fbpx

هنا القصة الثالثة

باز علي بكاري - صحافي وكاتب كردي سوري

باز علي بكاري - صحافي وكاتب كردي سوري

مقالات الكاتب

عوائل “داعش” في مناطق الإدارة الذاتية الكردية: فرصة لعودة التنظيم

ثناء سيدة ثلاثينية من مدينة الرقة السورية، وهي أم لثلاثة أطفال، عمر أكبرهم (5 سنوات)، انضم زوجها إلى تنظيم الدولة الإسلامية مع تعاظم قوته بداية عام 2014.
تقول ثناء إن زوجها قتل في إحدى المعارك التي شارك فيها مع التنظيم، فاضطرت إلى قبول عرض الأخير للعمل “خطّابة”، أي أن تبحث للمقاتلين عن فتيات للزواج في مدينة الرقة. خيّرها مسؤولو التنظيم بين أن تتزوج عنصراً آخر من مسلحي التنظيم، أو أن تقبل بالعمل خطابة، فقبلت بالعرض الأخير حتى لا تضطر إلى عيش تجربة جديدة مع عنصر آخر من التنظيم.
بعدما حررت “قوات سوريا الديموقراطية” الرقة من قبضة “داعش”، تزوجت ثناء شاباً من مدينة قامشلي، لكن الزواج لم يدم طويلاً بسبب عدم تقبل أهل زوجها وجودها ضمن العائلة، لأنها كانت زوجة أحد مسلحي التنظيم. “زواجي الثاني لم يدم سوى أسبوع” تقول ثناء.
تتعرض ثناء اليوم لاضطهاد أفراد عائلتها، بخاصة أنها قررت مواجهة حياتها بمفردها وتربية أطفالها بعيداً من الأفكار المتطرفة، التي لم تقتنع بها يوماً، وهذا يزيد من ضغط الأهل والمجتمع.
جميلة (اسم مستعار) كانت متزوجة من ابن عمها الذي انضم إلى صفوف التنظيم، لكنه قتل في إحدى المعارك، فتزوجت عنصراً آخر يحمل الجنسية السعودية، وأنجبت منه طفلاً، لكن الأخير قتل أيضاً في غارة للتحالف الدولي على أحد مقار تنظيم الدولة في مدينة الرقة.
في ما بعد تزوجت جميلة من أحد أبناء المنطقة في ريف الرقة، لكنها تواجه اليوم مشكلة أخرى، وهي مشكلة الأوراق الثبوتية لطفلها، فهي لا تعرف أي معلومة عن عائلة زوجها السعودي، ولا تستطيع الذهاب إلى مناطق سيطرة النظام السوري خشية الاعتقال، واليوم يعيش طفلها معها لكن من دون أي أوراق ثبوتية.

يقول مدير “منظمة العدالة من أجل الحياة” جلال الحمد: “للأسف ليس لدينا إحصاء للسوريات اللاتي تزوجن من عناصر تنظيم الدولة. هناك نوعان، نساء تزوجن دواعش سوريين، وهؤلاء نظرة المجتمع إليهم نظرة امرأة متزوجة من رجل سوري داعشي، وبالتالي يعامل أطفالهن كأي طفل لأبوين سوريين في المنطقة التي حصل فيها الزواج”. ويتابع الحمد لـ”درج”: “أما بالنسبة إلى المتزوجة من داعشي أجنبي وهرب أو قتل، فأيضاً لا نبذ لها، لكن أعتقد أن هؤلاء النساء سيعانين في المستقبل كون أزواجهن غير معروفين أو قتلوا أو لا يعرف مصيرهم ودول آبائهم، لا تعترف بهؤلاء الأبناء”.
ويجد الحمد أن المشكلة الحقيقية هي في جنسية هؤلاء الآباء، “فالأولاد من دواعش سوريين، يكتسبون الجنسية السورية ولكنهم لا يستطيعون الذهاب إلى مناطق النظام، ولا مؤسسات للنظام في المناطق التي هم فيها، بخاصة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية وبالتالي ليست لديهم وثائق وأوراق وهذا موضوع شائك وخطير”. والمشكلة تكون أكبر عند الأولاد من آباء دواعش غير سوريين، “فهؤلاء الآن هم من دون جنسية ولا يستطيعون الذهاب إلى أي مكان خارج المخيم، ووضعهم القانوني حساس جداً ومستقبلهم في خطر، إذ لن تساعدهم أي دولة، سوى بعض الدول التي قررت استقدام أطفال من آباء ينتمون لهذه الدول”، وفق الحمد.

