fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد المختار محمد - صحافي سوداني

محمد المختار محمد - صحافي سوداني

مقالات الكاتب

عهد جديد في السودان : عدالة للنساء أم انتكاسة؟

يعيش السودانيون فرحة إنجاز تاريخي تمثل بتوقيع اتفاق تقاسم للسلطة بين المجلس العسكري وحركة الاحتجاج من شأنه أن يمهد لبدء مرحلة انتقالية تؤدي إلى حكم مدني…

ورغم تشكيك البعض بقدرة المؤسسة الانتقالية على كبح جماح العسكر في السلطة خلال السنوات الثلاث التي ستسبق الانتخابات تسعى شرائح حركة الاحتجاج لتثبيت المكاسب التي تحققت خلال الأشهر الماضية، خصوصاً لجهة وضع حد لكافة أشكال التمييز ضد النساء وسط دعوات لتخصيص 40% من مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي للنساء..

وقد اوصى الوسيط الأفريقي مبعوث “الاتحاد الأفريقي للسودان” محمد الحسن ولد لبات في كلمته عقب التوقيع على الوثيقة الدستورية بالاهتمام بالمرأة السودانية، ولفت إلى حضورها الضعيف في المفاوضات. وقال: “لعبت المرأة السودانية دوراً كبيراً في الثورة، ومن الظلم ألا تمثل تمثيلاً عادلاً في هياكل السلطة الانتقالية”. 

وفي الحقيقة كشف الحراك السوداني عن دور جوهري للمرأة، فقد رفعت مشاركة السودانيات الفاعلة في ثورة كانون الأول/ ديسمبر التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، سقف قضايا المرأة، وفي مقدمها قضية تمثيلها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وذلك بخلاف ما كانت عليه الأمور في ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1964، التي أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود، وثورة نيسان/ أبريل 1985، التي أطاحت بنظام المشير جعفر نميري

عندما اندلعت الاحتجاجات التي عمت البلاد في كانون الأول من العام الماضي، برزت مشاركة المرأة السودانية منذ البداية، على رغم ما مارسته الأجهزة الأمنية من انتهاكات وعنف في الاحتجاجات السلمية. وإلى دور المرأة في التخطيط والحشد وإبداء الرأي، شكل حضورها الفاعل في قيادة التظاهرات دفعة معنوية كبيرة، إذ كانت زغاريد النساء بمثابة إشارة لبدء التظاهرات، لما لها من مدلولات ثقافية واجتماعية.

وتشدد الناشطة النسوية والمحاضرة في “جامعة الأحفاد للبنات” هادية حسب الله على دور النساء في الثورة وتحقيق أهدافها، كصانعات ومشاركات في اتخاذ القرار. وترى أن “النساء بسبب كل تعقيدات الحياة كن صاحبات المصلحة الأولى في نجاح الثورة، بسبب معاناتهن اليومية. لذلك كانت معركة إزالة نظام الإنقاذ بالنسبة إليهن، مسألة حياة أو موت ولا تزال، وأبعد من مجرد قضية سياسية”. وتقول لـ”درج”: “نحن متفائلون جداً، وفي ظل هذه الظروف نحتت النساء السودانيات درباً لا يمكن التراجع عنه”.

وفي المقابل، برزت قضية تمثيل المرأة في مقدمة المشهد السياسي، بعد غياب النساء في مرحلة تفاوض “قوى إعلان الحرية والتغيير” مع المجلس العسكري الانتقالي، على تسليم السلطة الانتقالية لمدنيين، ما كان مخيباً لآمال كثيرات، عبّرن عن ذلك، في وسائل التواصل الاجتماعي. وكتبت الناشطة والصحافية سارة ضيف الله على “فيسبوك”: “على النساء أن ينتزعن فرصهن عنوة واقتداراً، لا من طريق رسائل اللوم والعتاب”.

تطورت قضية تمثيل النساء من نقاشات وجدل في وسائل التواصل الاجتماعي إلى أرض الواقع، وعبرت ناشطات عن سخطهن في وقفة احتجاجية أمام مقر “تجمع المهنيين السودانيين“، تطالب بتطبيق معايير عادلة حول تمثيل النساء، وكتب على إحدى اللافتات: “يشكرونا في التظاهرات ويطنشونا في المفاوضات”.

