fbpx

هنا القصة الثالثة

موفق نيربية - كاتب وسياسي سوري معارض

موفق نيربية - كاتب وسياسي سوري معارض

مقالات الكاتب

عن الثورة السورية المطرودة إلى الأطراف

“يا بثينة يا شعبان… الشعب السوري مو جوعان”.

كان هذا شعاراً رفعته تظاهرات الأسابيع الأولى من ثورة السوريين، رداً على ما طرحته مستشارة الأسد حول زيادة رواتب العاملين في الدولة، لامتصاص الغضب الذي بدأت نذره، قبل انطلاق الثورة، بتظاهرة تجار سوق الحريقة ورفعهم شعار “الشعب السوري ما بينذل”. وكان ذلك طبيعياً، لأن الاحتجاجات الأولى تركزت في المدن، أو حاولت التمركز فيها. في حين أن العوامل الاقتصادية عادت لتفعل فعلها لاحقاً، ودخل غضب الفئات الأضعف على الخط، ومع الانسحاب من المراكز إلى الأطراف، سواء حدث هذا بدفع من النظام الذي استمات حتى يبعد التحركات من المراكز المدينية، أو بتأثير ما حفزه عنفه من ضرورات للاستحكام بشكل أفضل، ثم للعنف المضاد لاحقاً.

وفي وقت سابق، كان نزل في دمشق، في 5 شباط/ فبراير 2011، شباب متلهفون للالتحاق بركب الربيع العربي بعدما أفعمهم وأنعشهم ما حدث في تونس والقاهرة، وبعدما أكدت الدعوة إلى التظاهر بعض صفحات التواصل الاجتماعي. نزلوا إلى شارع الصالحية في قلب العاصمة ليستطلعوا ويشاركوا عند ثبات الرؤيا. وكذلك نزل بعضهم إلى ساحة الأمويين، إحدى أكبر ساحتين في المدينة. وجد الشباب أن كثيراً من الدوريات الأمنية جاهزة لهم، قبلهم، وحولها أعداد غفيرة من الأفراد المخبرين المكشوفين. كان الميزان مختلاً بقوة لمصلحة النظام، الذي يعرف أهمية الساحات، وأهمية المدن. 

هنالك كثيرون لمسوا على مدى عقودٍ من عمر النظام السوري توجّس نواته الصلبة من المدن. مع أنه أحبها أيضاً كما يحب الفاتح غنيمته الأثيرة، وأحبها أكثر حين استطاع أن يقولبها على هواه، حتى لا نقول خارج السياق الآن، إنه قام بترييفها. وكان من حسن حظه أن شاهد دور ساحاتها الكبرى في الثورتين العربيتين السابقتين. في ذلك كان وضعه “مختلفاً”، كما كان يقول ممثلوه عن حقٍ حين يُسألون عن احتمال انتقال عدوى الربيع العربي إلى سوريا.

حصلت محاولات أخرى من الشباب الثائر للوصول والتمركز في الساحات، وكان أهمها وقتذاك نجاح شباب حمص، في 18 نيسان/ أبريل 2011 في نقل زخم جنازات الشهداء وغضبهم بشكل محكم وبعشرات الآلاف إلى الساحة الأهم في المدينة. وكانوا يعبّرون عن الوحدة الوطنية بين الطوائف في ذلك الاعتصام، بشكل ينذر النظام بالخطر، فقابلهم في أولى ساعات الفجر بالمجزرة، التي كانت كبيرة بحيث سدّت الباب على أي اعتصام يحتل وسط المدينة لاحقاً. وعوّض الحماصنة عن ذلك في ساحة العلو في حي الخالدية الذي أصبح شهيراً بعد ذلك، بصموده ومجازره وساروته.

بعد ذلك بأربعة أيام فقط، استهدف الثوار ساحة العباسيين الكبرى شرق المدينة، حين حاول آلاف الشباب الذين انطلقوا من دوما وعربين وزملكا وحرستا عبور حي جوبر للوصول إلى الساحة، فواجهتهم قوى النظام الضاربة بالعنف المفرط وبالرصاص الحي القاتل. وفي الواقع لم ينجح في تلك الاستراتيجية إلا حماة ودير الزور بشكل واضح. في تلك المدينتين، احتلت التظاهرات مراراً وسط المدينة بأعداد تصل إلى مئات الآلاف، في صيف ذلك العام.