هجوم بالحجارة

“أتذكر في إحدى زياراتنا إلى إحدى المخيمات التي تحتجز فيها قوات سوريا الديموقراطية عوائل لمسلحي تنظيم الدولة، تهجم علينا الأطفال بالحجارة ووصفونا بالكفار أنا وزملائي وزميلاتي”، تقول الصحافية الكردية السورية سولين محمد أمين، وهي من منطقة قامشلي شمال شرقي سوريا، وغطت معظم المعارك التي خاضتها “قوات سوريا الديموقراطية” مع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

6 آلاف داعشي

تحتجز “قسد” 6 آلاف عنصر من مسلحي “داعش” مع عوائلهم الموزعة في مخيمي الهول في ريف مدينة الحسكة ومخيم روج في ريف مدينة ديريك على الحدود العراقية – السورية، وتخضع عوائل التنظيم من نساء وأطفال لمراقبة وحراسة مشددتين.

الأولاد من دواعش سوريين، يكتسبون الجنسية السورية ولكنهم لا يستطيعون الذهاب إلى مناطق النظام، ولا مؤسسات للنظام في المناطق التي هم فيها

وبحسب المنسق الإعلامي لمجلس سوريا الديموقراطية ابراهيم ابراهيم، فإنه “بالنسبة إلى إحصاء السوريات الداعشيات من زوجات مسلحي داعش وبناتهم، ليس هناك إحصاء واضح لدى الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديموقراطية، فيما يتعلق بعددهم من سوريات أو عراقيات، لكنهن كثيرات. هناك مثلاً 6 آلاف إرهابي من مسلحي داعش معتقلون لدى قوات سوريا الديموقراطية، خمسة آلاف منهم من السوريين والعراقيين، وهؤلاء لهم زوجات وأطفال ومنهم شباب أيضاً، طبعاً ليس كل المعتلقين متزوجين، بالمجمل 6 آلاف مقاتل، منهم سوريون وعراقون، والباقي من خمسين دولة أجنبية، لذلك لا يمكن الحديث عن إحصاء واضح عن أعداد السوريين والسوريات والعراقيين والعراقيات”.

ويتابع إبراهيم لـ”درج”: “بالنسبة إلى موضوع أطفال مسلحي داعش ونساء داعش. هناك 8000 طفل من أب وأم من داعش، وليس هناك إجراءات واضحة توضح مستقبل هؤلاء الأطفال، لكن هناك لقاءات ودراسات وقراءات للوضع الحالي لترتيب وضعهم. منهم يؤهلون الآن في مراكز خاصة بهم، والأطفال الصغار، جزء منهم مع أمهاتهم في المخيمات. ومن ضمن الـ6 آلاف معتقل من مسلحي تنظيم داعش هناك 200 امرأة، كن مقاتلات في داعش”.

تقسم أمين النساء من عوائل التنظيم إلى نوعين، مؤمنات بشكل تام بفكر التنظيم، وأولك اللواتي قادهن القدر للزواج بأحد مسلحي التنظيم. وتقول “كثيرات منهن كن مقاتلات في التنظيم، وشاركن في ارتكاب الجرائم، والتقيت بهن، وناقشتهن، سواء في الباغوز أو في بقية المناطق التي حررت من تنظيم داعش، وكثيرات منهن كن سابقاً ضمن جهاز الحسبة التابع للتنظيم. باعتقادي أن السوريات المنضمات إلى التنظيم أو المحسوبات عليه، لم يكن انضمامهن بسبب اعتناق فكر التنظيم، على عكس المهاجرات اللاتي كن مؤمنات بفكر التنظيم بشدة، وأتين من بلادهن للانضمام إليه والمشاركة في القتال ضمن صفوفه”.

هناك مثلاً 6 آلاف إرهابي من مسلحي داعش معتقلون لدى قوات سوريا الديموقراطية، خمسة آلاف منهم من السوريين والعراقيين، وهؤلاء لهم زوجات وأطفال ومنهم شباب أيضاً

وتشدد أمين لـ”درج” على “ضرورة إعادة تأهيل هؤلاء النسوة، كون أغلبهن أمهات لأطفال يربّون على الفكر الذي تؤمن به أمهاتهم. وتقول: “لذلك يجب إيجاد حل سريع لأطفال داعش ونسائه، سواء من قبل الإدارة الذاتية أو التحالف الدولي أو أي طرف آخر معني بهذا الموضوع، فطالما أن هؤلاء المقاتلات أو المنتسبات إلى التنظيم، يعشن في الظروف الحالية التي نعرفها جميعاً عن المخيم، فهذا ينذر باستمرار خطر التنظيم وإمكان انبعاثه من جديد، أي أنهن مع أطفالهن قنابل موقوتة، ما لم يعالج وضعهن وتُحاكم المذنبات منهن ويعاد تأهيلن”.

