fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي - كاتب فلسطيني

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

عن فرن غزة ومخيمات الضفّة وخيبات الفلسطينيين

احتاج فرن أبو إسكندر، في غزة، إلى عامل واحد، لذا نشر إعلاناً في “فيسبوك” لهذا الغرض، إلا أنه في غضون 24 ساعة اضطرّ إلى كتابة “بوست” (منشور) آخر، ينهي فيها البوست السابق، بسبب العدد الهائل من الطلبات التي انهالت عليه، في هذا الوقت القصير، في حادثة ذات دلالات كبيرة، قاسية ومؤلمة.

وبحسب المعطيات فقد وصل المنشور إلى 6000 شخص، وتمت مشاركته 2148 مرّة، أما عدد طالبي العمل فبلغ 3000 شخص، بمعدل أعمار بين 18 و49 سنة، وبين المتقدمين حملة شهادات عليا: 15 إدارة أعمال، و7 تكنولوجيا معلومات، و4 حقوق، و14 محاسبة، و5 أدب إنكليزي، و6 صحافة، و7 هندسة، و40 من اختصاصات أخرى.

معلوم أن قطاع غزة، الذي يخضع لسيطرة حركة “حماس”، منذ عام 2007، محاصر منذ 11 عاماً، وهو من أكثر المناطق كثافة بالسكان في العالم (4900 شخص في كل 1 كلم2)، مع حوالى مليوني فلسطيني في 360 كلم2 (1.3 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية). وبالمناسبة فإن التركيبة العمرية للفلسطينيين فتية (70 في المئة)، لا سيما في غزة، وتشكل الفئة العمريـة (0-14) سنة نحو 42.6 في المئة من السكان، ما يوضح الحجم الكبير للإعالة، واتساع عمالة الأطفال، إذا احتسبنا تدنّي النسبة العمرية، الموجودة خارج نطاق العمل، وتدنّي نسبة العمالة بين النساء (22 في المئة)، والأهم، أو الأصعب، أن ثمة نسبة بطالة عالية جداً في غزة، تقدر بـ41 في المئة (إحصاءات 2017)، وهي نسبة الفقر ذاتها، مع التذكير بأن الحديث يدور عن منطقة تفتقر للموارد الطبيعية ولا استثمارات فيها، وتعتمد في مجمل بناها التحتية على إسرائيل، على رغم أنها تخضع لظروف حصار صعبة، إضافة إلى تعرضها إلى ثلاث حروب إسرائيلية مدمرة (2008، 2012، 2014).

طبعاً، ليس الوضع في الضفة، في ظل سلطة “فتح”، أفضل بكثير، وإن كان أكثر استقراراً، وبمعدلات تنمية أعلى نسبياً، لكن إذا أخذنا مسألة المخيمات في الضفة، أي وضع اللاجئين (من نكبة 48)، مثلاً، فسنجد أننا إزاء احباط  أو اخفاق أو قصور كبير، كأن السلطة غير معنية بتغيير هذا الواقع البائس لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني.

وقد يجدر التذكير، في هذا السياق، بأن عدد اللاجئين الفلسطينيين في الضفة والقطاع، أي في دولة فلسطين، يمثل 42.5 في المئة من مجمل السكان الفلسطينيين، إذ إن 26.6 في المئة من سكان الضفة الغربية هم من اللاجئين (حوالى 900 ألف)، وحيث ثمة 19 مخيماً، فى حين بلغت نسبة اللاجئين في قطاع غزة 66.2 في المئة (حوالى 1.3 مليون) يعيش معظمهم في 8 مخيمات، أما نسبة الفقر بين اللاجئين في الضفة والقطاع فهي تبلغ 39 في المئة، بينما هي بالنسبة إلى الفلسطينيين من غير اللاجئين تبلغ حوالى 22.3 في المئة.