قامت تظاهرات وجنازات غاضبة مراراً في المدن وأحيائها، بقيادة النخبة الأولى للثوار الشباب، الذين قابلتهم السلطة بالاغتيال والخطف والاعتقال والتشريد، فانزاح مركز الثقل أولاً إلى الأحياء الأبعد من المركز، ثم إلى الضواحي، فأبعد وأبعد. على الأطراف، كانت حماية التظاهرات أسهل، وكان المتظاهرون أكثر قدرة على المقاومة والاستمرار، نسبياً. لذلك كان حصار بابا عمرو غرباً في البداية، ثم حصار حمص القديمة، والوسط الشرقي والشرق الشمالي، بالاستناد إلى شبكة الأحياء القديمة، وإلى ما خلفها من أفق مفتوح، وريف متواصل.

مسار العنف والدم أنتج بالضرورة إمكاناً للعنف المضاد، برغبة قوية بذلك لدى النظام، لأن الحل الأمني ساحته الأثيرة، ولا ينفي هذا أنه كان لدى بعض قوى الثورة قابلية للانجرار وميل مضمر نحو العنف أيضاً، ولأسباب عدة. وكانت النتيجة حتى الآن في دمار المدن، خصوصاً في حمص وشرق حلب ودير الزور، وفي الرقة لظروف مختلفة قليلاً. وأيضاً دمار الأطراف والمدن الأصغر في جوبر ودوما وداريا وبلدات الغوطة الأخرى، والقصير وشمال حمص، وفي كل مكان تقريباً. ولا نتناول الآن دمار إدلب وشمال حماة وريف حلب، حيث لا يزال الباب مفتوحاً على الجحيم.

استطاعت السلطة تحييد المدن الكبرى، بالاستيعاب والاحتواء، أو بالتدمير حيث يمتنع ذلك. في حين قابلتها المعارضة على شكلين: إما بالاحتلال العسكري- التحرير- بما يفتحه من أبواب لتدميرها لاحقاً كما حدث في شرق حلب مثلاً، أو بهجائها والتشهير بوسطية أهلها وحيادهم أو رماديتهم كما قيل. هكذا، صار للنظام أن يحظى بالهدوء في تلك المدن الكبرى خصوصاً، وأن يدعي أنه يحظى بتأييد أغلب ساكنيها وتعاطفهم. 

ولكن للأمر وجوهاً أخرى، لا بدّ من الإشارة إليها في هذه العجالة.

لم تكن هناك فسحة من الوقت لكثيرين للاطلاع على كتاب محمد جمال باروت الممتاز “العقد الأخير من تاريخ سورية- جدلية الجمود والإصلاح”، الذي يبدو أنه كان بدأ به قبل الثورة ثم تركّز شغله عليها في أشهرها الأولى. يؤكد باروت أن سبب انطلاق الاحتجاجات وكثافتها في الأطراف دون المركز، يكمن في حالة التهميش التي ازدادت بشكل دراماتيكي في العقد الأول من الألفية، حين خلف بشار أباه، ويتحدث أيضاً عن الاستقطاب بين الملاكين الصغار ورجال الأعمال الجدد الذين أعاد الأسد الصغير تشكيل بنيتهم مرتين حتى الآن، وكيف أن مصالح تلك الفئة المنفلتة من أي عقال قادت إلى “استملاك” واسع النطاق للأراضي في داريا والمعضمية مثلاً، ما يفسر بشكل أفضل درجة الثورية المتميزة في تلك المناطق، وهذا كان يشمل كل بلدات الغوطة تقريباً. يسمي باروت دمشق وحلب خصوصاً المركزين المليونيين. مع أنه كان هنالك أيضاً، ما يشبه ذلك ما بين إدلب وريفها مع حلب، على قياس أصغر. كما لاحظ تلك الظاهرة بمقياس أصغر ما بين جبل الزاوية المهمش وأريحا المستريحة نسبياً، كما جاء في رسالة شخصية من ابن إدلب خطيب بدلة إلى باروت. تلك الأطراف اشتغلت على “تثوير” المركزين المذكورين، وخصوصاً من قبل “طرف” فيه طبقة وسطى أكثر وضوحاً وتنظيماً و”مدنيةً”، من الناحية السياسية كما في دوما القريبة جداً من العاصمة. وحصلت منذ نيسان/ أبريل وفي وقت مبكر، وعلى أسبوعين متتاليين، محاولات الوصول إلى ساحة العباسيين المشار إليها أعلاه.

