمنية قصيرة المواسم الجديدة من ثلاثة مسلسلات تتشابه في استخدامها التاريخ الاوروبي في القرون الوسطى كخلفية وكمادة درامية، هي "غايم اوف ثرونز" ("لعبة العروش") و"فايكنغز" و"لاست كنغدوم" ("المملكة الاخيرة").

عُرضت في مدة زمنية قصيرة المواسم الجديدة من ثلاثة مسلسلات تتشابه في استخدامها التاريخ الاوروبي في القرون الوسطى كخلفية وكمادة درامية، هي “غايم اوف ثرونز” (“لعبة العروش”) و”فايكنغز” و”لاست كنغدوم” (“المملكة الاخيرة”).
غيّر “غايم اوف ثرونز”، والأعمال التي تغزو الشاشات عبر مواقع “نتفليكس” و”أمازون” وغيرهما، طرق تسويق الأعمال التلفزيونية وعرضها على مئات القنوات والمحطات في الوقت ذاته وعلى شبكة الانترنت ناقلا هذه الممارسة من حيز الاخبار السياسية والمباريات الرياضية الكبرى الى عالم الأعمال التمثيلية مع العلم أن المسلسل بدأ مستخدماً الطرق التقليدية: بثته شبكة الكايبل الأميركية أولا، ثم بيعت حقوق عرض الموسم الأول إلى الخارج قبل أن ينجح في جذب الجمهور الذي جعل المحطات تتعاقد على بثه في ذات الوقت مع الشبكة المنتجة. بداهة إننا نتحدث هنا عن أعمال “بزنس” بمليارات الدولارات وعن تسويق ومنافسة ومخاطبة واعية لذائقة الجمهور. وكل هذا يدخل في عملية عريضة ستحدد مشهد المستقبل وموقع الفنون والآداب والسوق في الاجتماع البشري لأجيال مقبلة.
ثلاث مقاربات مختلفة للتاريخ في الأعمال المذكورة. في “غايم اوف ثرون” اعتمد جورج آر. مارتن على الفنتازيا متخففاً من عبء التدقيق الوثائقي على الرغم من وضوح المصادر التي استقى منها كتابته لمجموعة رواياته “اغنية عن الجليد والنار” التي صُنفت من الاكثر مبيعا في الولايات المتحدة عند صدورها، ثم ساهم في نقلها الى الشاشة الصغيرة الى جانب عدد من كتاب السيناريو المحترفين. فهناك نجد اجواء الحروب بين الأسر الانكليزية في القرون الوسطى للاستحواذ على عرش إنكلترا وتوحيدها، مثل “حرب الوردتين” و”حرب المئة سنة” والصراعات التي دارت بين ممالك الجزر البريطانية. فتحل أسرة “لانيستر” مكان “لانكستر” على سبيل المثال في استعارة قد لا تزيد عن التشبيه اللفظي، ونعثر على مناخات الفرق الباطنية الغنوصية التي انتشرت في أوروبا وخاضت الكنيسة الكاثوليكية والملوك الذين كانوا يدعمونها صراعات ضدها مثل الطائفة الكاثارية في فرنسا المتحدرة من فرقة البولسيين (Paulicians)، أرمنية الجذور. واستخدام الملوك الدين كأداة لضرب خصومهم ثم انقلاب رجال الدين على الملوك وملاحقتهم مصالحهم السلطوية والدنيوية على ما فعلت جماعة “طيور الدوري” وزعميهم، ظاهرة غير نادرة في عالم الملوك والسلاطين. هناك ايضا “الجدار” الذي يمكن ان يرمز الى “جدار هادريان” الفاصل بين انكلترا وبين اسكتلندا (“ألبا” العصور القديمة) التي اعتبرها الانكليز طويلا أرضا للبرابرة المتوحشين. هذا فيما تجوب قبائل الغزاة البدو على تخوم القارة الغربية “ويستروس” ما يعيد الى الذاكرة غزوات الهون ثم المغول المروعة التي وصل بعضها الى قلب أوروبا.