المشكلة لا تتعلق، فقط، بارتفاع نسبة الفقر أو البطالة لدى اللاجئين الفلسطينيين القاطنين في الضفة والقطاع، وإنما هي تشمل أيضاً ظروف سكنهم، إذ حتى الآن، أي على رغم مرور ربع قرن على إقامة السلطة الفلسطينية، وفق اتفاق أوسلو (1993)، ما زال اللاجئون الفلسطينيون، في وطنهم، وفيما يفترض أنها دولتهم، يعيشون في مخيمات بائسة، وفي ظروف صعبة؛ مثلهم مثل أخوتهم من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان وسوريا والأردن وسوريا.

هكذا على رغم المساعدات الوفيرة التي انهالت على السلطة الفلسطينية، والموارد المالية الكبيرة التي تدفع لبناء أجهزة الأمن، والتي تشكل نحو 40 في المئة من موازنة السلطة، وعلى رغم بناء مجمعات بل ومدن، على غرار مدينة روابي، التي تضاهي أحدث المدن في العالم، وضمن ذلك الوحدات السكنية الفارهة، المبنية في “العاصمة” الحالية رام الله ومحيطها، إلا أنه لم يتم تخصيص الأموال اللازمة لتغيير واقع المخيمات، وبناء وحدات سكن لائقة بهذا الجزء من الفلسطينيين، الذي صمد في أرضه، في ظروف صعبة، على رغم مأساته، وضمن ذلك في رام الله ذاتها، حيث مخيمي الأمعري وقلنديا اللذين ما زالا على وضعيهما، والحديث عن ذلك يأتي على رغم وجود السلطة، بل وعلى رغم وجود دائرة في منظمة التحرير، يشرف عليها عضو لجنة تنفيذية، اسمها دائرة شؤون اللاجئين، كأنها معنية بشؤون لاجئين آخرين في دولة أخرى!

يستنتج من ذلك أن وضع الفلسطينيين في غاية من الصعوبة، وأن هذا الوضع يضعف من اجماعاتهم، ومن قدرتهم على الصمود في مواجهة السياسات الإسرائيلية، بل إنه يسهل على إسرائيل فرض إجراءاتها الإدارية، التي باتت تقضم من صلاحيات السلطة الفلسطينية، في الضفة، كما تقضم من صدقية حماس في غزة.

وفي الواقع فإن هذا الوضع يكشف خللاً كبيراً في الحركة الوطنية الفلسطينية منذ قيامها، قبل أكثر من نصف قرن، إذ إنها في تركيزها الظاهر على المقاومة المسلحة لإسرائيل، تناست مسألة أساسية أخرى أو تجاهلتها، أو الوجه الآخر للعملية الوطنية الفلسطينية وهو بناء المجتمع الفلسطيني، بل إنها لم تقم بأي شيء على هذا الصعيد، لا إبان وجودها في الأردن ولا إبان وجودها في لبنان، حيث لم تعمل على استثمار وجودها لتعديل القوانين المدنية اللبنانية التي تجحف بحقوق اللاجئين، وهو ما نشهد مثله الآن في الضفة وغزة، علماً أن التركيز على الكفاح المسلح، لم يغير كثيراً من واقع الفلسطينيين، ولا من علاقات القوة بين الطرفين، وبالعكس فهو، على الأرجح استنزف الفلسطينيين اكثر مما استنزف إسرائيل.

السؤال الآن، هل مجتمع هكذا وضعه، في الضفة أو غزة، يمكن أن يكون مجتمع مقاومة سواء مسلحة أو شعبية؟ هل هذا المجتمع يستطيع الصمود ازاء التحديات الإسرائيلية التي يتعرض لها؟ كان الله في عون الفلسطينيين أينما كانوا…

إقرأ أيضاً:

يا أعزائي فلاديمير بوتين ليس فلاديمير لينين وروسيا ليست الاتحاد السوفياتي

نقاش عن سوريا من دون سوريين

إقرأ أيضاً