fbpx

هنا القصة الثالثة

هشام علام

هشام علام

مقالات الكاتب

عن قرية الروضة الصوفية في سيناء التي أباد الإرهاب ثلث الذكور فيها

لمجزرة قرية الروضة في شمال سيناء والتي سقط ضحيتها ما يزيد عن ٣٠٠ قتيل ونصف هذا العدد من الجرحى قصة لم تبدأ بالأمس. فمسجد الصوفيين الذي استهدفه سلفيو تنظيم داعش “ولاية سيناء” هو تتويجٌ لاستهدافاتٍ طالت الجماعات الصوفية في تلك المنطقة.في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 اختطف تنظيم “ولاية سيناء” التابع لداعش في سيناء شيخين مسنين، أحدهما(سليمان أبو حراز)، وهو قطب صوفي يتبعه الكثيرون من أهالي سيناء ويقدرونه.  كان عمره آنذاك 98 عاما، و الرجل الثاني الذي اختطف كان أحد أتباعه، (قطيفان بريك عيد منصور).بعد ذلك نشرَ تنظيم «ولاية سيناء» مقطع فيديو ظهر فيه أبو حراز مرتدياً البذلة البرتقالية ومُسجىً على وجهه قبل أن يتم ذبحه ورفيقه، وقد اتهمهما التنظيم الإرهابي بأنَّهما «طَاغُوتان يدّعيان علم الغيب». وبحسب مصادر مطلعة، فإن إثنين من أبناء الشيخ (سليمان أبو حراز) انضمّا إلى العناصر المسلحة، وأن أحدهما قتل في إحدى العمليات خلال مواجهة مع الجيش المصري.وبعد أسابيع من عملية خطف وقتل الشيخ أبو حراز ورفيقه، أرسل أحد أعضاء تنظيم داعش، والذي وصف نفسه بأنه مسؤول «الأمر بالمعروف» تحذيراً صريحاً إلى اتباع الطرق الصوفية في سيناء مطالباً إياهم بالتخلي عن معتقداتهم، ومحذراً: «نقول لجميع الزوايا الصوفية شيوخا وأتباعًا في داخل مصر وخارجها إننا لن نسمح بوجود طرق صوفية في ولاية سيناء خاصة وفي مصر عامة».في قرية الروضة، التابعة لمركز بئرالعبد في شمال سيناء، تنتشر الطريقة الجريرية الأحمدية الصوفية. ومؤسس هذه الطريقة في سيناء هو (الشيخ عيد أبو جرير)، الذي لعب دوراً هاماً في المقاومة الشعبية أثناء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء. كان مسجد الروضة ملتقىً لاتباع هذه الطريقة، وتقول المصادر إن أتباع هذه الطريقة كانوا ينوون إحياء ذكرى رحيل الشيخ أبو حراز، غير أنهم تلقوا تحذيراً شديداً ينهاهم عن ذلك قبل أسبوعين .ومع انتصاف نهار يوم الجمعة الرابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، كانت القرية الهادئة  على موعد مع الهجوم الأكثر دمويةً في تاريخ مصر على الإطلاق، فبينما كان المصلون الذين يعمل أغلبهم في صناعة الملح والزراعة الموسمية يؤدون شعائر صلاة الجمعة، انقض ما بين 25 إلى 30 مسلحاً يستقلون 5 سيارات رباعية الدفع على المسجد من أبوابه الأربعة وعبر 12 نافذة وهم يرفعون أعلام تنظيم داعش،  بحسب بيان النيابة العامة ، وشرعوا يطلقون النار دون تمييز على جميع الموجودين في حرم المسجد، داخله وخارجه. استمرت عملية التصفية لقرابة ثلاثين دقيقة، عمد بعدها منفذو الاعتداء والذين كانوا يرتدون ملابس تشبه الملابس العسكرية بإحراق 7 من سيارات المصلين.وبحسب التعداد السكاني الأخير لعام 2016، فإن تعداد قرية الروضة لا يتجاوز الألف ومئتي نسمة نصفهم من الذكور.في هذه المجزرة  فقدت القرية ثلث سكانها وجلّهم من الذكور. دفن عدد قليل منهم في مقابر فردية، فيما لم تتسع مقابر القرية الهادئة لهذا العدد الضخم من الضحايا، فلم يكن هناك بديل سوى دفن الضحايا الباقين في ثلاث مقابر جماعية، وهذا حدث لم يتكرر في تاريخ مصر كثيراً.