عن انسحاب السودان من اليمن… مستقبل التحالف

عبد القادر عثمان – كاتب وصحافي يمني
نوفمبر 12, 2019
"ذات زيارة صحافية إلى صحراء ميدي (شمال اليمن) عقب معركة شهيرة قُتل فيها أكثر من 200 سوداني، شاهدتُ جثثاً متناثرة في تلك الصحراء المترامية. سألتُ عن بقايا الجثث المكومة على بعضها، فقيل إنها لمقاتلين سودانيين قُتلوا أثناء المعركة التي حدثت قبل يومين من الزيارة".

“ذات زيارة صحافية إلى صحراء ميدي (شمال اليمن) عقب معركة شهيرة قُتل فيها أكثر من 200 سوداني، شاهدتُ جثثاً متناثرة في تلك الصحراء المترامية. سألتُ عن بقايا الجثث المكومة على بعضها، فقيل إنها لمقاتلين سودانيين قُتلوا أثناء المعركة التي حدثت قبل يومين من الزيارة” يحكي عبد الرحمن الأهنومي، رئيس تحرير صحيفة الثورة الرسمية (يديرها الحوثيون)، عن وضع القوات السودانية المشاركة في الحرب التي تقودها السعودية والإمارات على اليمن منذ آذار/ مارس 2015.

ويضيف لـ”درج”: “أكد لي مقاتلون من الجيش واللجان الشعبية (وحدات عسكرية تتبع السلطات في صنعاء) أنه عادة ما يرفض الضباط السعوديون استلام جثامين السودانيين، مطالبين بجثث جنودهم فقط”.

خلال خمس سنوات من الحرب على اليمن “بلغ عدد الضحايا من القوات السودانية 8 آلاف بينهم 4253 قتيلاً، من بين ذلك 459 قتيلاً خلال العام الجاري فقط”، كما قال العميد يحيى سريع، المتحدث باسم القوات المسلحة التابعة للسلطات في صنعاء، في مؤتمر صحافي، مؤكداً أن قواته قادرة على “استهداف أي تشكيلات عسكرية جديدة من المرتزقة قبل وصولها إلى الأراضي اليمنية”.

يقول سريع إن “القوات السودانية الموجودة داخل اليمن تعتبر أهدافاً مشروعة لنيراننا وأي تشكيلات أخرى تساند تحالف العدوان بغض النظر عن مكان وجودها”.

انسحاب سوداني

تلك التصريحات تزامنت مع الأنباء الآتية من الخرطوم عن إبلاغ رئيس المجلس السيادي في السودان، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بالاجتماع الثلاثي بين المجلس والحكومة وقوى التغيير بسحب 10 آلاف جندي من قواته شاركوا في حرب اليمن، من دون رغبة في إرسال قوات بديلة عنها.

تأتي أخبار انسحاب القوات السودانية عقب انسحاب جزئي لـ”القوات الإماراتية” من جبهة الساحل الغربي، بعد عملية توزيع جديدة في بعض المناطق اليمنية، بذريعة “محاربة التنظيمات الإرهابية”، بحسب بيان وكالة الأنباء الإماراتية (وام)، ومع استمرار الضغط الشعبي السوداني بضرورة إنهاء المشاركة السودانية في حرب اليمن.

يقول الصحافي والمحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي لـ”درج” إن “انسحاب القوات السودانية وأحداث عدة أخرى حصلت وتحصل على الساحة اليمنية، لا تبدو واضحة وليس هناك سياق يبررها”، غير أنه يرى “انسحاب تلك القوات التي كانت تقوم بإسناد لوجيستي في الغالب، جاء بعدما توقفت العمليات القتالية في الساحل الغربي، خصوصاً جنوب الحديدة حيث كانت تهيمن القوات الإماراتية”، كما “يمكن اعتبار هذا الانسحاب أحد التداعيات المباشرة لانسحاب الإمارات العسكري من اليمن وفقاً لما هو معلن” على حد قوله.

