fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي - كاتب فلسطيني

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

عن خيبتنا بالولايات المتحدة من أوباما إلى ترامب 

خيّب ترامب أمل الذين توقعّوا أو تمنّوا ضربة أميركية موجعة لإيران، رداً على إسقاطها طائرة استطلاع أميركية، وهو أمر كانوا يتوقون إليه، أو يطلبونه، قبل تلك الضربة الإيرانية اليتيمة، أو المفاجئة، من دولة اعتادت ألا ترد على الضربات التي توجه إليها من قبل الولايات المتحدة، ولا حتى من قبل إسرائيل، أو أن توكل أحداً ما، كي يرد عنها.

المهول في ذلك الحدث، بالنسبة إلى هؤلاء، أن ترامب تحول من رئيس متهوّر، ومستعد للدوس على كل شيء لفرض فكرته عن أميركا القوية، إلى داعية حقوق إنسان، وحمامة سلام، وشخص وديع يطلب مفاوضة إيران، بل ويطلب وساطة اليابان في سبيل ذلك، ويدعو إلى نقاش العدوان الإيراني في مجلس الأمن الدولي!

إذاً فهؤلاء، الذين كانوا منتظرين متحمّسين لترامب، ظنّاً منهم أن سياسته إزاء الصراع السوري، وإزاء إيران، ستكون غير سياسة أوباما، وجدوا أنفسهم متوهمين، ومكشوفين، فالرئيس الحالي بدا غير مختلف عن سلفه، وبدت السياسة الأميركية كأنها محكومة بستاتيكو معين، مفاده استمرار الصراع السوري، بحيث لا ينتصر النظام ولا تُهزم المعارضة، والاستثمار في ذلك الصراع لاستدراج الطرفين الآخرين واستنزافهما وإرهاقهما (روسيا وإيران)، وتعزيز مكانة إسرائيل في المنطقة.

طبعاً ثمة فارق في حدود الطباع والسلوكيات والثقافة الشخصية بين أوباما وترامب، فالأول يقدم نفسه كهادئ، وعقلاني، ومسالم، وديبلوماسي، ويراعي مصالح الأطراف وحساسيتها. أما الثاني فصاخب، ومباشر، ومستعد للحرب، ولا تهمه الديبلوماسية، بقدر ما يهمه حصد المكاسب لبلاده، بأي وسيلة. بيد أن ذلك الفارق لا يظهر في السياسة الأميركية، إزاء الشرق الأوسط، كما تبين في العامين الماضيين. وحتى في حال حدث فرق ما فهو مجرد أمر عرضي، أو ثانوي، أو لا يغير في معادلات الصراع الراهنة (ضرب مطار الشعيرات في نيسان/ أبريل 2017 مثلاً)، وذلك حصل لأن الأوضاع تغيرت على الأرض، ولأن السياسة الأميركية حققت أغراضها، واستهلكت استراتيجيتها، وباتت أمام لحظة القرار، إما بقاء الحال كما هي، أو إعلان نضجها. الأمر الذي يتطلب الإعداد لما يسمى اليوم التالي، وهو ما نشهد إرهاصاته اليوم، في السعي الأميركي إلى خنق إيران، وتحجيم مكانتها، وإجبارها على الخروج من سوريا، وفي محاولة خلق واقع جديد، بالتعاون مع روسيا وإسرائيل، وهو معنى اجتماع القدس، الذي يضم مستشاري الأمن القومي في الدول الثلاث، كما في معنى الترتيبات الأميركية، التي بات يطلق عليها اسم “صفقة القرن“.

