fbpx

هنا القصة الثالثة

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

عن قصة هائلة نريد أن نخبرها للعالم

في ذلك المساء، أواخر شهر آذار (مارس) الفائت، حول طاولة العشاء في مطعم، في إحدى ضواحي ميونخ، ليس بعيداً من مقر صحيفة Suddetche Zeitung الألمانية، جلست مارينا والكر قربي، وقالت لي كم هي متأكدة من أن “وثائق بارادايز” ستكون “قصةً هائلةً سنخبرها للعالم بعد أشهر”. سكتت قليلاً قبل أن تكمل: “لكن القصة الكاملة، هي تلك التي ستحكى بعد 50 عاماً… حينها، إذا نجحنا، سنخبر أحفادنا كيف بدأنا”.
منذ اللحظة الأولى، لم تُخفِ نائب مدير الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين حماستها لفكرة مؤسسة عربية مستقلة، تشارك في التحقيقات، وتنشرها بطريقةٍ مباشرة. هي، تماماً مثل مدير الاتحاد جيرالد رايل وويل فيتزغبون، المسؤول عن منطقة أفريقيا والشرق الأوسط، لم يبخلوا بتقديم كل أنواع الدعم، بما في ذلك، السماح لنا بالتعريف عن درج كشريكٍ في مشاريع المنظمة، التي تملك في رصيدها بعض أهم التحقيقات الصحافية المشتركة، آخرها كان “أوراق بنما”.
“درج” في تلك المرحلة كان يستحوذ على كل ما نملك من إمكانياتٍ وطاقةٍ وخيالٍ وقدرةٍ على الاستمرار، بالسعي وبالحلم، على الرغم من تعقيد وقتامة كل المشاهد من حولنا. مشروعنا كان يملأ عقولنا وقلوبنا، لكنه كان لا يزال كلاماً على ورق، يبحث عن دعمٍ وعن تمويل كي يستطيع أن يكون.
ثقة الاتحاد بالفكرة وبالفريق، شكلت دفعاً معنوياً قوياً، لكن التحديات كانت عارمة.
لم يكن العمل على شكل الموقع قد بدأ، وكان هناك أولاً تحدي الوقت، لنكون جاهزين تقنياً للنشر، وهو أمر كان شبه مستحيل في ضوء الاتفاق الأولي لأن يكون النشر في شهر حزيران (يونيو)!
ساعات طويلة كنا قد قضيناها قبل اللقاء في ميونخ، محاولين فك ألغاز الوثائق الموضوعة بين أيدينا، والتي تحمّلنا مسؤولية الحفاظ على سريتها، وبالتالي، لم يكن ممكناً في تلك المرحلة استشارة أي مختصين.
كان واضحاً أننا على الطريق السليم، لكن كان واضحاً أيضاً أن هذا النوع من البحث يحتاج إلى تفرغ، ولم يكن هذا الأمر متاحاً لأي من أفراد فريقنا الصغير والمتواضع.
بسبب الحاجة لشريكٍ عربي، وما قد تعنيه هذه الشراكة الحصرية من دفعٍ لـ”درج”، قررنا أن نجعل العمل على الوثائق أولويةً، حتى لو عنى ذلك أن تكون بدايتنا دون المستوى الذي نطمح إليه في الشكل… لكن حزيران (يونيو) كان على مسافة أسابيع، ومن الجنون التوقع أن نكون جاهزين!
على ذلك التخوف، ردّت والكر بالقول إن كل ما علينا فعله هو التصويت من أجل تأجيل هذا الموعد. ضحكنا ديانا مقلد وأنا، لمجرد فكرة أن يكون لـ”درج” صوتاً، حتى قبل أن ينطلق. لكن هذا تماماً ما حصل. في صباح اليوم الثاني، وفي القاعة التي خصصتها الصحيفة الألمانية للاجتماعات السرية التي استمرت على مدى يومين، كانت جلسة التصويت.
ممثلو المؤسسات الكبرى دون استثناء، “بي بي سي”، “الغارديان”، “لوموند”، و”راديو كندا”، وحتى الصحيفة المضيفة، كانوا يريدون النشر في أسرع وقتٍ ولأسبابٍ مقنعةٍ، أولها أنهم كانوا قد بلغوا شوطاً متقدماً في العمل، وقصصهم باتت تقريباً كاملة.
فريق “نيويورك تايمز” مثلاً، كانت لديه مخاوف من أن تبدأ عملية إقصاء دونالد ترامب، كما كان يتردد في تلك الفترة، فتفقد القصة الأساسية حول علاقات إدارته بالرئيس الروسي فلايديمر بوتن قيمتها. ولكن كل المؤسسات الأصغر حجماً كانت تفضل التأجيل. استمرت العملية نحو نصف ساعة، ربحت المؤسسات الصغرى، وتم الاتفاق على تاريخ الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر).
معضلةٌ أخرى كان علينا تجاوزها، تمثّلت في إيجاد الزاوية المناسبة لقرائنا. داخل الغرفة التي احتجزنا فيها طوعاً على مدى يومين، رحنا نستمع إلى زملائنا يتحدثون عن “فداحة” ما تم التوصل إليه من معلومات.