هنالك كثيرون لمسوا على مدى عقودٍ من عمر النظام السوري توجّس نواته الصلبة من المدن. مع أنه أحبها أيضاً كما يحب الفاتح غنيمته الأثيرة، وأحبها أكثر حين استطاع أن يقولبها على هواه، إنه قام بترييفها.

وقبل ذلك بوقت بعيد، كان حافظ الأسد باشر بناء علاقة راسخة مع دمشق عند استلامه السلطة الكاملة عام 1970، وتحالف مع أهم رجال الصوفية والمؤسسة الدينية مباشرة، كأحمد كفتارو أحد كبار شيوخ النقشبندية في سوريا والعالم، وأيضاً محمد سعيد رمضان البوطي الأشعري وثيق الصلة بالنقشبندية أيضاً، ثم بتشجيع هذين ورعايتهما ما سُمّي القبيسيات، أي أكبر تنظيم دمشقيّ التمركز ومبتكر في توجهه نحو فتيات الطبقة العليا والوسطى الأعلى، وكن بعشرات الآلاف. اعتمد الأسد الأب عقداً ضمنياً مع تلك الجماعات يعطيها فيه الأمان وإطلاق الأيدي مقابل الموادعة وتسهيل أمور السلطان.

الشيء ذاته كان مع رجال الأعمال الكبار، الذين وجدوا في الأسد الأب ملاذاً لهم وحليفاً أنيساً من تهديدات شرسة كانت تواجههم من قبل من سبقه من اليساريين. ما حدث مع الدكتاتور الابن أنه انتبه إلى حلب أيضاً، فحالف ودعم صوفييها مع أحمد حسون الذي ورث الإفتاء بعد وفاة كفتارو، وكذلك رجال أعمالها الجدد الذين ضمهم إلى ركب سابقيهم في دمشق. فاتسعت الهوة وأصبحت فلكية بين تلك الطبقة ومهمشّي سوريا، واسترخى “المركزان المليونيان”، حتى أصبحت الأطراف أرض الثورة المقبلة.

إلا أنه كانت هنالك طبقة وسطى قوية في هذين المركزين، بدأت تظاهراتها السلمية الفاعلة والمنظمة تنظيماً رفيعاً، وكان يمكن أن تتابع وتبقي عليهما مشاركين بذاتهما وقائدين حيث ينبغي ذلك. غير أن النظام كان ذكياً بإدراكه أن حصنه الأخير الحقيقي هناك، وأن ملايين المدن الكبرى قادرة على تعديل الميزان حين تبقى مؤيدة أو على الحياد، فدعم كل ما من شأنه أن يبقيها كذلك، بالقتل والاغتيال والترهيب والترغيب، وبتحويل دمشق وحلب إلى حقول مقسمة ومزروعة بقوى الأمن والحواجز، ومغريات الاقتصاد الحربي وسياحته الداخلية.

وكما هو معروف جيداً الآن، كان سلوك المعارضة استجابة لدنة لذلك الفعل السلطوي، فتركت العنان لاستعداد المدن المليونية وسكانها، وأهملت الاتصال والتواصل فيها، وهمشت الثوريين والمعارضين منها، ووقعت في الفخ المنصوب، بدل مواجهته. 

حين تكون المسألة متمحورة حول “الحرية والكرامة”، كما كانت في أوائل الثورة، كان لا بدّ أن تكون ليبرالية ومدينية تطرح هدف إقامة “الدولة المدنية الحديثة”. ومع الجنازات وضربات القدر، تنسحب إلى الأطراف، وتعتصم بشعارات إقامة حكم الله على الأرض كلها، وتعتصم أيضاً بسلاح الداعمين وأموالهم غير المباركة.

وحتى الآن، ما زال الأمر كذلك، بل بطريقة أكثر عمقاً وإيغالاً في الخطأ. وحين يتكلم بعض المعارضين الآن عن “الداخل”، لا يقصدون إلا إدلب وبعض ريف حلب وحسب، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال!

المعارضة السورية: تقاليد وفرص…

إقرأ أيضاً