ويرى الشيخ الطيب بشير، رئيس رابطة أبناء السودان المناهضة للعدوان على الشعب اليمني، أن “هذا الانسحاب ما كان يجب أن نصل إليه، فلم يكن ضرورياً ولم تكن هناك أي دواع للمشاركة مع الدول الممثلة في الإقليم لقوى الهيمنة والاستعمار وهما السعودية والإمارات، في الاعتداء على بلد ذات سيادة وشعب مسالم كاليمن”، مشيراً إلى أن القرار الذي اتخذه “الرئيس المخلوع عمر البشير، وصمة عار في تاريخ السودان، والشعب غير راضٍ عنه لأنه لا يخدم توجه الشعب السوداني والعربي وليست له أسس منطقية، لذا يجب الانسحاب بشكل كلي وتحقيق مطالب الشعب وثورته”.

5 سنوات حرب

الثوار كانوا طالبوا بسحب القوات السودانية من اليمن كهدف من أهداف الثورة التي أطاحت بالرئيس عمر البشير في نيسان/ أبريل المنصرم. ذلك يأتي بعد 5 سنوات من حرب زادت الوضع اليمني تعقيداً، والأزمة الإنسانية سوءاً، وبدت غير آيلة للوصول إلى مخرج حقيقي، بل اتضحت معها أطماع لا علاقة لها بأهداف إعلان التحالف، إذ لا يزال عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية في الرياض، وعدن، التي حوّلها هادي عاصمة موقتة بديلة عن صنعاء، نشأ فيها انقلاب بدعم إماراتي يحمل مشروع دولة جديدة اسمها “الجنوب العربي”.

في الوقت ذاته أصبح الحوثيون، الذين بسطوا سيطرتهم على صنعاء عقب “ثورة” 21 أيلول/ سبتمبر 2014، قوة تصل آثارها إلى العمق الاقتصادي للسعودية وتضع المبادرات “لوقف العدوان على اليمن، فالآتي أكثر إيلاماً” كما جاء في خطاب رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشّاط، عشية ذكرى ثورتهم.

يقول التميمي “إن كان الانسحاب حقيقياً فربما أرادت الإمارات إغلاق باب العمليات العسكرية الحاسمة، وهذا ليس في مصلحة السعودية، إذا بقيت الرياض تعتمد سياسة إقصاء القوات اليمنية وعدم تمكينها من السلاح اللازم لمواصلة قتال الحوثيين”.

صمت ونفي!

وفي حين لم تعلّق حكومة هادي، المقيمة في الرياض منذ خمس سنوات، على هذا الانسحاب، يؤكد نائب وزير خارجية حكومة الإنقاذ من صنعاء حسين العزّي، أن “خبر الانسحاب غير حقيقي وليست له إشارات في الواقع، بل على العكس من ذلك هناك تصعيد عسكري في منطقة المخا الساحلية لقوات موالية للإمارات بينها سودانية”، ويضيف لـ”درج”: “قرار السودانيين ليس بيدهم، إنما بيد الإمارات والسعودية”.

في هذا السياق، نفى الناطق باسم القوات المسلحة السودانية، العميد الركن عامر محمد الحسن، في حديث إلى قناة “الجزيرة مباشر” القطرية قبل أيام، صحة ما تداولته وسائل الإعلام السودانية حول الانسحاب من التحالف، مؤكداً أن “القوات السودانية لن تنسحب من اليمن لأنه لم يصدر قرار رسمي بالانسحاب”.

عن ذلك يقول الشيخ الطيب إن “هذا التعليق لا يعبر عن توجه الشعب السوداني، ولا يغيّر في الواقع شيئاً، لأن الانسحاب يجب أن يتم”، مؤكداً أن الناطق جزء من النظام السابق وليس من الثورة.

مناطق التمركز

تتمركز القوات السودانية المشاركة في عدد من الجبهات، وهي فريقان أحدهما يقاتل مع السعودية والآخر مع الإمارات، إذ هناك “عدد من الألوية في الجبهات الشمالية لليمن وتحديداً في محاور نجران وجيزان وعسير لحماية الحدود السعودية”، بحسب الأهنومي الذي أضاف لـ”درج”: “اللواء الثاني حزم، الذي قُتل وأُصيب المئات من منتسبيه في مقتلة مشهورة بـمقبرة الجيش السوداني في صحراء ميدي، جيء باللواء الرابع حزم بديلاً عنه”.

