عن فقء عينَي فاطمة والجدل الذي رافقه: قراءة في “استثنائيّة” الجريمة

ماذا يعني أن يعترف شعبٌ كاملٌ في الأردن بأنّ نساءه مُستهدفات في حرب مفتوحة بدأت منذ قرون ولم تنتهِ بعد؟ ماذا يعني أن يقرّ شعبٌ كاملٌ بأن في عتمة البيوت فنون تعذيبٍ مُعَدّة خصوصاً لقهر النساء وكسرهنّ؟

أشعل “فقء عينَي” فاطمة أبو عكليك وإفقداها بصرها جدلاً واسعاً في المجتمع الأردني. فهناك من رأى في هذه الجريمة حالةً متطرّفة استثنائيّة لا تعبّر عن المشهد المجتمعي والأسري العام في الأردن. وعلى الضفّة الأخرى، مجموعات وأفراد سارعوا إلى قطع الطريق على رواج هذه النظريّة من خلال إظهار أنّ هذه الجريمة الشنيعة هي في الواقع نتاجُ أرضيّةٍ لها القدرة على إخصاب ممارساتٍ كهذه تتيحها جذور منظومةٍ فكريّة وقانونيّة تمييزيّة عميقة.  

بين ما مثّلته الإعلاميّة الأردنيّة نيفين عبد الهادي وكثر غيرها في قولهم إنّ ما تعرّضت له فاطمة حادثة فرديّة لا يجب تعميمها، والشعارات النسويّة التي رفعتها تظاهرة السبت 16 تشرين الثاني/نوفمبر تضامناً مع قضيّة فاطمة بدعوة من اللّجنة الوطنيّة لشؤون المرأة أمام مقرّ رئاسة الوزراء في عمّان، هوّةٌ فكريّة ليست بجديدة لا على الأردن ولا على العالم العربي.

أدان معظم الأردنيّين مشهد العنف الوحشيّ الذي نجت منه فاطمة وأطفالها الذين عادوا إلى حضنها، وهذا أضعف الإيمان. لكن اللافت في الأمر كان سماح هذه الجريمة بخروج التّهم التي اعتادت الحقوقيّات والناشطات النسويّات تلقّيها من قمقم القهاوي وهمسات المُنظّرين إلى السيول الخطابيّة العامّة. تطرّف، نشوز، انسلاخ عن العادات والتقاليد، رفض “الأبوّة” التي اختلطت بـ”الأبويّة”، وغيرها من الأحكام الكونيّة وحّدت النسويّات بمعزل عن اختلاف ثقافاتهنّ وخلفيّاتهنّ ومعتقداتهنّ الإيمانيّة.

لكن كان على هذه الاتّهامات أن تخرج، وتاريخ الحركات النسويّة في العالم يُثبت لنا حتميّة هذا الخروج، لا بل ضرورته. كان عليها أن تُطلق في العلن، لا لشيء، سوى لتُدحضَ، مرّةً تلو الأخرى، بأناةٍ وغضبٍ متروٍ، وبحكمة الواثق بحقّه، وصبر المؤمن بصَفْوه. وعلى النحو ذاته، كان على حجّة “استثنائيّة” هذه الجرائم أيضاً أن تخرج، لا لشيء، سوى لتُذكّر بلااستثنائيّتها، وتخلّد ذكرى السابقات الشاهدات على تكرارها.

  كان على هذه الاتّهامات أن تخرج،
فتاريخ الحركات النسويّة في العالم يُثبت لنا حتميّة هذا الخروج، لا بل ضرورته

ولكي لا يتمّ إقصاء السائلين والباحثين عن الأجوبة، من غير المضرّ الإقرار أحياناً بأنّ تصرّفات بعض الرجال هي بالفعل “استثنائيّة”، ولا داعي للتردّد في قول ذلك، لا سيّما إذا ما قورنت أفعالهم بحقّ النساء بجرائم أخرى تُرتكب بغرض السرقة أو الانتقام العاجل أو على إثر خلاف مستعر. ومع الإقرار بهذا المعنى، يأتي التوضيح بأنّ صفة الاسثنائيّة المُلصقة بهذه الجرائم لا تُستمدّ من طابعها العدديّ الخاضع للتقلّب من عامٍ إلى آخر وشهر إلى آخر، بل من طبيعتها النوعيّة التي تعكس كرهاً عتيقاً لضحيّةٍ تُربك جلّادها.

عادة تشويه الملامح: فاطمة أبو عكليك ليست الأولى

من تارا فارس في العراق، مروراً بسارة الأمين في لبنان وإسراء غريب في فلسطين، وصولاً إلى رشا بسيس في سوريا والآلاف غيرهنّ على امتداد العالم العربي وغير العربي، يتبيّن أنّ العنف الموجّه ضد النساء ليس فقط ظاهرةً متفشّية وممنهجة في معظم الحالات، إنّما جرماً خاصّاً غالباً ما يتفنّن مقترفُه خلال تنفيذه بغية إصابة هدفَين بحجرٍ واحد: الهدف الأوّل والمباشر هو قتلُ المرأة المترافق مع محاولات إخفاء ملامحها، وربمّا كلّ ما يمكن أن يبرز جمالها أو سحرها، كمقلتيها ووجهها وتفاصيل جسمها، وصولاً إلى محوها المادّي والوجودي التام عبر تعذيب نفسها وجسدها أو إطلاق الرصاص بشكل جنوني على أنحاء جسمها كافّة. أمّا الهدف الثاني فهو ضمان أذيّتها إلى أقصى الحدود للتأكّد من أنّها لن تعود جاذبة أو صالحة لأي زواج آخر، في حال لم تُفضِ العمليّة الجرميّة إلى موتها. وبذلك، يُطمئن الجاني ذاتَه المتصدّعة بأنّ صكَّ ملكيّة المرأة الذي يظنّه حقّاً له سيبقى بحوزته في كلتا الحالتين.  