الذين كانوا منتظرين متحمّسين لترامب، ظنّاً منهم أن سياسته إزاء الصراع السوري، وإزاء إيران، ستكون غير سياسة أوباما، وجدوا أنفسهم متوهمين، ومكشوفين، فالرئيس الحالي بدا غير مختلف عن سلفه

ولعل ما على المراهنين، أو المتوهمين بدور أميركي أفضل في الشأن السوري، أدراكه أولاً، هو أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية، لا سيما إزاء الشرق الأوسط، لا يحركها هذا الرئيس أو ذاك، وإنما تحركها دوائر أميركية مختصة. وهي تقوم لخدمة مصالح الولايات الأميركية وحلفائها، وتتأسس على رؤى استراتيجية وليس على سياسات آنية. ثانياً، ما يفترض إدراكه، أيضاً، وتبعاً لما تقدم، أن الولايات المتحدة الأميركية لا تشتغل عند السوريين، ولا عند غيرهم، وحتى وإن كانت تولي مصالح أحد ما في الاعتبار، في المنطقة، فإن مصالح إسرائيل هي المقررة في هذا الموضوع. وقد يجدر التذكير هنا بأنه منذ عهد بوش الابن، مروراً بعهد أوباما، وصولاً إلى عهد ترامب، باتت الولايات المتحدة تتحدث عن ضرورة قيام العرب بحل مشكلاتهم بأنفسهم، ودفع أثمان ذلك. وهو ما تحدث عنه أوباما بديبلوماسية هادئة، في حين تحدث عنه ترامب بطريقة فضائحية وفجة. ثالثاً، ثمة أهمية لإسقاط إيران طائرة أميركية، لكن الولايات المتحدة، كدولة عظمى، لا تتصرف من منطق رد الفعل السريع، أو المباشر، ثم إنها، ربما، في هذا الأمر تعتقد أنها تقوم بما عليها وزيادة، بسعيها إلى عزل النظام الإيراني وخنقه، أي أنها ترد على إسقاط الطائرة بوسائل أكثر نجاعة من مجرد توجيه ضربة عسكرية، ربما تم تأجيلها لاعتبارات مختلفة، علماً أن الوجود الإيراني في المنطقة بات في إطار الاستهداف الأميركي والإسرائيلي، كما شهدنا في العامين الأخيرين. رابعاً، ما ينبغي أخذه في الاعتبار هنا، أن الولايات المتحدة استثمرت في صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، باعتبار أنه لا يضرها، ولا يمس بأمن إسرائيل، طالما أنه تحت السيطرة، بدليل أنها سلمت العراق لإيران، بعد غزوها إياه، وأنها لم تمانع دخول إيران وميليشياتها على خط الصراع العسكري في سوريا، وعدلت عن ذلك، للحد من هذا النفوذ. لكن ذلك التحول حصل، بعدما انتهت مهمتها في سوريا، أي بعد كل الخراب الحاصل، ومع التمزق أو التصدع الاجتماعي في سوريا والعراق ولبنان، على أسس طائفية – مذهبية.

الأول يقدم نفسه كهادئ، وعقلاني، ومسالم، وديبلوماسي، ويراعي مصالح الأطراف وحساسيتها. أما الثاني فصاخب، ومباشر، ومستعد للحرب، ولا تهمه الديبلوماسية، بقدر ما يهمه حصد المكاسب لبلاده

خامساً، ما زال من المبكر الاقتناع بأن الولايات المتحدة انتهت من الاستثمار في الدور الإيراني، وحتى لو حصل ذلك، فليس ثمة يقين، على الأقل من الناحية العملية، بأن ذلك سيصل إلى حد إخراجها نهائياً من سوريا والعراق، لا الإبقاء عليها، في حدود ومستويات لا تضر أمن إسرائيل، ولا تؤثر سلباً فيها.

والقصد أن التعامل مع السياسات الأميركية، أو الغربية، وفقاً لإدراكاتنا ومفاهيمنا السائدة، هو الذي يفضي إلى نظرة رغبوية متسرعة وساذجة ومضطربة، ما يفسر أن البعض الذي ظن أن سياسة ترامب هي غير سياسة أوباما، هو ذاته الذي رأى اليوم أن “ترامب عن أوباما ما بيفرق”.

“صفقة القرن” المولودة ميتة

إقرأ أيضاً