وتابع الأهنومي: “هناك اللواء الخامس حزم وقوامه 5 آلاف سوداني في الخوبة، واللواء السادس حزم في صامطة وله انتشار تكتيكي إلى ميدي وغرب حرض، إضافة إلى كتيبتين قوامهما يصل إلى ألفي جندي في منطقة مجازة، وفي سقام (نجران) كتيبة قوامها 600 جندي”. وأكّد “وجود 6 ألوية سودانية في الساحل الغربي منها اللواء الرابع أشاوس واللواء السادس وهؤلاء يقاتلون كمرتزقة مع النظام الإماراتي، وفي عدن ولحج لواء قوامه ألف جندي وضابط، منهم سرية مشاة في رأس عباس وكتيبتان في مطار عدن ومطار بدر وكتيبة في قاعدة العند الجوية”.

وتقاتل القوات السودانية إلى جانب السعودية والإمارات مقابل المال، إذ قال حميدتي في خطاب سابق له إن “القوات السودانية مواصلة في دعم التحالف”، وذلك عقب مطالبة الثوار بالانسحاب من اليمن. وأضاف: “الأموال المدفوعة من الإمارات والسعودية دخلت البنك المركزي، ولم تدخل في جيب حميدتي أو غيره”، في إشارة إلى المساعدات المقدمة من أبو ظبي والرياض والبالغة 3 مليارات دولار.

واعترف الرئيس السابق عمر البشير، في أولى جلسات محاكمته أن “الأموال الكبيرة التي عثر عليها في منزله، تسلمها بصورة شخصية كهدايا من رئيس الإمارات خليفة بن زايد عبر ولي عهده، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان”، وهي اعترافات تؤكد أن نظام البشير قام “ببيع أبناء الجيش السوداني ليعملوا مقاتلين مرتزقة، لمصلحة تحالف العدوان السعودي الإماراتي في اليمن، لا قيمة لدمائهم وأرواحهم” بحسب اتهامات المعارضة له.

محارق ومستقبل مجهول

يحرص التحالف على تقديم القوات السودانية في الصفوف الأولى للمعارك كبش فداء “ويتم الزج بهم في أخطر المناطق، وأقذر المهمات، ويعاملون باستخفاف كبير. حدث أن رفض السعوديون استلام عشرات الجثث للجنود السودانيين وردوا بالحرف الواحد دعوهم للشمس”، كما أكد الأهنومي. وأضاف باستغراب: “مع ذلك هم مستمرون في حماية الحدود السعودية والجنود الإماراتيين المتمركزين في قواعد عسكرية أنشأتها الإمارات في العند وعدن وفي الساحل الغربي، على رغم تعامل النظامين معهم كبيادق رخيصة جداً”.

خلال سنوات الحرب ارتكب السودانيون في اليمن “انتهاكات وصلت حد الاغتصاب والاعتداء على المنازل في الساحل الغربي”، بحسب الناطق بحسب القوات المسلحة للحوثيين، وأكدت تحقيقات صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن 40 في المئة من القوات السودانية المشاركة في اليمن هم أطفال بين 13 و18 سنة.

وكان دقلو، قال في آب/ أغسطس الماضي إنه كقائد وحدات الدعم السريع “أكثر الخاسرين من وجود القوات السودانية في اليمن”، وهو ما يمكن اعتباره خطوة أولى في طريق الانسحاب السوداني، بخاصة مع استمرار الخسائر من دون تحقيق أي نجاح لأهداف التحالف، واتضاح مدى صعوبة مواجهة اليمنيين وقتالهم.

وفيما يبدو انسحاب السودان من اليمن وشيكاً، حتى إن كان إلى اليوم مجرد أخبار لم يرد نفيها، فإن الخاسر الأكبر من هذا الانسحاب هما المملكة العربية السعودية وشقيقتها الصغرى اللتان استعانتا بالقوات السودانية كأكبر قوة برية في التحالف من أجل المهمات الميدانية، بخاصة مع فشل جنود الدولتين في المواجهات العسكرية البرية التي يتقنها اليمنيون، وهو ما يترك السؤال مفتوحاً عن مستقبل التحالف بعد ذلك.

جنوب اليمن… من تفكيك الوحدة إلى تفكيك الانفصال

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email