ثمة اتفاق بين النقاد على أن من بين النقاط المثيرة للاهتمام في “لعبة العروش” هي التحولات المفاجئة في سلوك وقرارات الشخصيات، بما يقربها من التناقض الذي يسمُ النفس البشرية منذ الازل. تصرف يتعارض مع العقل وتمليه العاطفة المحض، أو العكس تماما، تجاهل للنوزاع الشخصية والعائلية وإعلاء شأن “المُلْك” ووحدة الأقليم في “ويستروس”. تحضر هنا مواقف من مسرح شكسبير: الملوك الأشرار والخائفين والطموحات المسعورة؛ الأمراء الحائرون؛ قصص الحب المجهضة؛ الخيانات من اكثر الناس قربا وأهلاً للثقة. التعامل مع الخبثاء مع الإدراك المسبق لخبثهم؛ النجدة ممن لم تأت منه في العادة سوى طعنات الغدر؛ اكتشاف مؤامرات الأعداء ثم التغاضي عنها وحياكة مؤامرة اوسع وأعنف؛ أو نصب شراك للأصدقاء لاستدراج الاعداء الى كشف مواقفهم أو مواقعهم.
المفاجأة عنصر رئيس في جاذبية “لعبة العروش” لكنها مفاجأة تقتبس من مسرح شكسبير ومن التاريخ الحافل بالانقلابات والتحولات غير المتوقعة و”بالبجعات السوداء” وتكسير القواعد والثورات غير المنتظرة. بيد أن لا المفاجأة ولا المضمون الدرامي كانا السمة الرئيسة في انتشار المسلسل ونجاحه الكبير المرتبط بالجمهور الشاب والوسائل التي يتصل فيها بالعالم المحيط. وسنعود الى هذه النقطة لاحقا.
مقاربة التاريخ الثانية التي اعتمدها مايكل هيرست في “فايكنغز” الذي حظي بنجاح كبير ايضا وأنتجته وعرضته شبكة “هيستوري”، تقوم على صوغ قصة تندمج فيها عناصر مأخوذة من مصادر شتى (الاساطير الشمالية “الساغا”، “المدونات الساكسونية”، الخ..) وسكبها في سرد واحد متناسق وملحمي من دون أن يكون دقيقا، بالضرورة، على المستوى التاريخي. شخصيات مثل رغنار لوثبروك ورولو وفلوكي، على سبيل المثال، ورد ذكرها في العديد من المصادر التاريخية. لكن ليس هناك ما يشير إلى أنها عرفت بعضها بعضا ناهيك عن تكون أواصر صداقة وقرابة ربطت بينها أو أنها عاشت في فترات زمنية متقاربة. رغنار كان من اول الغزاة الشماليين لانكلترا وفرنسا لكنه لم يكن شقيق رولو الذي أسس حكم “الشماليين” النورمان (وما زالت منقطة النورماندي الفرنسية تحمل الصفة هذه حتى اليوم) الذين كان لهم دور مهم في القرون الوسطى الأوروبية. وليس هناك دليل على أن فلوكي وهو من أوائل مكتشفي ايسلندا ومستوطنيها، قد تعاون مع رغنار لوثبروك أو أنه هو من ابتكر التصميم الثوري لسفن الفايكنغز الذي مكنها من تحمّل عواصف بحر الشمال وسمح لها بالوقت ذاته بالقدرة على السير في الأنهار الانكليزية والفرنسية لتصل الى عمق البلدين. يضاف الى ذلك استعارة أحداث ونسبتها الى أشخاص آخرين مثل نهوض رغنار من النعش في الكنيسة الباريسية وقتله مرافقي الامبراطور الفرنكي شارل، في حين تتحدث المصادر عن حادثة مشابهة قام بها ابن رغنار، بيورن آيرونسايد الذي تجول طويلا في البحر الابيض المتوسط، في إحدى المدن الايطالية.