 

 مشاركة النساء الكبيرة في الثورة، تعود إلى كونهن الأكثر تعرضاً للقهر والإذلال طوال سنوات نظام الإنقاذ

 

الذهنية القديمة تحكمنا

وتقول حسب الله إن استمرار الخلل في التمثيل العادل للنساء في الحكومة الانتقالية، يعني أن الذهنية القديمة لا تزال تحكم السودان، وأن الثورة لم تنتصر. وترى أن “مشاركة المرأة في الفترة المقبلة بمثابة محك يوضح جدية الناس من عدمه”، على رغم تأكيدها صعوبة حدوث طفرة كبيرة بسبب إرث ثلاثة عقود من الأيديولوجيا المغلقة.                                           

تواجه المرأة السودانية جملة من التحديات، على رغم دورها في المجال العام، في الأحزاب والمنظومات السياسية، ومنظومات المجتمع المدني، وفي الأوساط الاكاديمية، وتخشى النساء بشكل جدي من استمرار الخلل في تمثيلهن في الفترة المقبلة. وتقول الناشطة والمدافعة عن حقوق الإنسان عضو “مبادرة لا لقهر النساء، تهاني عباس لـ”درج” إن “تمثيل المرأة يكاد يكون معدوماً تماماً، عدا بعض الاستثناءات القليلة في وفد التفاوض. وتضيف عباس أن تمثيل المرأة في معسكر الحرية والتغيير الذي تعتبره النساء معسكرهن لا يتناسب مع الدور المرأة الذي لعبته والنضال الذي بذلته.

ويطالب “الاتحاد النسائي السوداني بضمان مشاركة المرأة في هياكل السلطة الانتقالية السيادية والتنفيذية والتشريعية بالمناصفة. وفي البيان الذي استبق احتفال التوقيع النهائي بين “قوى إعلان الحرية والتغيير” والمجلس العسكري الانتقالي، أشار الاتحاد إلى ضعف الوجود النسوي في ترشيحات الحقائب الوزارية، وعدم إشراك القوى النسوية في اختيار الكفاءات النسوية. وطالب البيان “قوى إعلان الحرية والتغيير” أن تعي الدور التاريخي للمرأة وتلتزم ما جاء في ميثاق الحرية والتغيير بمنح المرأة 40 في المئة، من المقاعد في هياكل ومستويات السلطة كحد أدنى. وأكد البيان أن “حقنا كنساء هو مطلب المناصفة 50 في المئة، في جميع المستويات. وبمعيار الكفاءة وليس النوع”.                                                                                                  

“لا أستطيع استيعاب غياب تمثيل المرأة في قوى الحرية والتغيير”، هكذا عبرت الناشطة في الحراك الثوري آلاء صلاح صاحبة الصورة التي أصبحت أيقونة للثورة في الإعلام الغربي والعربي.

وتؤكد لـ”درج”، أن تمثيل المرأة لا يتناسب مع دورها في الثورة، فيما تقول المدافعة عن حقوق المرأة الصحافية أمل هباني إن أعضاء وفد التفاوض معظمهم من الذكوريين غير المناصرين لقضايا المرأة، إضافة إلى أن بعضهم منتهك لحقوقها، وتتفق حسب الله مع هباني في أن القوى التي تتحدث عن التغيير، هي نفسها غير مناصرة لقضايا المرأة.

وترى الناشطة في الحراك الثوري فادية خلف أن الثورة بداية لطريق طويل لرد حقوق المرأة المهضومة، وتمثيلها العادل، وأن الخلل لن يستمر إذا واظبت النساء في المقاومة واقتلاع حقوقهن بدأب ومثابرة. وتشير لـ”درج”، إلى “سيطرة المجتمع الذكوري التي لا تزال مستمرة، وهذا الأمر ينطبق على قوى الحرية والتغيير”، وتقول: “إن الوصف الحقيقي لما حدث مع النساء هو الإقصاء بعينه”.  

أول الغيث     

ظلت المرأة السودانية تشدد على لعب دورها من خلال حرصها على المشاركة السياسية وسعيها المستمر لانتزاع حقوقها، في مواجهة منظومة السلطة الاجتماعية والسياسية. وقد بدأت مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ استقلال السودان عام 1956، على رغم محدودية فرص النساء في التعليم والحياة العامة وقتها. ونالت المرأة حقها السياسي في التصويت والترشح من خلال الانتخابات العامة، واستطاعت أول سيدة منتخبة في دوائر الخريجين من دخول البرلمان وهي رئيسة الاتحاد النسائي السوداني فاطمة أحمد إبراهيم عام 1965. وتوالى بعدها ارتفاع نسبة المشاركة السياسية للمرأة السودانية لتشكل الناخبات ما يفوق 60 في المئة، ومنح آخر قانون للانتخابات نسبة 30 في المئة للمرأة في المجلس التشريعي، لكن لم يحدث أن وصلت امرأة إلى مركز اتخاذ القرار.                                                                                  

