fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم درويش - كاتب وصحافي سوري

حازم درويش - كاتب وصحافي سوري

مقالات الكاتب

عن حلب التي كانت تلحّن وتغنّي وتتبادل الشرائط والكاسيتات

في حلب التسعينات الهادئة، كانت الأشرطة الموسيقية هي أول ما أدخل سؤال الحلال والحرام إلى نفس الصغير. لطالما كان يعيد اﻻستماع إلى اﻷشرطة الموسيقية التي احتفظ بها والداه في البيت. وحيداً أو بصحبة أحد منهما. لكن مع توالي إصغائه إلى اﻷذواق الموسيقية المختلفة لأقربائه، كلما خطا خارج عتبة منزله. راح يحبها أكثر ويجدها أكثر قرباً منه وتعبيراً عن زمنه مما هو موجود في البيت منذ سنين ولم يتغير.

في إحدى زياراته إلى منزل عمته والسهرة الصيفية عامرة بالوجوه واﻷحاديث، أغرم بوردة تغني ألف وليلة. لم يكن صوتها متداولاً في البيت. فكر كثيراً في صباح اليوم التالي كيف سيحصل على الشريط. فهو لا يملك مالاً لشرائه هو أو سواه. وليس بوارد أن يطلب المال من والديه لهذا اﻷمر الذي “لا يناسب عمره”!
هل سيسرقه إذاً؟
لا. سيأخذه من دون دراية من أحد. سيحسبونه ضاع منهم وسيجدونه ما إن يرده مكانه في الزيارة المقبلة!
إذا لن يحاسبه الله على فعلته هذه.

وبما أن اﻷمر تم كما أراده، راح يكرره في كل بيت يزوره. و لم يسلم أحد من استعاراته الموسيقية. لا خاله ولا عمه ولا أحد. فلكل منهم ذوق خاص في مطربي تلك اﻷيام. وهو أحب تلك اﻷذواق مجتمعة.
مع اﻷيام راح يدون في دفتر صغير ما يجده في أدراج أقربائه من أسماء المطربين وأسماء أغانيهم. ولا يغلق تلك اﻷدراج إلا بعد ترتيب اﻷشرطة فيها بحسب مطربيها وشركات إنتاجها.
مرات كثيرة كان يستعير الأغلفة فقط. ومرات يأخذ الشريط وعلبته وغلافه. وطيلة استماعه للأغنية يروح يتمعن الصور وما كتب عليها على فقرها تلك اﻷيام.
استطاع مع أغلفة المنوعات الزاهية أن يبرر لنفسه سرقة أغلفتها. ففي أحيان كثيرة كان يردّها إلى مكانها بأشرطتها فقط. ومن يهتم باﻷمر؟ لا أحد سواه يعرف قيمة هذه الأشياء، ولا أهمية هذه اللعبة التي يديرها. هكذا كان يظن في حينه.
جرّه اﻷمر الذي بدأ في أدراج اﻷقرباء الصغيرة ورفوفهم إلى محلات اﻷشرطة في اﻷحياء أيامها.
يقف أمام كل محل يمر أمامه. يتأمل الصور الضخمة. والرفوف المملوءة باﻷشرطة الملونة.
كيف سيستعير هذا كله؟ هل باﻹمكان أن يقنع أحداً من أصحاب هذه المحلات بذلك؟
لم يعد من اﻷمر بد. يقترح على والدته مع اقتراب عامه الدراسي من نهايته أن تعطيه مبلغاً يكفيه لشراء كاسيت غنائي ما أن يحصل على درجة جيدة في امتحان نهاية العام.
وما أن يتم له اﻷمر حتى ينزل لشراء الكاسيت من المحل الموسيقي الهادئ في الشارع الخلفي لكنيسة الفرنسيسكان وهو يزور بيت جدته.
كان اﻷمر أشبه بعيد. أو هو العيد نفسه.
هكذا بات اﻷمر أسهل بكثير وأجمل. لا يستعير فقط. بل يقتني أيضاً. ولا شيء يخدر عقل اﻹنسان والطفل بخاصة كمثل الاقتناء. لذا يسير بلعبة المقايضة الجميلة ووالدته لسنوات وسنوات. وينمي أشرطة الكاسيت خاصته برموش عينيه ويخطط مع كل مقايضة للمقايضة المقبلة.
تنوعت المحلات التي كان يقتني منها اﻷشرطة. فهو لم يستطع البقاء وفياً لمحل واحد. لكن محلات الجميلية والعزيزية بقيت محلاته المفضلة. يبقى فيها وقتاً طويلاً، يتفرج على اﻷشرطة والصور قبل أن يأخذ شريطاً معيناً.
لا يزال إلى اﻵن يذكر محل الأشرطة الهادئ في الشارع المقابل لمخفر العزيزية وسط المدينة. من هناك اقتنى في ليلة شتوية ماطرة أول شريط لميادة بسيليس، المغنية الحلبية الهادئة. كان الشريط يخصه جداً. فكثيراً ما أغرته فكرة أن من يغني في هذا الشريط يسير على اﻷرصفة نفسها التي يسير عليها. ويرى كل ما يراه هو!
أتى زمن على المدينة وبدأ يذوي هذا كله. السلفية المستوردة عبر القنوات الفضائية الخليجية تأكل أحياء حلب ورؤوس ساكنيها بهدوء، لكن بإصرار ونجاح لم يسلم به بسهولة. بقي يقتني اﻷشرطة ولم يسلم للأغاني المضغوطة مجاناً في الحواسيب إلا بعد زمن طويل. ليست اﻷشرطة وحدها من كانت تختفي. بل محلاتها أيضاً. يتذكر اﻵن جيداً كيف صار يغير الشارع الذي يوصله إلى منزل عمته، منذ أن تحول محل اﻷشرطة البسيط على كتف مدخل بنايتها الخلفي إلى ورشة لتصليح اﻷدوات الكهربائية.
كان اﻷمر من ضمن صور أخرى كثيرة يقلّم له ذاكرته. ويشوه قبل الحرب بكثير صورة المدينة وروايتها وأهلها. ويرد عنهم فسحات جمال لم يستطع ما استجد على هذا العالم وعليها أن يعوضها!

إقرأ أيضاً