محاكمة النساء

أكد المنسق الإعلامي لمجلس سوريا الديموقراطية لـ”درج” أنه ستتم محاكمة هؤلاء النسوة، بخاصة أن كثيرات منهن شاركن مع التنظيم في الجرائم التي ارتكنها بحق سوريين.
وشدد على أنه سينظر إلى كل حالة بمفردها “المذنب سيلقى الجزاء والبريء سيعالج وضعه ليعود ويكمل حياته”.

تشكل قضية محاكمة مسلحي تنظيم “داعش” المعتقلين لدى “قوات سوريا الديموقراطية” معضلة كبيرة، كون الإدارة الذاتية ترفض تسليم السوريين منهم للنظام ليقوم بمحاكمتهم، فيما تتهرب الدول بخاصة الأوروبية من تسلم مواطنيها لمحاكمتهم في بلدانهم، على رغم المطالبة الأميركية الملحة بإيجاد حل لوضعهم. كما شددت الإدارة الذاتية في أكثر من مناسبة على ضرورة تسلم كل دولة مواطنيها كونها أيضاً ليست لديها الإمكانات الكافية لمحاكمتهم.

“بالنسبة إلى أوضاع الأطفال ونساء مسلحي داعش، فلا سياسة واضحة تنتهجها قسد تماماً كما في الملفات الكبرى، كملف المعتقلين السابقين لدى داعش ومصيرهم المجهول حتى الآن. وللأسف قسد لا تستجيب لشكاوى الناس وتسعى بشكل حقيقي إلى إيجاد حلول واضحة للملفات في المناطق التي تسيطر عليها” يقول الحمد.
ويؤكد إبراهيم “في الإدارة الذاتية يقومون بدراسات وتقييمات لحل مشكلة المعتقلين. هناك قوانين منصوص عليها لدى الإدارة الذاتية، لشمال سوريا وشرقها، تراعي القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان، ونحن ننتظر تحديد آلية قانونية دولية خاصة بمحاكمة هؤلاء المسلحين والمسلحات من إرهابيي تنظيم داعش”.
وأعلن الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية عبد المهباش في تصريح لوكالة “فرانس برس” أنه سيتم إخراج 800 طفل وامرأة من مخيم الهول وذلك بكفالة شيوخ ووجهاء العشائر من الرقة ومنطقة الطبقة.

تشكل قضية محاكمة مسلحي تنظيم “داعش” المعتقلين لدى “قوات سوريا الديموقراطية” معضلة كبيرة، كون الإدارة الذاتية ترفض تسليم السوريين منهم للنظام ليقوم بمحاكمتهم

وهذه ليست المرة الأولى التي تطلق فيها الإدارة الذاتية سراح معتقلين بتهمة الانتماء إلى التنظيم، وذلك تلبية لمبادرة شيوخ العشائر من الرقة ودير الزور.
ويتحدث عن “مبادرات من شخصيات اجتماعية، وأُطلق سراح ناس لم تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء، وراعينا في ذلك الاعتبارات والأعراف المجتمعية، وقد تكون هناك مبادرات في المستقبل من أجل هؤلاء النسوة، وحينها سيتم إطلاق سراح من لم يشارك مع التنظيم في جرائمه”.
قد تكون فرصة العودة إلى الحياة الطبيعية ممكنة بدرجة أكبر للنساء اللاتي عدن إلى مدنهن، وذلك على رغم مواجهتن نظرات الريبة من مجتمعاتهن الحساسة جداً لأي جديد، بعد ما عايشته من مآس تحت حكم “داعش”. لكن تبقى الفرص أقل بالنسبة إلى اللاتي ما زلن في المخيمات ومراكز الاحتجاز، فإضافة إلى الظروف الصعبة التي يعشنها في المخيمات، فإنهن يتعرضن للتعنيف من قريناتهن في هذه المخيمات. فقد تهجمت نساء من التنظيم على أخريات، إضافة إلى القضية الأكبر والأكثر تعقيداً وهي وجود آلاف الأطفال الذين يعيشون في ظروف تسهل نمو الأفكار المتطرفة في عقولهم.

إقرأ أيضاً: سوريا: الحنين إلى الكهرباء
ومسؤولية إيجاد حل لهؤلاء النسوة والأطفال ملقاة على عاتق المجتمع الدولي، بخاصة أن السلطة الحاكمة في الوقت الراهن، ليست ذات قدرة ولا خبرة لمعالجة أوضاعهم بالشكل الذي يضمن عدم انبعاث التنظيم من هذه المخيمات ذاتها.

بعد كَسْرِهِنَّ أغلال “داعش”: فتيات يرسمنَ حياتهنَّ من جديد

إقرأ أيضاً