fbpx

هنا القصة الثالثة

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

عن طلال ديركي وعن “ثورة تأكل أبناءها”

كان يوم جمعة. دخلت الصبية إلى مكتبي الكائن في الطابق الخامس من بناية شاكر وعويني في وسط بيروت. لم نكن نعرف بعضنا بعضاً معرفة شخصية، ولكننا تبادلنا القبل وتعانقنا مثل صديقتين قديمتين. “أُهرّبُ الثورة في كلسوني”،  كانت هذه أول كلمات قالتها لي في قهقهة لا أزال أذكر رنتها. كانت تهرب شرائح تصوير التظاهرات وتخفيها بعناية كل لا تصادرها حواجز النظام وتأتي بها إلى بيروت لتبثها.

عفوية الصبية كانت مدهشة، ولكن ما أذهلني فعلاً كان لون بشرتها، بخاصة في الجهة العليا من اليدين. بياض لم أر مثله في حياتي، لا ينسجم بشكل كبير مع لون بشرة وجهها.

كانت الصبية متعبة من رحلة الطريق ولكنها رفضت اقتراحي بأن نتناول وجبة غداء سريعة أو حتى فنجان قهوة. كانت مستعجلة كي تصل الى الطابق السادس من المبنى حيث مكتب “سي أن أن”، ومن بعدها الى مكاتب وكالة “رويترز” في مبنى قريب. خرجت الصبية، ورحت أعمل على مونتاج الصور التي أوكلها صديقها إيصالها إلى اصدقائه في بيروت. ذهبت الصبية وانتهى المونتاج وعرضت الصور على شاشة قناة العربية، وبقيت صورتها في رأسي.  

“أحمل الثورة في كلسوني”، ممزوجة بضحكة تحمل كل الخفة وكل الخوف… أربع كلمات جعلتني أرغب بمعرفة المزيد.

اقنعتُ الصبية بأن تخصص لي بعض الوقت كلما أتت إلى بيروت، وهكذا كان.

مشاهد التظاهرات السلمية التي راح المخرج السينمائي الشاب يصورها، ويجمعها من كل انحاء سوريا “لكي يرى العالم حقيقة ما يحصل”، صارت أسبوعاً بعد أسبوع تختلط بتفاصيل حياة خاصة، بماضيها وحاضرها ومستقبلها.

كنت أستمع وأسجل فقط.

هكذا، عرفت أن الصبية من ريف دمشق، وأنها درست الأدب العربي، مع أنها كانت تريد الالتحاق بكلية الأعلام، وأنها كانت سعيدة جداً بالحفلة التي أقيمت لها يوم بلغت التاسعة من عمرها بمناسبة ارتدائها الحجاب، وبأنها كرهته بعد أسبوع ولكنها لم تتمكن من نزعه حتى بداية الثورة. سألتها يوماً كيف لا تخاف عند الحواجز الأمنية، فصور التظاهرات السلمية التي كانت تهرّبها، كانت العدو الأول للنظام في تلك الفترة. أجابتني ضاحكة بأنها لا تخاف من أن يكتشفها الأمن، لأنها تستطيع أن تكذب عند الحاجة، فهي اضطرت إلى تعلّم الكذب باكراً، كي تكون حرة، من دون إيذاء من تحب. الخفة في وجه الخوف، هذه كانت الطريقة الوحيدة للاستمرار.

مرت أسابيع، راح لون ذراعيها يتماهى مع لون وجهها.

تزوجت الصبية من المخرج الشاب وبعد وقت قليل بدأ بطنها يتكور،

ساعد ذلك على تسهيل رحلاتها الأسبوعية الى بيروت، إذ صار لها عذر الزيارة الى الطبيب المختص لمتابعة حالتها “المعقدة”.

 

أفهم من دون أن أقبل، أن يكون ثمن الترشيح للأوسكار ضجيجاً لا يوفر شيئاً، عاماً كان أم خاصاً، وفقاً لمعايير عالم قاس مقسوم بين ملائكة وشياطين… ما لا أفهمه، ولا أصدقه، هو تخوين من كان من أوائل المطالبين بالحرية، لمجرد أنه عبر عن نفسه بحرية… لو صدق ذلك، لصدق من قال إن “الثورة تأكل أبناءها”.

 

مرت شهور، تغير المشهد في سوريا وفي حياة الأم الجديدة التي قررت الانتقال إلى لبنان. مرة واحدة زرتها في شقتها الصغيرة في الاشرفية. كان زوجها المخرج الشاب يصور في حمص، فيما كانت تتابع وتساعد من بيروت، ولكنها بدت لي وحيدة ومرهقة. خلال زيارتي القصيرة، لم يتوقف الطفل الصغير عن البكاء. كان اسمه آدم.

المرة الثانية التي رأيت آدم فيها، كان في الثانية تقريباً، وكان يذهب الى دار حضانة في برلين. هناك، قابلت أمه مرة أخرى، وهناك أخبرتني انه بالنسبة إليها، لا عودة إلى سوريا. “لن أعيد ابني الى هناك”، قالت الصبية هذه الكلمات وهي تنظر إلى الكاميرا من دون أي مناورة.

