fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي - كاتب فلسطيني

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

عن الساروت الذي أنار الطريق ومضى

أثار مقتل عبد الباسط الساروت، في ريف حماه، في معركة مع النظام والميليشيات المتحالفة معه، جدالات كثيرة في وسائل التواصل الاجتماعي، على رغم أنه حظي بإجماع وباحتفاء بين السوريين لم يسبق أن حظي به أحد قبله، منذ بداية الثورة، إلا أن ذلك لم يسلم من وجهات نظر حاولت أن تطرح رأياً آخر، أو مختلفاً، في شأنه.

وتتمحور الانتقادات أو التساؤلات المعترضة أو المتحفظة على ظاهرة الساروت، حول تحول الشاب نحو العمل مع بعض الفصائل الإسلامية العسكرية، وعمله في فترة معينة مع جماعة تنضوي في إطار “داعش”، على رغم أنه ظل مطلوباً فيها وفي جبهة النصرة، وعلى رغم أنه لم يعرف عنه تدين ينم عن تشدد أو تطرف لا في مواقفه ولا في سلوكياته.

ثمة هنا ثلاثة تحفظات على وجهات النظر تلك، التي تبدو متسرعة، أو تستسهل تقديم تساؤلات نمطية جاهزة، ضد العسكرة وضد الأسلمة، من دون أن تلاحظ تعقيدات الصراع السوري، والمداخلات الخارجية التي تثقله، أو التي تفرض مساراتها أو أجندتها عليه، وهي على أهميتها ومشروعيتها، حمّلت الشاب الراحل أكثر مما يحتمل. لذا وفي مناقشة وجهات النظر تلك، يمكن طرح الملاحظات الآتية:

أولاً، لم تكن التحولات التي ذهب إليها الساروت ذات مصدر فكري أو أيديولوجي، إذ لم يكن حزبياً ولا مثقفاً (وهذا ليس مأخذاً عليه)، إذ إنه لم ينل حقه من التعليم مثل كثر من السوريين المهمشين في الأرياف والأطراف، لذا من الخطأ، ومن الظلم له، اعتبار انخراطه مع هذا الفصيل أو ذاك، نتاجاً لتحول سياسي أو أيديولوجي عنده، مع أن ذلك تم لفترة قصيرة، وعلى رغم أنه حصل بحكم الأمر الواقع، نتيجة سيطرة فصائل معينة في المنطقة التي أصر على البقاء فيها داخل سوريا، بدل مغادرتها، في ما اعتبره ضرورة للبقاء في الأرض، في حين خرج أمثالنا منها.

لم تكن التحولات التي ذهب إليها الساروت ذات مصدر فكري أو أيديولوجي، إذ لم يكن حزبياً ولا مثقفاً

ويحضرني هنا حديث سابق مع رزان زيتونة، بعدما تعرض مكان إقامتها لتهديد علني في الغوطة (من جيش “الإسلام”)، فدعوتها إلى المغادرة حفاظاً على سلامتها، فكان جوابها العنيد والنبيل: “إذا غادرت، وغادر كل من مثلنا، من سيبقى إذاً في البلد؟”. عموماً، الساروت نفسه تبرأ من تلك الفترة القصيرة في تصريحات علنية، من دون أن ننسى أن ثمة كثراً مثل الساروت يعيشون في تلك المناطق، من المعارضة، أو الناس العاديين، وهم في ذلك يعانون من هيمنة تلك الفصائل، ولا يمكن صبغهم بطابعها، بل ويتمردون ضدها، لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