إنها مجزرة سيتذكرها المصريون طويلاً بصفتها الأكثر عنفاً وقسوة خصوصا أن حصيلة الضحايا صدمت الجميع بحيث كان الاضطراب سيد الموقف في الساعات الأولى من الجريمة. كان عداد الضحايا يرتفع بوتيرة متسارعة إلى أن أقفل يوم الجمعة مع وصول العدد إلى ثلاثمئة وخمسة قتلى من بينهم سبعةٌ وعشرون طفلاً، علاوة على مئة وثمانيةً وعشرين مصاباً.الشيخ (علاء أبوالعزائم) وهو شيخ مشايخ الطريقة العزمية ورئيس الاتحاد الصوفي العالمي، رفض إلغاء احتفالات المولد النبوي التي ستقام نهاية الأسبوع وأكد في تصريحات صحفية “أن مصر لن تقف عاجزة ضد الإرهاب ومستمرة في التطهير، وأن الصوفية لا يهابون إلا الله”.
الصوفيون هدفاستهداف تنظيم “ولاية سيناء” للصوفيين كان واضحاً ومعلناً منذ وقت مبكر، ففي عام 2013 فجر تابعون للتنظيم ضريحين من المزارات الصوفية في شمال ووسط سيناء. وفي العدد الصادر في يناير/ كانون الثاني الماضي من مجلة «رومية» الناطقة بالإنجليزية باسم تنظيم داعش، أعلن أمير مركز الحسبة في ولاية سيناء عن عدائه الشديد للصوفيين معتبراً إياهم «مشركين»، وسمّى الأمير نفسه قرية الروضة في سيناء باعتبارها من الأماكن التي يضعها التنظيم ضمن أهدافه لتمركز عدد كبير من الصوفيين فيها.تعيش منطقة شمال سيناء ومنذ العام ٢٠١٤ حالة طوارئ بعد استهداف قوات الأمن بعملية مسلحة أوقعت العديد من الضحايا وتوالت بعدها العمليات الأمنية في شمال سيناء ومصر عموماً.  وعلاوة عن استهداف قوى الأمن طاولت عمليات التنظيم الأقلية المسيحية من خلال استهداف الكنائس في عمليات أودت بالعشرات.حاولت الجماعات المسلحة في شمال سيناء جعل الإطار العام لتلك العمليات تبدو وكأنها معركة مع قوات الجيش والشرطة، فكانت تستهدف الكمائن الثابتة ومديريات الأمن علاوة على اغتيال قيادات قضائية وأمنية، غير أن التغير المفاجئ نحو المدنيين جعل الموقف أكثر ضبابية.وقبل وصول الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى السلطة، طالب في يوليو 2013، حين كان وزيراً للدفاع برتبة فريق، الشعب المصري بتفويضه لمحاربة الإرهاب، وقال إنه جلس مع قيادات جماعة الإخوان، قبل عزل الرئيس محمد مرسي، وتلقى تحذيرا من موجة عنف، وذلك في محاولة لإثارة شعوره بالخوف من أي إجراء، وعلّق حينها بأن مصر لا تُحكم بهذه الطريقة.استمرت العمليات المسلحة بشكل واسع، واتسعت دائرة العنف ما بين سيناء شرقا والواحات غربا، علاوة على عمليات نوعية في القاهرة والدلتا، أخرها عملية الواحات البحرية، التي راح ضحيتها 16 من قوات الشرطة، من بينهم 11 ضابطا واختطاف أحدهم كرهينة، ما نتج عنه إجراء تغييرات كبرى في قيادات بالجيش والشرطة، وبعدها تمكنت القوات المسلحة من استعادة الضابط المختطف وتصفية منفذي الحادث قرب الحدود الليبية.وعلى مدار السنوات الماضية، كانت منطقة شمال سيناء منطقة مطوقة أمنيا ومعزولة بحيث يمنع على المراسلين والصحافيين من الدخول إليها، خاصة بعد خضوعها لقانون الطوارئ وحظر التجوال لعدة سنوات وإخلاء عدد من البيوت المتاخمة للشريط الحدودي مع غزة . وكان التواجد العسكري المصري داخل شبه جزيرة سيناء التي تمثل ٦٪ من مساحة مصر محدود تماما طيلة ٤٠ عاما بفعل اتفاقيات كامب ديفيد.

إقرأ أيضاً