وارتفعت نسبة مشاركة المرأة في المجلس التشريعي إلى 40 في المئة في مشروع الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، كما جاء في الفصل السابع المادة (2) التي تقول: “لا تقل نسبة مشاركة النساء عن 40 في المئة من عضوية المجلس التشريعي الانتقالي”، وعلى رغم ذلك انطلقت “حملة  خمسين النسوية التي تطالب بإقرار المشاركة النسائية بنسبة 50 في المئة، في هياكل السلطة الانتقالية السيادية، والتنفيذية، والتشريعية، لضمان بقاء الأجندة النسوية في مقدمة أولويات الحكومة المقبلة.                                                                                   

لم تنص الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية على نسب تمثيل النساء في المجلس السيادي ومجلس الوزراء، إذ يمثل وصول النساء إلى مجلس سيادة حكومة الفترة الانتقالية، تحدياً حقيقياً، بعد الجدل الذي أثير حول ضعف تمثيل المرأة في العملية التفاوضية.

 المحلل السياسي ماهر أبو جوخ يرى أن التفاوض لا يقاس بالمشاركين وتمثيلهم، وإنما بالمخرجات والنتيجة النهائية، وما إذا كانت تعزز مشاركة المرأة أم تقصيها، موضحاً: “إذا ضم تكوين مجلس السيادة امرأة، يعتبر هذا الأمر اختراقاً تاريخياً لم يحدث من قبل”. ويشير لـ”درج”، إلى أنه منذ استقلال السودان لم تصل امرأة إلى مستوى مجالس السيادة ولا رئاسة الجمهورية، ولم يحدث أن شغلت امرأة موقعاً سيادياً، فأعلى منصب وصلت إليه النساء هو مستشارات في رئاسة الجمهورية في العهد السابق، وقبلها في نظام مايو عندما اصبحت الدكتورة فاطمة عبد المحمود أول امرأة سودانية تتولى منصب وزيرة”.                                                                    

 

وتخشى هباني من استمرار الخلل في تمثيل المرأة إذا لم يتم تدارك الأمر، وتعتبر أن ثورة كانون الأول، ثورة تقدمية حقوقية شاركت فيها الفئات التي مورس ضدها الاقصاء. وترجع حسب الله سبب الخلل في تمثيل المرأة إلى الذهنية السودانية باعتبارها تقليدية، لافتة إلى أن ما حدث للذهن السوداني من تغيير لم يكن نتيجة الوعي، وإنما فرضته الظروف وبخاصة الاقتصادية، التي دفعت النساء إلى العمل والدخول في المجال العام. وتلفت إلى أن “فكر الرجال لم يستطع مواكبة هذا التطور الكبير الذي حدث”، وتضيف أنه مثلما أدهشت الثورة الناس بشبابها، فقد أدهشتهم أيضاً بقوة النساء وإرادتهن.                                              

قمع وانتهاكات

واجهت السودانيات عموماً شتى أنواع القمع والانتهاكات في عهد نظام الحركة الإسلامية البائد، وتعرض بعضهن للاعتقال والتهديد والتشريد، بجانب ما تعرضت له نساء في مناطق النزاع المسلح في إقليم دارفور، وولاية جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق من أنواع الانتهاكات. 

وتقول هباني إن مشاركة النساء الكبيرة في الثورة، تعود إلى كونهن الأكثر تعرضاً للقهر والإذلال طوال سنوات نظام الإنقاذ، فالمرأة تغيرت ونضجت كثيراً في وعيها، على رغم السياسات الممنهجة لتغييبها وتحجيمها طوال الـ30 سنة الماضية. وتطالب بضرورة تغيير القوانين والتشريعات التي صُنعت خصيصاً لقهر النساء وكسرهن، وتحويلهن إلى مواطنات من الدرجة الثانية في دولة الهوس الديني، مثل قانون النظام العام والأحوال الشخصية وبعض مواد القانون الجنائي، في إطار ثورة حقوقية تعيد للنساء كرامتهن المسلوبة.

اليوم يعيش السودانيون على وقع فرحة اتفاق تقاسم السلطة تمهيداً للدخول في نظام مدني، فهل سيتطور الانجاز ليشمل عدالة منتظرة للمرأة؟     

كنداكات السودان: لا تغيير ولا عدالة من دوننا ..

إقرأ أيضاً