مطابقة التاريخ ليست هاجس كاتب ومنتجي المسلسل. بل الارجح أن المطلوب كان رسم الصورة الكبيرة لعصر الفايكغز بين القرنين التاسع والعاشر والخلفيات الدينية والثقافية والاقتصادية- الاجتماعية بما فيها الحياة الجنسية (التي تتلاءم مع السياق العام للأحداث ما يضفي أهمية على الاتهامات الموجهة إلى “غايم اوف ثرونز” بمبالغته في المشاهد الايروتيكية كعنصر اثارة سهل، في حين يبرر المنتجون اللجوء الى الجنس باعتباره من الامور التي تشكل هاجسا عند البشر الذين يريدون أن يرسموا صورهم في المسلسل، بحسب مقابلة في نادي اوكسفورد)، التي طبعت ذلك العصر وحملت سكان الشمال على توسيع دائرة غزواتهم واستطيانهم لتشمل بريطانيا وفرنسا وصولا الى الجزيرة الخضراء في الاندلس العربية – الاسلامية وتونس حيث تتناول إحدى حلقات الفصل الاخير اللقاء بين بيورن والامير زيادة الله من أسرة الأغالبة في القيروان.
في المقابل، ربما شكّل التاريخ بمعناه الأوسع همّا حقيقيا لصناع المسلسل بمعنى التركيز على الطقوس الدينية والخلفيات العائلية والعلاقات الاجتماعية وأشكال الولاءات وأسباب العداء بين الأفراد والجماعات ونظرة الفايكنغز الى انفسهم والى آلهتهم وصلتهم بهذه الآلهة وبالغيب والموت وما بعده، واحتقارهم الشديد لأعدائهم ما يفسر الوحشية الهائلة التي عاملوا بها ضحايا غزواتهم. فالضحايا لم يكونوا يستحقون الحياة أصلا ومن ثم فلا معنى  لتمسكهم بممتلكاتهم وأرضهم التي يجب أن يحوزها الغزاة المتمعون بالجرأة والعزم. أما آلهتهم فتتشارك معهم الصفات الانسانية والرغبات والطموحات وإرادة القوة على خلاف الاله المسيحي المتعالي والضعيف، في الوقت ذاته، الذي سمح بصلبه فيما يريد من المؤمنين به تصديق انه خلق العالم. واستطرادا نقع على البعد الديني والتاريخي لغزوات الفايكنغز كصراع بين الوثنية – الهمجية وبين المسيحية – الحضارة. الاجتماع والدين والسياسة عند الفايكنغز تبدو كأنها الابطال الحقيقية للمسلسل.
فالشماليون الرافضون من جهة، لكل ما تمثله المسيحية من خضوع لرب لا يتحلى ببطولة الآلهة القديمة ولا يوافق على ولائم الجنة الوثنية “الفالهالا” الفاحشة، والساعون، من جهة ثانية الى الاستيطان في أراضي المسيحيين الخصبة والمندهشون من ثراء تلك الأنحاء وعمارتها وثقافتها، هم الذين يعانون من فقر تربة بلادهم، يقعون في صراع حاد بين عادات آبائهم وبين ما يكتشفون في العالم الذي يقتحمونه بالغزو وبالفؤوس. لعل شخصية فلوكي المتمسك بدين الاجداد والذي يقتل الراهب المسيحي السابق اثلستان بعدما عاد هذا الى ايمانه الأصلي رغم اقتناعه لفترة بصدق آلهة الشماليين، يجسد هذه الحيرة خصوصا بعد عودته من الجزيرة الخضراء الأندلسية حيث واجه المصلين المسلمين في مسجد خال من اية اصنام ورموز.
إبراز المكونات الدينية والسياسية والثقافية عند الفايكنغز وتقديمها كسياق عام للعصر الذي حمل اسم هؤلاء الغزاة ومحاولة فهم دوافعهم وخلفياتهم بما يتجاوز الاعمال الوحشية التي اشتهروا بها على امتداد التاريخ، يقابله تركيز على السياسات الداخلية في بلاط ألفريد الكبير، ملك “المملكة الأخيرة”، ويسكس الانكليزية، الذي استطاع وقف تمدد الدنماركيين، كما بات يعرف الفايكنغز في المرحلة الأخيرة من غزواتهم، وهزمهم في عدد من المعارك ثم وحد انكلتراـ المقسمة والمحتلة – كخطوة تأسيسية في بناء بريطانيا.