أمام هذا الواقع، لا يعود مفاجئاً ميل البشر إلى حماية أنفسهم من صدمة المعرفة. ثقيل هو هذا النوع من المعرفة، والمسؤوليّة التي تتمخّض عنها أثقل منها بكثير. فماذا يعني أن يعترف شعبٌ كاملٌ بأنّ نساءه مُستهدفات في حرب مفتوحة تشنّها كتيبة منظّمة بإمدادات حيويّة متشعّبة؟ ماذا يعني أن يقرّ شعبٌ كاملٌ بأن في عتمة البيوت فنون تعذيبٍ مُعَدّة خصوصاً لقهر النساء وتربيتهنّ وكسرهنّ؟ لا ريب في أنّه سيستنفر كلّ ما أوتي من قوّة وعزم، بحثاً عمّا يثبت انتصار قيم الحماية و”المودّة والرحمة”، خشية أن تنهار منظومته القيميّة التي خالها سامية فساواها بعلّة وجوده حتّى.

هذا تحديداً ما فعلته شريحة واسعة من المجتمع الأردني عقب جريمة “الفقء” التي طالت عينَي فاطمة أبو عكيلك في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، في مدينة جرش شمالي العاصمة عمّان، وأفقدتها أملها في أن تشهد على نموّ أطفالها الذين سيرون التشوّه المتعمّد لملامحها فيما ستعجز هي عن مشاهدة التبدّل الطبيعي لملامحهم.

بالأرقام

الردّ بالأرقام على حجج التعامل مع هذه الجرائم كحالات فرديّة ووجود تحرّكات حقوقيّة مشبوهة قد لا يشكّل دوماً الإجابة الشافية، ومن الممكن أن ينصب الأفخاخ للاعبيها من الجهتَين. ولكن حتّى حين استُحضرت الإحصاءات في الأردن، عقب جريمة جرش، بدا “النظام” نفسه معترفاً بالعنف ضد النساء بوصفه ظاهرة، ومع ذلك، بقي هناك مَن يقاوم الإقرار بها كجريمة شائعة، ربّما هرباً من مواجهةٍ هو يدرك تمام الإدراك تبعاتِها الباهظة التي لا يبدو أنّه مستعدّ لتحمّل كلفتها، أي عمليّاً، إعادة صياغة قواعد مختلفة للعلاقات الأسريّة والاجتماعيّة وتَحاوُر طبيعة مجتمعيّة مُحافِظة جدّاً مع أفكار جديدة ستُضعضع بلا أدنى شكّ أسسها الصلبة.

من صفحة Khaberni على فايسبوك

بعد جريمة جرش، تحدّث مدير إدارة حماية الأسرة العقيد فخري القطارنة عن توثيق آلاف حالات العنف الأسري خلال أقلّ من عام في الأردن. إلى ذلك، أعيد نشر نتائج مسح السكان والصحّة الأسريّة الصادر عن دائرة الإحصاء العامّة والتي كشفت عن تعرّض 26% من الزوجات اللّواتي تتراوح أعمارهنّ بين 15 و49 عاماً إلى العنف الأسري بين عامَي 2017 و2018. كما سجّل رصد جمعيّة “معهد تضامن النساء الأردني” ارتفاع جرائم قتل النساء بنسبة تناهز الـ 200% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، وأفادت الجمعيّة بأنّ عدد جرائم قتل النساء نتيجة العنف الأسري وصل إلى 21 منذ مطلع عام 2019.

كلّ هذه الأرقام والإحصاءات والجهود الجمّة لتوثيقها على رغم صعوبة التبليغ (19% فقط من النساء المعرّضات للعنف طلبن الدعم)، تبقى بنظر مَن يصرّون على إنكار وجود ظلم مُمنهج بمثابة معطياتٍ تدلّ إلى وجود مشكلات، لكنّها لا تستدعي كلّ هذه الضجّة والحملات الإلكترونيّة وتحرّكات “طالعات” و”طفح الكيل”.

قد يكون “فقء” العينين بحدّ ذاته بالنسبة إلى هؤلاء ممارسة جرميّة استثنائيّة، لكنّ ممارستَه الرمزيّة تتكرّر كلّ يوم نازعةً عن فعل الفقء صفةَ الاستثنائيّة أو الفرديّة التي يحاولون إلباسَه إيّاها. فأعيُن النساء في الأردن تُفقأ في كلّ مرّة يضطررن فيها إلى السير ونظرهنّ مصوّب نحو الأسفل لإشاحة وجههنّ عن سائرٍ غليظ ومتحرّشٍ مزعجٍ في الشارع. أعين النساء تُفقأ في كلّ مرّة يُغمضنها لكي لا يرَين وجه الزوج وهو منهمك باغتصابهنّ. أعين النساء تُفقأ في كلّ مرّة لا يقرأن فيها “الجنسيّة: أردني/ة” على هويّات أطفالهنّ إذا كان الزوج أجنبي. أعين النساء تُفقأ في كلّ مرّة تُغسل بدم “العار”.

كان يمكن ألّا يرى المجتمع أعيُناً تُفقأ في الحقيقة ليصدّق أنّها بالفعل تُفقأ كلّ يوم. كان يمكن، لكنّ ذلك لم يحصل.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email