عن التحيز الجنسي في صناعة الكحول

ترجمة- The Independent
سبتمبر 25, 2019
يعد التحرش الجنسي مشكلة تنخر في الكثير من الصناعات، وصناعة الخمور ليست استثناءً.

عندما قررت “الحملة البريطانية للخمر الحقيقي”Campaign for Real Ale، المعروفة اختصاراً بـ”كامرا” CAMRA، حظر منتجات البيرة التي تحمل أسماء أو ملصقات متحيزة جنسياً من مهرجان البيرة البريطاني الكبير هذا الصيف، كانت ردود الفعل متوقعة تقريباً.

فقد احتفت صحيفة “غارديان” بقرار حظر المشروبات التي تصور المرأة بصور تحقيرية ذات طابع جنسي. وعلى النقيض من ذلك، صرحت صحيفة “ذا صن” أن كامرا تفتقر إلى “حس الدعابة”، ونشرت سلسلة من أنواع البيرة المختلفة، تحمل صوراً على حد قول الصحيفة “ستعاني للإفلات من تلك المجموعة المُفترضة من الناس الذين يحاولون تطبيق القواعد الصائبة سياسياً من وجهة نظرهم”.

على غرار رد الفعل على قرار مجلس مدينة بيركلي بإعادة تسمية “فتحات المجاري” Manholes، لما تنطوي عليه من تعبير ذكوري، “فتحات الصيانة”، فإن الصور واللغة ذات الطابع الجنسي تُشكل مواضيع مثيرة للخلاف والشقاق.

ومع ذلك، تشير الأدلة إلى أن اللغة والصور التي نستخدمها في الحياة اليومية تُشكل الطريقة التي نفكر بها في الأشخاص الذين ينتمون إلى بيئة اجتماعية معينة. والأهم من ذلك، الأشخاص الذين لا ينتمون إلى هذه البيئة.

تبرر مجموعة كامرا قرارها باعتباره حظراً “للبيرة التي تستخدم عبارات تمييز على أساس الجنس”. وكان القصد من ذلك هو إتاحة شرب الجعة أمام النساء اللواتي كن يشعرن بالنفور بسبب الدعاية المتحيزة جنسياً.

على رغم ذلك، لا يوجد ما يربط البيرة بالذكور خصوصاً، ولا سبب يمنع النساء من شربها. لذا فإن التنويع في ثقافة البيرة، يبدو متوافقاً مع الحس التجاري الجيد لصانعيها.

تشكل النساء 17 في المئة فقط من شاربي الجعة في المملكة المتحدة، لذلك فمن الواضح أن هناك سوقاً غير مستغلة هنا. وفقاً للبحث الذي أجرته شركة “يوغوف”، المختصة بأبحاث الأسواق، لمصلحة شركة Dea Latis، وهي مجموعة من النساء اللواتي ينتجن البيرة، فإن الإعلانات هي العائق الأكبر الذي يمنع زيادة عدد اللواتي يشربنها. لذلك، ومن هذا المنظور، فإن حظر التسويق المتحيز جنسياً يبدو فكرة جيدة.

انعدام المساواة على مستوى الصناعة

على رغم أن حظر أسماء البيرة التي تعكس تمييزاً جنسياً، إضافة إلى الدبابيس الدعائية، قد يساعدان في تغيير ثقافة تناول تلك المنتجات، لا يزال من الضروري القيام بالمزيد من الجهود لتحقيق المساواة بين الجنسين على مستوى صناعة الخمور نفسها. ومن المؤكد أن هناك خطوات لازمة لفتح مجال صناعة الخمور أمام تنوع أكبر. فقد قامت “جمعية الأحذية الوردية” Pink Boots Society، بتشجيع النساء العاملات في مهنة صنع الجعة منذ منتصف العقد الأول من الألفية، وبدأ مهرجان FemAle، للبيرة الاحتفاء بالنساء في صناعة الخمر منذ عام 2014.

تشكل النساء 17 في المئة فقط من شاربي الجعة في المملكة المتحدة، لذلك فمن الواضح أن هناك سوقاً غير مستغلة هنا.

وبعيداً من هذا، تشير البحوث الأكاديمية إلى أنه لا تزال هناك حواجز ثقافية كبيرة تحول دون مشاركة المرأة في صناعة الجعة. فقد كشف البحث الذي أجريته بالتعاون مع “سكوت تايلور” و”نيل ساذرلاند” عن حرفة صناعة الجعة، بمشاركة نساء من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسويد، عن الكثير من العوائق التي تمنع النساء من الانخراط في تجارة الجعة وتحقيق تقدم فيها.

يعد التحرش الجنسي مشكلة تنخر في الكثير من الصناعات، وصناعة الخمور ليست استثناءً. فقد تحدثت كثيرات قابلتهن عن التحرش الجنسي في العمل، بدءاً من اللمس بطرائق غير لائقة، وصولاً إلى محاولات التقرب الجنسي غير المرغوب فيها، والتعليقات المُهينة. فضلاً عن أن استهلاك الكحول بشكل منتظم واعتبارها جزءاً من الحياة العملية اليومية، ساهما في احتمالات وقوع حوادث التحرش.