ثانياً، لا أعتقد أن العسكرة والأسلمة (وهذه غير الإسلام)، تعبران عن تطور وتحول داخلي في ثورة الشعب السوري، إذ إنهما أُدخلتا إليها، في طابعها الأعم والسائد، من الخارج، واحتلتا مشهد الثورة السورية بفعل مداخلات من أطراف خارجية، وبواقع ارتهان بعض من شخصيات المعارضة لأطراف خارجية. طبعاً، لا ينفي ذلك وجود نزعة للعمل المسلح للرد على بطش النظام ولرفض إقحامه الجيش في قمع الشعب، كما تبدت في ظاهرة “الجيش الحر”، وظاهرة الدفاع عن أحياء وقرى ضد الشبيحة وأجهزة الأمن، لكن تلك الظواهر العفوية والطبيعية، لم تتطور إلى حد فرض ذاتها، أو لم يسمح لها بالتطور التدريجي. لذا فإن الفصائل المسلحة التي طغت على الثورة السورية، وفرضت مساراتها العسكرية اللاحقة عليها، نشأت بفعل دعم خارجي، تقصّد استبعاد ظاهرة “الجيش الحر” تحديداً، وتصعيد فصائل ذات طابع أيديولوجي معين. وبالمثل، أيضاً، لا يمكن نفي نزعة “الأسلمة”، لكنها وهي التي اقترنت بالعسكرة، ينطبق عليها الأمر ذاته، مع علمنا أن ظاهرة السلفية الجهادية، التي تحكمت بمشهد الثورة السورية، غريبة عن التدين الشعبي السوري، المعتدل والمرن، بل إنها غريبة عن الإسلام السياسي السوري، بغض النظر عن رأينا به. وكما شهدنا فإن السلفية الجهادية في سوريا نمت فجأة، وصعدت بشكل سريع، حتى على حساب جماعة “الإخوان المسلمين”، التي تعاملت ببرغماتية انتهازية مع هذا الأمر، تحت لافتة “أخوة المنهج”، ما أضر بثورة السوريين، وبإجماعاتهم الوطنية. كما أضر بها، وبصدقيتها، علماً أن النواة الصعبة للسلفية الجهادية السورية في أغلبيتها من غير السوريين. وأختم بالتذكير بتفصيل بسيط، مفاده أن “داعش” و”النصرة” ومن يشبههما، غير محسوبين على الثورة السورية، ولا يحسبون أنفسهم عليها، بل إن معظم قتالهم، استهدف جماعات “الجيش الحر” والفصائل الأخرى، أكثر مما استهدف النظام.

ثالثاً، في شأن هكذا نقاش يجدر التمييز بين تحولات ناجمة عن حراكات داخلية في الثورة السورية، سياسية وايديولوجية وتنظيمية وعسكرية وتفاوضية، وبين تدخلات خارجية ممنهجة، من أطراف متباينة، استطاعت بقوة ثقلها ونفوذها فرض مسارات وخطابات معينة على ثورة السوريين، وأخذها بعيداً من مقاصدها الحقيقية. وتعني الأخيرة إسقاط النظام، وتحقيق توق السوريين إلى الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، لا سيما بحكم افتقاد هذه الثورة كياناً سياسياً جمعياً، وافتقادها طبقة سياسية تدير صراعها ضد النظام. هذا مع علمنا أن القوى الخارجية هي التي أضحت، منذ سنوات، تتحكم بالصراع السوري، أي بالطرفين المعنيين، النظام والمعارضة.

“داعش” و”النصرة” ومن يشبههما، غير محسوبين على الثورة السورية، ولا يحسبون أنفسهم عليها، بل إن معظم قتالهم، استهدف جماعات “الجيش الحر” والفصائل الأخرى، أكثر مما استهدف النظام.

رابعاً، الفكرة الأساسية هنا في ما يخص الساروت، أن ما حصل معه حصل مع غيره، في الغوطة ودرعا والقلمون وأرياف حلب وإدلب وحماه، بخاصة أن النظام استطاع تدمير الطابع المديني للثورة، بتدمير بيئاتها الحاضنة، وتشريد سكانها. لذا الأجدى في تحديد رأينا من ظاهرة ما، بسلبياتها أو ايجابياتها، الأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع، والمداخلات التي تحكمه، إذ لا توجد ثورات كاملة، أو نظيفة، أو بحسب قالب معين، فالثورات بمثابة انفجارات عفوية، لا تمكن هندستها، ولا التحكم بمساراتها، فكيف إذا كانت ثورة مستحيلة ويتيمة وبالغة التعقيد وباهظة الثمن، كالثورة السورية؟

شاهد: الساروت: البداية والنهاية…

أهمية الساروت تكمن في أنه يشبه شعبه وأنه إنسان عادي، صنع أسطورته بعيداً من أي ادعاءات حزبية أو أيديولوجية أو وجاهية، وصنع ملحمته ببقائه في أرضه ثم في استشهاده، عن عمر 27 سنة، بعد استشهاد والده وثلاثة من إخوته. الساروت حارس مرمى منتخب شباب سوريا، الذي بزغ نجمه في بداية الثورة عن عمر 19 سنة، سيبقى في ذاكرة ناسه وقلوبهم، وسيبقى نجماً في السماء، ينير طريق الحرية للسوريين.

عبد الباسط الساروت: سيرة ثورة مغدورة

إقرأ أيضاً