مسلسل “المملكة الأخيرة” المقتبس من أعمال برنارد كورنويل يتبنى مقاربة ثالثة للتاريخ. فهو يستعير شخصية أوثريد من زمن آخر ويضعها في عصر الملك ألفريد حيث تحل المسيحية (مكان الوثنية في “فايكنغز”) كعنصر حاضر قوي التأثير في أجواء البلاط الذي يعج بالقساوسة، وتنتشر فيه أماكن الصلاة وسط أول عملية تدوين واسعة النطاق في العصور الوسطى وأشرف عليها الراهب آسِر الذي يظهر في المسلسل. وتؤدي أسماء التاريخية هنا أدوارا مختلفة اختلافا كبيرا عما ظهرت فيه في “فايكنغز”. رغنار لوثبروك لا تربطه صلة بزعيم الدنماركيين أوبا الذي يقول مسلسل “فايكنغز” انه ابن رغنار وانه جاء الى الجزر البريطانية ضمن “جيش الوثنيين الكبير” للانتقام لمقتل والده على يد ملك نورثمبيريا، آيلا.
ولعل تقييم النقاد الفاتر لـ”المملكة الأخيرة” مقابل حماستهم للمسلسلين السابقين، يتعلق أكثر بأسلوب معالجته التلفزيونية أكثر من المادة الروائية، ناهيك عن الفارق الكبير في تقنيات التصوير والإخراج وصولا إلى الموسيقى التي باتت مع “لعبة العروش” علامة مميزة للمسلسل ووجدت من يكتب لها تنويعات سيمفونية ويؤديها في حفلات عامة، الى جانب اغنية البداية لـ”فايكنغز” ومقدمته المرعبة. لكن “المملكة الاخيرة” تبدو أقرب إلى التاريخ الموثق من “فايكنغز” على سبيل المثال، وتشترك معه في محاولة رسم مرحلة تاريخية معقدة كقصة تحفل بالشخصيات التي وجدت في الواقع لكن من دون التشدد على صعيدي التتابع الكرونولوجي والأعمال التي أدتها أثناء حياتها على الارض.
عليه، تتفق المسلسلات الثلاثة على أهمية الرواية (أو السرد) المفتوحة على الخيال وتعليها على الواقع التاريخي الذي يكسر الالتزام به ضرورات التكثيف والانضباط ناهيك عن التعقيد الكبير للأحداث التاريخية بما يتنافى مع موجبات العمل الدرامي. هذا كله جليّ في أكثر الاعمال الفنية التي تناولت أحداث الماضي، أما الجديد في المسلسلات التي تطرقنا اليها وغيرها، طبعا، فهو أن التاريخ ما زال منهلا جذابا لابداعات الأجيال الشابة التي تُدخل فيه رؤاها ومعالجاتها الخاصة بما يتناسب مع العصر وفي التخفف من عبء الالتزام النصّي بالتاريخ لمصلحة الحبكة القصصية.
أهم من ذلك أن المسلسلات المذكورة تنضم الى تيار يزداد قوة ورسوخا في الفن كما في الصحافة والأدب يتمثل في استخدام الوسائط الحديثة للوصول إلى الجمهور. أزمة الكِتاب والصحيفة الورقية امتدت لتصل الى التلفزيون الباحث اليوم عن استرجاع عدد مشاهديه المتقلص واستطراداً حصته من سوق الاعلانات التي بدأت تنتقل الى الإعلام الاجتماعي والمواقع الالكترونية.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
محمد خلف – صحافي عراقي
إلى أين يمكن أن يصل غضب المحتجين في العراق ولبنان؟ هذا السؤال جاهدت صحف ومراكز بحث غربية في البحث عن إجابات له بعد صمود شباب البلدين وثباتهم في الساحات والشوارع.
هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email