تذكرت الخوف في نظرتها يوم لقائنا الأول. وراء الكحل الذي صار جزءاً من عينيها، رأيت غضباً وعجزاً بدل الخوف.

“هل تعرفين ما معنى أن يضيع أهلك في البحر مدة أسبوع، وألا تعرفي عنهم شيئاً؟ هل تعرفين ما معنى ان تسمعي صوت من تحبين في الغوطة يقول لك أن لا طعام لديهم من دون أن يكون في استطاعتك أن تفعلي لهم أي شيء؟ هل تعرفين ما معنى أن يقتل الذين تحبينهم، الواحد بعد الآخر وانت صرتِ تعرفين أن كل هذا يحصل من دون جدوى؟”.

بحثت عن الخفة ولم أجدها في قهقهتها هذه المرة، وجدتها في دموع أرادت الصبية إخفاءها. مرة أخرى أخبرتني أنها يوم هرّبت الثورة في ملابسها الداخلية، كانت مقتنعة بأنها تقوم بأمر مهم، وبأن العالم لا يتحرك لأنه لا يعلم حقيقة ما يحدث.

هي اليوم متأكدة أن العالم يعرف ولا يبالي.

“ابني سيبقى هنا، وستكون له حياة أفضل”.

الصبية بنت لنفسها حياةً هي فيها الأقوى، زوجها في ادلب يصور فيلمه الثاني، هي تساعده وهو يساعدها في إنتاج فيلمها الخاص…

تخبره أنني في برلين، وأننا نجري مقابلة، يقول لها بنبرة بين الجد والمزاح… “انتبهي فالمخرج يستطيع ان يفعل ما يشاء بالمادة التي يصورها”… أؤكد لها ما قاله زوجها فأنا حقاً لا أعرف ما الذي سوف افعله بالمادة التي أسجلها… تبتسم وتقف أمام الكاميرا، وتقول بثقة إنها لا تعرف هي الأخرى ما الذي سوف تقوله…

بعد سنة، عدتُ إلى برلين، كانت العائلة الصغيرة مجتمعة. آدم يذهب الى مدرسة قريبة. الصبية صارت امرأة مستقلة منهمكة بمونتاج فيلمها القصير الأول وتعمل مع زوجها وفريقه في مونتاج فيلمه الثاني.

كنت لا أزال لا أعرف ما الذي أريد أن أفعله بالمادة التسجيلية التي أملكها، قلتُ ذلك للصبية ولزوجها المخرج وقلت لهما إن في الأمر بالنسبة إلي نوعاً من العلاج… العمل في قناة إخبارية كان مرهقاً على الصعيد النفسي ولسبب ما كنت محتاجة إلى التمسك بتفاصيل قصة حقيقية واحدة… لم تتردد الصبية واستمرت بالتسجيل، وأخبرني زوجها الشاب كم هو مُرهَق وحائر بعد العودة من إدلب… معاً ذهبنا الى الاستوديو حيث كان مخرج شاب آخر ، هو زياد كلثوم ينهي مونتاج فيلمه طعم الاسمنت. نظرت إلى الثلاثة الذين أعرفهم منذ سنوات. رأيت بعض الخطوط بدأت تظهر على وجوههم. لسبب ما ضحكنا، وللحظة ما شعرنا بخفة، أعادتنا إلى بداية الثورة.

انتقلنا الى شقة الصبية والمخرج ،وهناك شاهدنا التسجيلات السابقة… تسجيلات خاصة هذه المرة. حفلة خطبة، لحظة ولادة آدم… أنظر إليه بالقرب منا، يلاعب قطة صغيرة. آدم لن يعود الى سوريا، أقول لنفسي. قد يعود يوماً ولكن هذا اليوم ليس بقريب…كنت متأكدة من ذلك.      

كان يوم جمعة من ذلك الزمن الذي كان ليوم الجمعة فيه أسماء.

كان اسم الفتاة هبة. كان اسم زوجها طلال ديركي. اسم فيلمه الأول العودة إلى حمص، واسم فيلمه الثاني “آباء وأبناء”… أنا شاهدة على أن كل ما أراده هو صناعة أفلام جيدة. لي رأي بالفيلم ولكنه ليس مهماً. أفهم ألا يكون هناك إجماع يتبنى الفيلم شكلاً ومضموناً. أفهم من دون أن أقبل، أن يكون ثمن الترشيح للأوسكار ضجيجاً لا يوفر شيئاً، عاماً كان أم خاصاً، وفقاً لمعايير عالم قاس مقسوم بين ملائكة وشياطين…

ما لا أفهمه، ولا أصدقه، هو تخوين من كان من أوائل المطالبين بالحرية، لمجرد أنه عبر عن نفسه بحرية… لو صدق ذلك، لصدق من قال إن “الثورة تأكل أبناءها”.

رسالة إلى ريّا الحسن: أرجوكِ لا تعتذري

 

إقرأ أيضاً