الوثائق لا تكشف، بقدر ما تؤكد وتؤمن المادة الحقوقية لملاحقة مروحة تجاوزات هي قانونية في غالبية الأحيان، لكن تقديمها للرأي العام، مقدمةٌ لا بد منها، لإعادة النظر في قوانين، سمحت لكبار الأغنياء بمضاعفة ثرواتهم على حساب الطبقات الوسطى، التي تتحمل أعباء دفع الضرائب.
القصص بدأت من ملكة بريطانيا وإدارة ترامب، ووصلت إلى الشركات العملاقة، مروراً بنجوم الموسيقى والسينما، وحتى المؤسسات الدينية والتربوية.
بعض القصص أثارت ضحكاً لم يخل من تساؤلات، مثل اللحظة التي ردت فيها والكر إيجاباً على سؤال ما إذا كان الاتحاد سيشمل اسم منظمة جورج سورس، في قصته، وهو الممول الأكبر لمنظمتها.
زملاؤنا يعرفون جيداً ليس فقط الإحراج، إنما التبعات القانونية التي تترتب على كشف المعلومات التي كانت في حوزتنا. هم يشعرون فعلاً أن كشف المعلومات سلطة.
بينما نحن نستمع إلى كل هذه القصص، وصلتني على هاتفي من بيروت، رسالةٌ خبرية عن تعيين الياس أبو صعب مستشاراً لرئيس الجمهورية للتعاون الدولي، ليضاف منصب جديد إلى هاشتاغ #جمهورية_ العائلة، الذي انتشر بعد تعيين رئيس الجمهورية عدداً متزايداً من أقربائه في مناصب مهمة، من ضمنها قيادة الجيش.
إنه مجرد يوم آخر في لبنان، والحال في المنطقة من حولنا ليس أفضل. هذه هي قصصنا… فماذا نفعل نحن مع هؤلاء؟
بعض من الجواب وجدناه هناك داخل القاعة. إلى جانب الأسماء اللامعة، كان هناك آخرون مثلنا.
آنوشكا ديلي، وهي صحافية من سلوفانيا، أخبرتنا أنها وجدت اسم رئيس تحريرها في الوثائق، وأنها مستمرة في التحقيق.
بيلين أونكر، صحافية شابة تركية حامل، تخبرنا أن من بين الأسماء التي وجدتها أفراد من عائلة أردوغان، وأن لديها شكوكاً حول إمكانيتها من النشر، نظراً لحملة الاعتقالات التي تطال الصحافيين في بلدها. الأمور أكثر خطورةً لبعض الزملاء من دول أخرى.
زميلنا ماثيو، المقيم في واشنطن، بخير. لكن والدته دافني كاروانا غاليزيا، وهي صحافية استقصائية معروفة في بلدها مالطا، كانت لا تزال تعمل على ما توصلت إليه “أوراق بنما”، وقتلت عبر تفخيخ سياراتها، قبل أيامٍ قليلةٍ من نشر “وثائق بارادايز”.
حتى بالنسبة إلى الصحافية القادمة من اليابان، كان إيجاد زاوية للقراء صعباً، فهي لم تجد أي أسماء. “لا يبدو أن هناك تهرباً من الضرائب في اليابان”، قالت بحسرة.
ما هي القصة التي سنخبرها لقرائنا؟ في ذلك اليوم لم أجد جواباً على تساؤلي، ولكن قناعتي بوجوب المشاركة صارت كاملة.
نجوم الصحافة الاستقصائية، كانوا يقفون بالقرب من بعضهم في خدمة القصة المشتركة. الكل يعرف أن لا مكان للسبق الصحافي. والكل يقبل أن يكون جزءاً من الحكاية. الكل يقبل أن ينتظر حتى ساعة الصفر، الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر)، الثامنة مساءً بتوقيت بيروت، ولا دقيقة قبل ذلك.
مجرد الفكرة فيها شيء من الجنون. لكن الصورة كانت واضحة.
في هذا الجهد قبل كل شيء، دفاع عن أنفسنا. عن مهنتنا. ترامب، يوم رمى ثقافة الأخبار الكاذبة، لم يرمها في وجه الصحافة الأميركية، بل في وجه كل صحافي، في كل مكانٍ في العالم.
على مدى يومين في ميونخ، اختبرنا كم باتت مشتركة قضايانا.
العالم صار أصغر من أن ننأى بأنفسنا عن قضاياه. قراؤنا جزءٌ من هذا العالم، وجزءٌ كبيرٌ من النقاش الدائر في أصقاعه، هو نقاشٌ حولنا. أمامنا فرصة أن نشارك في النقاش، بدلاً من أن نكون على هوامشه.

خمسة أيام فصلت بين انطلاقة موقع “درج”، وبين نشر الوثائق في اللحظة نفسها حول العالم.
“كل التوفيق”، رسالةٌ على هاتفي من فيتزغبون، قبل دقائق من الساعة الثامنة.
“لدينا رئيس حكومةٍ مستقيلٍ في لبنان، وفي السعودية 11 أميراً موقوفاً. سنحتاج إلى الكثير من الحظ”، أجبته مازحة. ذكرني بما قالته ديانا في مينوخ: “إنه الشرق الأوسط، لن يكون هناك توقيت مناسب”.
فعلاً، التوقيت في الشرق الأوسط لن يكون مناسباً لأي مشاريع، على الأقل في المدى المنظور. ولكن ربما بعد خمسين عاماً، قد نخبر أحفادنا قصةً مختلفةً. وقد نقول لهم إننا هكذا، ضمن هذه الظروف، ولهذه الأسباب، بدأنا، يوم بدا أن لا شيء ممكن.

إقرأ أيضاً