بالنسبة إلى امرأة تعمل في مجال التسويق والمبيعات، فإن تمضية الوقت في الحانات يُعد جزءاً أساسياً من العمل، لذلك فالتعامل مع رجال تحت تأثير الكحول يُمثل جزءاً من حياتها المهنية اليومية. وعلى ذلك، تجد الكثير من النساء أن حياتهن العملية تتداخل بانتظام مع الحياة الاجتماعية لأشخاص آخرين – وأن “السياق المهني” ليس هو المهيمن دائماً.

من جهة ثانية، تُشكل الساعات اللازمة لصناعة الجعة حاجزاً آخر أمام المرأة التي لا تزال تتحمل معظم مسؤولية العمل المنزلي ورعاية الأطفال، التي لا تتلقى لأجلها مقابلاً. ولذا من المرجح أن تؤثر ساعات العمل غير المتوقعة أو غير الاجتماعية على المسار المهني للنساء أكثر من تأثيرها في الرجال.

لا تتماشى عملية صناعة الجعة عادةً مع يوم عمل معتاد يبدأ من التاسعة صباحاً وينتهي في الخامسة مساءً. اعتماداً على نوع الجعة التي تُصنع، أو طبيعة المكونات، فإن تحويل الجعة من المواد الخام ونقلها إلى أوعية التخمير، يمكن أن يتطلب يوم عمل يبدأ من الـ5 صباحاً وينتهي عند منتصف الليل تقريباً، كما أخبرنا أحد مصنعي الخمور. وقال آخر إن “طبيعة المواد الخام تتحكم في العملية… ففي بعض الأحيان، اعتقدت أنني سأكون في المنزل في وقت معين، لكنني لم أفعل. فقد كان علينا البقاء ورعاية الجعة والتأكد من أنها جيدة”.

كما أن الكثير من مصانع الجعة صغيرة، وبخاصة في ظل تنامي حرفة صناعة الجعة، ولذا على صانعي الجعة أن يتابعوا العملية من البداية إلى النهاية. ويمكن أن يتعارض ذلك مع المسؤوليات الملقاة على عاتق المرأة خارج نطاق العمل. وبما أن الأجور في هذه الصناعة منخفضة نسبياً، فإن الاستعانة بمساعدة خارجية لتحمل هذه المسؤوليات داخل المنزل، ليست دائماً خياراً متاحاً.

التمييز الجنسي غير المتعمد

يُمثل تصميم معدات صناعة الخمور عائقاً أيضاً. نظراً إلى أن النساء يختلفن عن الرجال في البنية الجسدية والحجم، فإن تصميم المعدات يُمكن أن يخلق تحديات إضافية للنساء في هذه الصناعة، وهي نقطة أشارت إليها عالمة الاجتماع سينثيا كوكبورن في الثمانينيات. فقد ذكر العديد من مصنعي الجعة الذين تحدثنا معهم، المواصفات البدنية التي يتطلبها العمل في صناعة الجعة وإصابات الظهر المتكررة التي يتعرضون لها. بالطبع، تؤثر هذه الأمور في الرجال أيضاً، ولكن لها تأثير مضاعف في النساء، لأن المعدات مصممة أصلاً لتلائم أجساد الرجال.

يعد التحرش الجنسي مشكلة تنخر في الكثير من الصناعات، وصناعة الخمور ليست استثناءً.

يجب أن يتقن صانعو الجعة جميع جوانب عملية التصنيع، ويمكن الرجال منع النساء من التقدم الوظيفي عن غير قصد أثناء محاولة مساعدتهن. وكما أخبرتنا إحدى صانعات الجعة، عندما بدأت، “واجهت عقبة كبيرة في التغلب على الرجولة الغريزية لدى الجميع، والتي لم تسمح لي بأداء عملي. لم تكن هناك مشكلة في هذا الأمر أبداً، لكن الأمر يسري كالآتي “حسناً، سأرفع هذا”، فيقول رجل “لا، هل أنت متأكدة؟ سأرفعه أنا. فأقول” نعم، أنا متأكدة فعلاً”. كان التغلب على هذا التمييز الجنسي غير المقصود عائقاً آخر تواجهه الراغبات في الانخراط في صناعة الجعة، وذلك لأنه كان عليهن أن يثبتن أنفسهن، في حين كان الأمر أكثر سهولة للرجال.

لا تزال هذه الأنواع من التمييز اليومي تشكل حواجز أمام النساء العاملات في مجال صناعة الخمور، وتشير إلى أن خلق تنوع حقيقي في تجارة الجعة سيتطلب أكثر من مجرد تغيير في دبابيس الإعلانات. على رغم ذلك، فإن أبحاثنا تشير إلى أن التغيرات التي طرأت على الصناعة، لا سيما ازدهار حرفة صناعة الجعة، خلقت فرصاً جديدة للمرأة.

بفضل التركيز الذي تتسم به حرفة صناعة الجعة، على الابتكار والتجريب والذوق الجمالي، بإمكان النساء أن يقدن التغيير داخل هذه الصناعة، ويتحدين بذلك صورة “الذكور المبتذلة القديمة” التي جعلت الخمر الحقيقي ساحة ذكورية. ومن خلال خلق أشكال جديدة من الجعة، وأساليب جديدة للإنتاج، يُمكن أن تنتزع المرأة مكانها في صناعة يهيمن عليها الرجال منذ 400 عام.

هذا المقال مترجم عن independent.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي 

مشكلة النساء البيضاوات مع “الحزب الجمهوريّ”

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email